أحمد يوسفعرف أبناء جيلي السينما خلال خمسينيات القرن العشرين من مصادر ثلاثة، كان الأول بالطبع هو السينما المصرية بكل أنماطها الشعبية، التي كانت تلقى منا هوى خاصا في دور عرض ‘ الترسو’، حيث تشكل وعينا الأول بهذا الفن، أما المصدر الثاني فكان السينما الأمريكية التي كنا شغوفين بإيقاعها السريع، وإن لم نلتفت آنذاك لما تبثه من أفكار عنصرية، فكنا نصفق لطرزان حين يقتل الأفريقيين، ونبتهج عندما يقضي الكاوبوي على الهنود الحمر.
وفجأة اجتاح دور العرض المصرية فيلم لقي رواجا هائلا، حتى أننا شاهدناه مرات عديدة خلال أسابيع قليلة، وكانت تلك هي بداية تأثير السينما الهندية في المتفرج المصري، وصانعي الأفلام المصريين أيضا. كان ذلك هو فيلم ‘ من أجل أبنائي’، الذي عرفت فيما بعد، عندما درست تاريخ السينما، أن عنوانه الأصلي هو ‘ أمنا الهند’. إنه يحكي عن امرأة يبدأ بها الفيلم شابة في مقتبل العمر، فلاحة فقيرة تتزوج من حبيبها الفلاح الفقير، ويتعرضان لظلم رجل ثري يقرضهما بالربا، ويكاد أن يمتص كل ما تغله أرضهما. يصاب الزوج الشاب إصابة تفقده ذراعيه، ويصبح عالة على الزوجة، فيقرر أن يختفي دون أن يترك أثرا، وتصبح البطلة وحيدة، تعمل مع ابنيها في المساحة القليلة من الأرض، وتقاوم… تقاوم ملاحقات الرجل الثري الذي يعرض عليها أن يخلصها من الفقر، لكنها ترفض أن ‘ تبيع’ نفسها، وتقاوم الطبيعة القاسية التي تعصف بالقرية وتدمر الحصاد، وترفض أن تهجر القرية وتقرر أن تبنيها من جديد، فتبث الحماس في أهل القرية جميعا، وتقاوم الصراع بين ولديها حول رغبة أحدهما في الانتقام وميل الآخر للتسامح… وتمضي حياتها فنراها في نهاية الفيلم عجوزا، قدمت تضحيات هائلة لكنها استطاعت أن تحافظ على كرامتها، وقريتها، ووطنها.
لم نلتفت كثيرا لذلك القدر الكبير من الميلودراما التي سوف نعرف فيما بعد أنها تميز معظم أفلام السينما الهندية، لكن ما توقفنا عنده بحق كان تلك العواطف الجارفة التي تنتقل بين الفرحة والبهجة من جانب، والحزن والفاجعة من جانب آخر، كانت عواطف نقية تجعلنا نرتجف في الحالين معا، كما توقفنا أيضا عند القيم النبيلة التي يحثنا الفيلم عليها: التضحية، العمل الشاق، الكرامة، التسامح، وحدة الهدف، المقاومة، والأمل في أن النهاية سوف تكون دائما تعويض الفقير والمضطهد والمحروم بأن يحصل على السعادة يوما ما.
كانت تلك العواطف، وهذه القيم، بالإضافة إلى عوامل أخرى سوف نأتي إليها لاحقا، هي العمود الفقري للسينما الهندية، وفي الحقيقة أنها لم تكن في الهند مجرد ‘ أفلام’ يتسلى بها الجمهور، لكنها كانت ‘ الغذاء الروحي والثقافي’ الذي تتغذى عليه أمة تتألف من قارة كاملة، كانت عاملا أساسيا في اتحاد ما يزيد على مليار من البشر، يتحدثون بما يزيد على عشرين لغة… وكما ازدهرت السينما الصامتة في أمريكا، في الساحل الشرقي والغربي على السواء، لأنها كانت الغذاء الفني المشترك لملايين المهاجرين الذين وصلوا لأمريكا دون أن يتقنوا اللغة الإنكليزية، فقد كانت السينما أكثر أهمية بالنسبة للهند، لأنها لا تتوجه في الأساس لمجموعات مختلفة من المهاجرين، لكنها تتوجه هنا إلى شعب يتكون من ثقافات ولغات مختلفة، وكانت السينما بالنسبة لهم بوتقةً للانصهار، وعاملا بالغ الأهمية في تشكيل ونضج القومية الهندية المشتركة.
ليس غريبا إذن أن تذكر المراجع المعاصرة أن الهند تعتبر الدولة الأولى في العالم ( وليس أمريكا كما قد نتصور للوهلة الأولى) في انتاج الأفلام، فقد أنتجت في عام 2009 فقط حوالي ثلاثة آلاف فيلم، من بينها حوالي ألفٌ وثلاثمئة فيلم روائي طويل، ولا تُعرض هذه الأفلام داخل الهند فقط، بل يتم توزيعها فيما يزيد على تسعين سوقا سينمائية، في أنحاء مختلفة من العالم، كما تشترك بعض هذه الأفلام في مهرجانات السينما العالمية. وإذا كانت السينما الهندية قد قدمت للعالم نجوما شعبيين مثل نرجس وراج كومار ( هل ما نزال نذكر تلك الحفاوة التي وجدها أميتاب باتشان عند حضوره مهرجان القاهرة السينمائي منذ سنوات؟ وهل يعرف البعض منا أن أحد المطربين الشعبيين المصريين قد اتخذ من اسم ‘ باتشان’ اسما للشهرة له؟)، أقول أنه إلى جانب هؤلاء النجوم الشعبيين فقد قدمت السينما الهندية مخرجين تركوا بصماتهم الفنية القوية في تاريخ السينما العالمية، منذ ساتياجيت راي، ومرينال سين في الخمسينيات، والآن هناك شيكار كابور، وميرا ناير، وديبا ميهتا. ومن الناحية الاقتصادية فإن صناعة السينما الهندية تشكل وجودا ماليا قويا في سوق الأوراق المالية، خاصة وأن هناك شركات عالمية قررت أن تدخل إلى هذه السوق المثمرة، في مساهمات مشتركة مع الهند، مثل شركة فوكس للقرن العشرين، وشركة سوني، وشركة إخوان وارنر.
وكما أن صناعة السينما الهندية تمثل بوتقة لجماهير من ثقافات ولغات مختلفة، فإن ‘ الفيلم الهندي’ ( الجماهيري على نحو خاص) كان بدوره بوتقة للعديد من العناصر التي تركت تأثيرها على شكله ومضمونه. كان العنصر الأول هو الملاحم الهندية القديمة، مثل ماهابهارتا ورامايانا، وهناك بعض الدراسات التي تقتفي أثر صورة الآلهة النساء في هذه الملاحم في تشكيل صورة المرأة في السينما الهندية، أما على مستوى الشكل فهذه الملاحم تشبه على نحو ما ‘ ألف ليلة وليلة’ في ثقافتنا، إن السرد لا يمضي في خط مستقيم أبدا، فهو يعود إلى قصة من الماضي، أو يمضي إلى قصة فرعية ليعود بعد ذلك إلى القصة الأساسية، كما أنه يحتوي على القصة داخل القصة، كأنها طبقات متداخلة من السرد، تأخذ المتلقي إلى متاهة ممتعة من ‘ الحواديت’، يكاد أن يغيب فيها عن الواقع، ليدخل إلى عالم سحري غامض.
وهذا العالم السحري، المفارق للواقع، من أهم سمات السينما الهندية الجماهيرية، وقد جاء ذلك من العنصر المؤثر الثاني، وهو الدراما السنسكريتية التي تعتمد اعتمادا كاملا على عنصر ‘ الفرجة’، وتمزج الدراما والغناء والرقص، ولا يهدف هذا العرض إلى محاكاة الواقع، بل إلى تقديم عالم ذي أسلوبية شديدة الخصوصية. وهنا يمكن لنا أن نتأمل قليلا الفرق بين الأفلام الموسيقية الهندية والأخرى الهوليوودية، فهذه الأخيرة تجعل من موضوعها عالم الاستعراض، لذلك فإن الموسيقى والغناء يأتيان في العادة من مصدر واقعي، لكن السينما الهندية تصنع عالما تتحدث فيه الشخصيات عن أفكارها ومشاعرها بالغناء، وتعبر فيه عن مواقفها بالرقص، وهو ما ترك تأثيره على العديد من أنماط الأفلام في دول عديدة ( تأمل مثلا دور الأغنية في السينما الشعبية المصرية)، بل إن فيلما هوليووديا ناجحا معاصرا مثل ‘ مولان روج!’ للمخرج باز لورمان يقتبس هذا الأسلوب ليصنع عالما أسلوبيا خاصا. وأرجو أن تتأمل أيضا فيلم المخرج البريطاني داني بويل ‘ مليونير العشوائيات’ الذي فاز منذ عامين بجوائز عالمية بالغة الأهمية، وهو في جوهره تحية ولاء لتقاليد وحبكات وتيمات السينما الهندية الشعبية.
وهنا يأتي دور العنصر المؤثر الثالث، إن هذا العالم الخاص يمزج الواقعية بالفانتازيا، ولا يجد تناقضا بينهما، وهو ما يعود إلى تقاليد المسرح الهندي المعروف باسم ‘ بارسي’ في القرن التاسع عشر، ومرة أخرى تختلف السينما الهندية عن قرينتها الأمريكية، فليس الأمر متعلقا بما يشبه تقاليد ‘ الفودفيل’ الذي تتعاقب فيه النمر التمثيلية والأغنيات والرقصات، فالمسألة في السينما الهندية ليست في التعاقب، وإنما في المزج الكامل، حيث لا تستطيع في نسيج الفيلم أن تفصل بين المأساة والكوميديا، أو الشاعرية والميلودراما، أو الحديث العادي والأغنية، أنت دائما أمام عالم خاص، تدخل إليه وتترك عالمنا الدنيوي وراء ظهرك، لتخرج إليه بعد أن تشاهد الفيلم وأنت تحمل مشاعر وقيما نقية، وقد لا نشعر في الحياة العادية أبدا بمثل هذا القدر من النقاء.
وربما دخل في الآونة الأخيرة عنصر جديد، يُعرف على مستوى العالم باسم ‘ أسلوب إم تي في’، نسبة إلى أشهر المحطات الفضائية التليفزيونية في مجال الموسيقى والأغنية، ومن خلال هذا الأسلوب أصبحت الأفلام أكثر سرعة في إيقاعها، وتستخدم زوايا كاميرا غريبة… لكن المفارقة هنا أن السينما الهندية كانت في جذورها تحتوي على بعض عناصر هذا الأسلوب الجديد، فالغناء والرقص هما من المكونات الأساسية للدراما، كما أن السرد يقفز بين الأزمنة والأماكن في طرفة عين، وإذا كانت السينما الهندية قد عرفت مثل هذا الأسلوب منذ نشأتها، فقد انتقل للسينما العالمية عندما أتاحت الإمكانات الرقمية مثل هذا المونتاج الذي يطلق عليه أهل الصناعة ‘ السرد اللاخطي’. إن ذلك لا يعني أن السينما الهندية كانت مغلقة على ذاتها، رافضة أن تتأثر بالأساليب السينمائية في بلدان العالم المختلفة، أو أن تخرج عن تقاليد الفيلم الهندي في شكله الشعبي النمطي، ولم يكن غريبا أن يتأثر ساتاجيت راي في الخمسينيات بالواقعية الجديدة الإيطالية، خاصة بفيلم فيتوريو دي سيكا ‘ سارقو الدراجات’، ولقد عمل راي مع المخرج الفرنسي الشهير جان رينوار في فيلمه الذي صوره في الهند، وكان اسمه ‘ النهر’، وتجلت فيه الواقعية الشاعرية الفرنسية، وكان هذان التأثيران واضحين في فيلم راي في منتصف الخمسينيات ‘ الأب بانشالي’، وتبني هذا الجيل، مع مرينال سين أيضا، وريتويك جاتاك، أساليب الموجة الجديدة الفرنسية، وسينما الفن الأوروبية، ودخلت إلى أفلامهم الاهتمامات الاجتماعية والسياسية المعاصرة. كما شهدت السينما الهندية خلال الأعوام الأخيرة رغبة من صناع الأفلام في الخروج من ‘ التوليفات التقليدية’، وذلك بسبب الشعور بأن ذوق المتفرج الهندي قد تغير قليلا، في ظل الانفتاح على مؤثرات جديدة وعديدة، والثورة التكنولوجية العالمية في مجال وسائط الاتصال والفنون. لقد أصبح متاحا أمام المتفرج الهندي، خاصة من الطبقات الوسطى في المدن، أن يشاهد أحدث الأفلام من مختلف دول العالم، ويمكن أيضا أن تكون مدبلجة إلى اللغة الهندية. لذلك ظهرت بعض الأفلام التي تحاول اقتفاء أثر صيحات ما بعد الحداثة في السينما الأمريكية، وكانت أفلام كوينتين تارانتينو من أهم المؤثرات في هذا المجال، ربما لما تحفل به من مبالغات تذهب بالواقعية إلى ما يمكن أن نسميه ما بعد الواقعية، حيث لغة الشارع هي السائدة، والعنف هو اللغة المشتركة، ناهيك عن دور الجنس في تشكيل العلاقات، التي تصبح غرائزية إلى أقصى مدى.
تبدو السينما الهندية الآن في مفترق طرق، على المستوى الثقافي والاقتصادي معا، حيث المنافسة التجارية بالغة الشراسة مع السينما الأمريكية الراسخة من جانب، والسينما الصينية المتنامية من جانب آخر. أما من الجانب الثقافي فهي تحاول أن تقف جنبا إلى جنب مع آخر الصيحات الفنية في السينما العالمية، لكنها لا تريد أيضا أن تفقد دورها ‘ الوطني’ في توحيد شبه القارة الهندية، بالتأكيد على العناصر المشتركة الخاصة بالثقافات الهندية، وإعلاء شأن القيم الأخلاقية التي تساهم في بناء مجتمع معاصر لا يفقد في نفس الوقت أصالته. إنها قضية لا تعيشها السينما الهندية وحدها، بل كل صناعات السينما الوطنية، خاصة في عصر تبدو فيه ‘ العولمة’ نعمة ونقمة في وقت واحد، قضية أن تنفتح على العالم وتحافظ أيضا على هويتك، قضية ألا تكتفي بأن تتأثر بل أن تؤثر أيضا، وتقدم إسهامك للحضارة الإنسانية. وإني على يقين من أن السينما الهندية لن تفقد أصالتها، ونكهتها. وعلى ذكر النكهة فهناك مصطلح في السينما الهندية يلخص توليفات الحبكة، في الأفلام الجماهيرية الهندية، التي تجمع في الفيلم الواحد بين عدة أنماط فيلمية. كثيرا ما ترى فيلما هنديا فلا تستطيع تصنيف نمطه، فهو يحتوي على الأكشن، والرومانسية، والكوميديا، والميلودراما، والموسيقى، والغناء، والرقص، والخيال، والواقع، والقضية الاجتماعية. إنهم يطلقون على ذلك النمط الهندي الخاص اسم ‘ ماسالا’، وهي تعني حرفيا خلطة التوابل في المطبخ الهندي.
إن ذلك يذكرني بمصطلح نحته ناقدنا المصري الراحل سامي السلاموني، حين أطلق لفظ ‘ كشري’ على أفلامنا الجماهيرية في مصر، لقد كان ذلك استهجانا، لكن للقضية وجهها الآخر، لماذا لا تكون ‘ الماسالا’ السينمائية، و’ الكشري’ السينمائي، هما الغذاء الفني لجماهيرنا، التي لا تعرف الاسكالوب بانيه ولا يجب أن نتركها للهامبورغر، لماذا لا نبدأ من هنا والآن من غذائنا الفني الخاص لنقدم اسهامنا السينمائي لجماهيرنا ولجماهير العالم في كل مكان؟ ‘ ناقد من مصر