حرص الناقد والشاعر عبد الرقيب الوصابي ـ في كتابه «شطرنج المتعدد» الصادر عن منشورات مواعيد 2023 ــ على الإشارة إلى إدراكه أن الاشتغال على مضمون الكتاب محفوفٌ بالرهبة من مصيرٍ مأهولٍ باحتماليةِ ألا تكون النجاة ماهيته المقبلة. وفي سياق ذلك، يشير أيضا إلى أن غايته ليست السعي إلى الإحاطة الشاملة بمادة العمل، وإنما الإلمام بصورٍ من أنساقها المتعددة.
وجوهر هذه الإشارة كامنٌ، بلا ريب، في أن مادة العمل هي المُنجز الكتابي، الذي تشكّلت به تجربةُ الكاتب والناقد علوان الجيلاني. بتعدد فضاءاتها، واكتنازها سعةً وثراءً وتدفقا كتابيّا فارقا؛ إذ تجاوزت فيها إحالةُ مفهومِ التعدد على اهتمامات صاحبها وميوله وهواياته المتنوعة، إلى شمولها اشتغاله المعرفي والنقدي والبحثي والتحليلي.
عنونة السبر والتكثيف
تضمّن حديثُ المؤلف، بصورةٍ غير مباشرة، في سياق المحور الأول «علوان الجيلاني ونموذج المثقف حين تنقذه المعرفة» إشارةً إلى جوهر الدلالة على سمة التعَدُّد في مضامين التجربة الجيلانية، والربط بينها وبين لعبة (الشطرنج) من خلال سمة التعدد، التي قامت عليها صياغةُ عتبةِ العنونة (شطرنج المتعدد)؛ اتّساقا مع تجربة الجيلاني المتعددة؛ «لقد صنع هذا المتعدد شطرنجه».
ويبدو لي أن هناك بُعدا إضافيّا، من الأبعاد الإيحائية في العلاقة بين العنونة ومعطيات التجربة (مادة الكتاب). يتمثّل في نسقين، الأول: نسق التفاعل بين معطيات التجربة نفسها، وفاعليته في إثرائها المطرد؛ إذ يتشكل من العلاقات، التي تتخلّق من انتقالات التجربة بين أجناسها المتعددة. ويتوازى مع ما ينشأ من علاقاتٍ، بين كائنات (لعبة الشطرنج)؛ وفقا لسياقات الدلالة الوظيفية في كل مربع من مربعات رقعتها. وهي سياقاتٌ تتحكم فيها علاقةُ المتغيّر (المُعطى/ الكائن) مع المربع الذي يتموضع فيه من جهة، ومع علاقاته بكائنات المربعات القريبة منه من جهة أخرى.
ويتمثّل النسق الثاني، في صراع معطيات التجربة المتعددة (الهامش) مع (المتن)؛ سعيا إلى أن ينال (الهامش) استحقاقاته في المشهد الثقافي والإبداعي. وهو ما أشار إليه الكاتب صلاح الأصبحي، في قراءته الثقافية التي تصدرت الكتاب، واقترب فيها من الكشف عن الارتباط النسيجي، بين هذا النسق وعتبة العنونة وإحالاتها على المضمون المتعدد. بما في هذا المضمون من تجسيدٍ للصراع النسقي، الذي تدور حوله تجربة علوان الجيلاني، والتعاطي معه بوصفه صراعا بين المتن والهامش، يحاول فيه الهامش التصدي لهيمنة المتن، من خلال إثبات وجود الذات المبدعة القادمة منه. وبذلك، يمكن القول إن عتبة العنونة اتسمت بتعددٍ إيحائي ودلالي، أفضى إلى تجانُسِ الإحالةِ فيه على جوهرِ التعددِ والتنوع في التجربة، التي يقوم عليها اشتغال الكتاب. كما أحالت على انعكاس هذا التعدد في الخريطة التوزيعية لمحاور العمل، وتمفصُله عناوينَ داخلية، دخلت في صياغتها كلها، الكلمة المحورية في العنونة الخارجية (الشطرنج) فجاءت أقسام الكتاب، على هذا النحو: «شطرنج الشعر، شطرنج السرد، شطرنج النقد، شطرنج الحوار، شطرنج التصوف، شطرنج الشفاهية».
احتفاء ونقد
لا شك في أن التعاطي مع تجربةٍ متعددةٍ على هذا المستوى من الاستثنائية، يحمل في طياته معنىً من معاني الاحتفاء بشخصية التجربة، وهو ما لم تفت المؤلف الإشارة إليه. وإلى اتّسام العمل بهذه القيمة من الاحتفاء النبيل، فإنه قد قام في اشتغاله على نوعٍ من النباهة الكتابية، التي أفلح المؤلف من خلالها في الحفاظ على المسافة بين شخصيته (مؤلفا وناقدا) وشخصية التجربة (كاتبا متعددا محتفى به). وهو الأمر الذي كشفت عنه بكثافةٍ أنساقُ الكتابةِ وتقسيماتُ المتنِ، ولغةُ التدوين، والمنحى التأليفي.
ولعل أهم مساحةٍ تأليفية، تجلّت فيها تلك النباهة الكتابية، والمحافظة على المسافة بين الشخصيتين (شخصية المؤلف/ شخصية المُتعَدّد) هي تلك التي تعاطى فيها المؤلف مع رؤية الجيلاني التي احتفى من خلالها بالشكل الشعري الحديث «قصيدة النثر» وضمّنها كتابه «أصوات متجاورة» وقد بلغت منهجية التأليف في هذه المساحة مستوىً عاليا من الرُّقي في اختلاف الرؤى؛ إذ لم يتفق المؤلف مع هذه الرؤية، وتعاطى معها بوصفها تداعيا مع موجة الحداثة وتصالُحا مع المتعصبين للجديد. وبذلك جسّدت هذه الرؤية إيجابيةَ الاشتغال النقدي، الذي تفصله مسافاتٌ متساويةٌ، عن أطراف المواقف الجدلية المنقسمة على سياقين: التحيّز إلى شكلٍ شعريٍّ معين، ومناهضة شكلٍ آخر.
وعلى ذلك، فإن في الرؤية الجيلانية المؤازرة لـ»قصيدة النثر» ما يضعها في سياقٍ من الشعور بالمسؤولية النقدية تجاهَ شكلٍ من أشكالِ التحديث الشعري، وما يترتب على ذلك من السعي إلى إنصاف هذا الشكل الجديد، والعمل على التخفيف من السمة الاغترابية، التي التصقت به منذ إطلالته على نسيج إبداعي لم يألفْه. ولم يقتصر هذا السعي على الرؤية النقدية، وإنما اشتركت فيه الرؤيتان النقدية والشعرية في اشتغالات التجربة المتعددة؛ إذ تجلّت الرؤية الشعرية في إنجاز ديوان الجيلاني «كتاب الجنة». الذي قام بُنيانه على الشكلين الشعريين (التفعيلي/ والنثري) مُجسِّدًا من خلالهما رؤيته النقدية الداعية إلى تجاور الأشكال الإبداعية لا تنافرها. واضطلعت الرؤية النقدية في تجربة المتعدد ـ المؤازرة للشكل الشعري الجديد (قصيدة النثر) ـ بالاشتغال على هذا الشكل نقدا وتحليلا متناميا، بلغ ذروته في أحدث إنجازات هذه التجربة، المتمثل في كتاب «شجون الغريبة» بما يحمله عنوانه من طاقةٍ إيحائيةٍ ورمزيةٍ، إلى رحلة الاغتراب التي يتسم بها هذا الشكل الإبداعي.
تفاصيل الحياة والمنجز الإبداعي
كشفت سياقات الكتاب عن محورٍ مُهِمٍّ، تتشاركه المسارات المختلفة في تجربة المتعدد، متمثِّلٍ في نسق الحياة الواقعية، بمكوناتها الثقافية والاجتماعية والتاريخية والدينية والأنثروبولوجية، التي استندت إليها تجربة التعدد الكتابي، في اشتغالها النقدي والبحثي والاستقصائي على تفاصيل الحياة ويومياتها، بحثا عن نسيج العلاقات بين تفاصيل هذا النسق وانعكاساتها في المُنْجَز الإبداعي. تبدأ تجليات هذا النسق، في الواقع العلمي والمعرفي والثقافي، الذي نشأت فيه شخصية التجربة المتعددة، والدور الفاعل الذي اضطلع به هذا الواقع في تشكيل هذه الشخصية بأبعادها المختلفة إبداعيةً ومعرفية وفكرية، سواء على مستوى الأسرة التي أوْلَتْ فتاها عنايةً خاصة، وسخَّرتْ له أقصى المستطاع من أسباب النجاح، أو على مستوى البيئة المحيطة به في تهامة، بما لها من شهرةٍ في الثراء الثقافي والمعرفي.
ثم كانت لهذا النسق الواقعي حيويته، في البيئة الجديدة التي انتقل إليها الجيلاني (مدينة صنعاء) بما فيها من مركزيةٍ للمشهدين الثقافي والمعرفي السائدين في مؤسساتها الأكاديمية والثقافية، حيث اختلفت هذه المرحلة الواقعية عن سابقتها؛ فقد اقتصر الاحتفاء فيها على المركز والمتن، مقابل النيل من الهامش المُتَجَسِّد في شخصية التجربة (التهامية) المتعددة، التي لم يستسلم صاحبها، وإنما «كان يُحَوِّل كل دسيسةٍ أو حملة عليه إلى وقود يدفعه إلى إنتاج المزيد من الضوء» وهنا يظهر جمالُ ردَّةِ الفعل النبيلة، التي عمِلَتْ تجربةُ المتعددِ، من خلالها على عدم استنزاف طاقتها، في أتون الصراع مع أقطاب التهميش، وإنما توظيف سلبية الواقع في مزيدٍ من الإنجاز المتجدد، الذي ارتقى بهذه التجربة إلى مصاف المتن، إن لم يكن قد عمل على الإسهام من خلالها في صياغة المشهد الثقافي والأدبي والنقدي.
وبعد هذه الفاعلية المحورية، لنسقية الواقع في تحفيز الذات المتعددة، يكشف السياق التأليفي عن فاعلية هذا النسق في شعرية الذات، من خلال الإشارة إلى أن الغالب من موضوعات الشاعر الجيلاني «مستفادة من واقع بيئته» لا سيما في تعاطيه مع المفاهيم الصوفية والروحية، وإسقاطه لها على الواقع الإنساني، بما فيه من غاياتٍ ورغباتٍ وتراكمات وجدانية متصاعدة. كما ظهر هذا النسق الواقعي، في البعد السردي من تجربة المتعدد؛ إذ تجسّد في عمله الروائي «أورفيوس المنسي» الذي اتخذ فيه من تداعيات الواقع في مختلف جوانبه، وتناقضاته، وتنوعه الجغرافي، سياقاتٍ سردية، استوعبت ما ترتب على هذا الواقع، من طبائع وسلوكياتٍ وتجارب إنسانية متعددة، في حياة الموسيقي (ناجي القدسي) الشخصية الرئيسة في هذه الرواية.
وفي مسار الاشتغال النقدي من تجربة المتعدد، تجلت أنساق الحياة الواقعية، فيما عملت على استقصائه من تفاصيل الحياة التي عاشها الشاعر إبراهيم الحضراني، وما ترتب على تداعياتها من أثر بالغ في تشكيل تجربته الشعرية. كذلك، كان لنسقية الواقع ـ في تجربة المتعدد ـ تجلياتها في اشتغال الجيلاني على تدوين سيرة بني «حشيبر» منطلقا من واقعية اللحظة المعاصرة، بتفاصيلها التي نسجتْها مآثر هذه الأسرة، ذات الجذور الضاربة في عمق الهوية الاجتماعية، التي توارثت عنها عددا من القيم الإنسانية، كالتكافل الاجتماعي، وأخلاقيات الاعتناء بمن جار عليه الزمن. ومن صيغة هذه الهوية الاجتماعية السامية، كانت انطلاقةُ تجربة المتعدد في رحلته البحثية والتدوينية، لتاريخ هذه الأسرة، من المدونات التراثية والحكاية الشفاهية المتناقلة بين الأجيال.
رؤيةٌ في تجربة المتعدد
كانت غاية هذا العمل هي الكشفُ عن بعضٍ من تجليات تجربة المتعدد، وفقًا لما تضمّنتْه إشارةُ مؤلفه إلى ذلك في سياقاتٍ مختلفة، امتدت إلى الصفحات الأخيرة، التي تضمّنت واحدةٌ منها تأكيدا لهذه الغاية، الماثلة في الإلمام بأطرافٍ من منجز المتعدد لا الإحاطة بها جميعها.
لكن لا يبدو أن هذه الغاية وحدها هي ما وصلت إليه هذه الرحلة التأليفية، وإنما اتّسعَ فيها الكشفُ باتساع التجربة وثرائها المتنوع؛ إذ أحالت مسارات الكتابة على الجهد الكبير الذي بذله المؤلف في إنجاز كتابه، وعلى امتلاكه قدرة فائقة على التعاطي مع تجربة استثنائية، متعددة الفضاءات غزيرة الإنتاج الكتابي.
وإلى ذلك، فإن من أهم ما وصلت إليه هذه الرحلة، من غير أن تتضمّنه تلك الغاية التأليفية المُشار إليها، هو تقديم رؤية واضحة في مسارات تجربة المتعدد، بما في هذه الرؤية من ضمنيةٍ لآليةٍ كتابيةٍ مهمةٍ في تنوير القارئ، وتمكينه من استيعاب خطوط هذه التجربة، ومداخل السَّفَرِ القرائي والبحثي في أي سياقٍ من سياقاتها، والخروج من الارتحال في خصوبتها ذات الثيمات المتعددة، بجملةٍ من صيغ الحياة وتقاطعاتها الفاعلة، في تأطير الاشتغال المعرفي والإبداعي والثقافي.
شاعر وناقد يمني