تصدر للصديق الكاتب الكويتي طالب الرفاعي، في الأيام القادمة، رواية جديدة اسمها «خطف الحبيب»، والرواية كما يوحي عنوانها، قد تكون تتناول موضوع الحب، الذي ذكرت في مقالات كثيرة، أنه موضوع قديم جدا، لكنه متجدد وحيوي، ويمكن الكتابة عنه في أي وقت، وبحسب رؤية الكاتب، وأيضا حسب المعطيات التي يمنحها زمن الكتابة، أي تلك البهارات التي يمكن مزجها بالموضوع من أجل نكهة جديدة، بحيث نقرأ دائما قصص حب مختلفة تماما عن بعضها.
ليس الموضوع هنا خاصا بصدور رواية للصديق طالب، وقد عودنا على إصدار رواية أو مجموعة قصص قصيرة ممتعة، كل فترة، ربما كل عامين كما أذكر. لكن الموضوع هنا ما فعله طالب لتصدر روايته القادمة في بلدان عربية كثيرة، من دور نشر مختلفة، وبأغلفة لا يشبه أحدها الآخر، تلك الأغلفة الجميلة التي بدأ بنشرها مؤخرا، تنويها للكتاب، وجلبا للفضول، لأن لا أحد نشر عملا في خمسة عشر دارا في الوقت نفسه، وكل دار تنشره بوصفه عملها هو، أي تلك الأغلفة، وأعتقد أيضا الطباعة الكاملة للكتاب، في كل بلد حسب إمكاناتها، وبالتالي سيكون السعر أيضا مختلفا.
هذه التجربة الجديدة، تبدو مبهرة فعلا، أن توحد مزاج كل هذا العدد من الناشرين، على كتاب واحد، وتترك لكل واحد خيار تلوين غلافه وطباعته. وقد يبدو الأمر صعبا، خاصة وكلنا يعلم أن النشر العربي في معظمه أداة من أدوات الربح الفردي للناشر، يبعد فيه الكاتب تماما عن الحساب، وأي كتاب يصدر في أي دار نشر، لا بد من حساب هامش ربحي جيد قبل نشره، وذلك إما بالاعتماد على اسم الكاتب إن كان معروفا وله قراء، أو الحصول على تكاليف الطباعة من المبدع، إن كان مغمورا ويطرق مغامرة النشر للمرة أو المرات الأولى، آملا في الحصول على موضع قدم في سوق الإبداع.
ولكن قد يحدث أن يعجب ناشر ما بنص لكاتب مغمور، فينشره على حسابه، وهذا منحى نادر كما أعرف.
وبالنسبة للنشر المشترك، حتى بين ناشرين أحدهما في بيروت مثلا، والآخر في الخرطوم، يبدو الأمر صعبا، وغالبا لا يتم. وقد حاولت شخصيا نشر طبعات من كتبي مع ناشرين أتعامل معهم، وناشرين أود أن يوصلوا كتبي بأسعار زهيدة في بلدانهم، ولم ينجح الأمر. الناشر الأصلي يعتز بطبعته ويود أن يصدرها هي، والناشر المحلي يراها مكلفة، ويرغب في طبعة محلية، وهكذا.
الذي حدث أن طالب بهذه الخطوة الجريئة، التي وزع فيها «خطف الحبيب» على كل دور النشر هذه، قد يكون فتح طريقا ما، للتخلص مما كان يصادف الكتاب من تعقيدات، وإشكاليات في تنقله من بلد إلى بلد، عبر الشحن، والمرور بالجمارك، والرقابات التي قد تسمح بدخوله، وقد لا تسمح، وبالتالي يخسر الناشر جزءا من ربحه، والكاتب جمهورا كثيرا قد يكون ينتظر كتابه في معرض ما.
هنا الرقابة المحلية تجيز الكتاب في طبعته المحلية، المطابع المحلية في كل بلد تطبعه، والأيادي المحلية ترصه على رفوف المكتبات، ويتطلب نقله إلى معرض الكتاب إن حدث، ساعات قليلة.
نعم ثمة فتح، لا أعرف كيف سيكون، لكنه قطعا فتح جيد، وقد يجعلنا نحن الكتاب، نحاول مستقبلا إيجاد تلك النوافذ، ونسعى لفتحها. هناك متعة كبيرة أن ترى كتابك نفسه بخمسة عشر أو سبعة عشر غلافا مختلفا، ورؤية فنانين مختلفين، ومتعة كبيرة أيضا، أن تتوقف تلك الأسئلة التي دائما ما تتقاطر إلى بريدك: هل يوجد كتابك في بلدي؟
الكتاب مؤكد يوجد في بلدك أيها القارئ، لأنه منشور في بلدك، ومنشور في بلاد أخرى عديدة، وكل بلد أضاف إلى غلافه نكهته الخاصة، ليبدو كتابا نابعا من هناك، ويصب في أذهان القراء هناك.
من مآزق سفر الكتب الذي ذكرته أنني كنت في إحدى السنوات مدعوا إلى معرض كتاب في دولة عربية، وقد حددت لي الدعوة كتابا معينا من كتبي ستتم مناقشته في ندوة في المعرض. ولأن الدعوة رسمية، والندوة في قاعة رسمية، لم أفكر أبدا في احتمال عدم وجود الكتاب. ذهبت وأردنا إقامة الندوة، وكان هناك جمهور قليل، لم يقرأ أي واحد منهم الكتاب، ذلك ببساطة أن الكتاب تم منعه، وكان بالفعل صدمة، أن تدعى لمناقشة كتاب ممنوع من التداول في المكان الذي ستدور فيه المناقشة. وبالطبع لم يكن ثمة حل لأن الجهات الرسمية في كل بلد كما هو معروف لا تنسق مع بعضها، وكل جهة تعمل منفردة، ولذلك يحدث هذا، ويمكن جدا أن يدعى شاعر أو كاتب ضخم للمشاركة في حدث ما، ويمنح تأشيرة للبلد، وحين يأتي، تقوم سلطات المطار بمنعه من الدخول، وإعادته إلى بلده.
أعود إلى تجربة طالب الرفاعي، وهذا رجل يحب التجارب الصعبة، ويخوض فيها، وسبق أن أنشأ ملتقى القصة القصيرة في الكويت، ليلتقي المبدعون في بيته، ويناقشون قصصهم أسبوعيا. وتطورت تجربته بالعناد والمثابرة، لتظهر لنا جائزة الملتقى السنوية، التي باتت من الجوائز العربية المرموقة، خاصة أنها مختصة بالقصة القصيرة، في زمن تكالبت فيه الجهود الإبداعية كلها للإعلاء من شأن الرواية، تاركة القصة القصيرة، وهي إبداع أصيل، تتمزق في العزلة.
لقد أضافت جائزة الملتقى رونقا للقصة، ويشارك فيها مئات الكتاب المرموقين، ولم يتوقف نشاطها إلا بعد أن تدخل كوفيد 19 في كل الشؤون والنشاطات الإنسانية، وقيد تحركها.
سنتابع تجربة «خطف الحبيب» بلا شك، وأتمنى أن تنجح، ويتآلف معها الناشرون، لأن إبداعا كثيرا ربما ينبت في مكان بعيد لا يصل إلينا بسبب التعقيدات، وقد نجده في المستقبل بسبب تجربة جديدة كهذه.
*كاتب من السودان