الدوحة – «القدس العربي»: صغر سنهم لم يمنعهم من التحدي وإنجاز المهمة على أكمل وجه، الإبحار في عرض الخليج والعودة إلى الميناء محملين بكميات من اللؤلؤ مثلما كان يفعل أجدادهم في السابق في محاولة لاستحضار جوانب من المغامرة التي امتهنها سكان المنطقة. 60 طفلا قطريا أعمارهم تتراوح بين 10 إلى 16 سنة خاضوا تجربة فريدة تعد الأولى من نوعها على مستوى الخليج ودخلوا منافسات الغوص بحثا عن اللؤلؤ والمحار وبكفاءة عالية في إطار مسابقة «المينّي».
على أنغام موسيقى وإيقاع الفرقة الشعبية وفي أجواء احتفالية بهيجة استقبل الأهالي على شاطئ كتارا المشاركين في مسابقة «المينّى» من الأطفال ضمن مراسيم «القفال» الذي كان محل اهتمام السكان للتعبير عن فرح واستبشار الجميع بعودة البحارة سالمين غانمين، مع انتكاسة تظهر على وجوه من لم ير حبيبا غدر به البحر. فرحة الأطفال الصغار بلقاء أهاليهم بعد أيام من المعاناة قضوها في البحر وعلى يابسة جزيرة السافلية، كانت أبلغ من الكبار ابتهاجا بانتهاء التجربة بأمان وكسب التحدي الكبير. اللجنة المنظمة وتشجيعا منها للأطفال لمواصلة هذا الدرب مستقبلا والوقوف على تراث يكاد يختفي في ظل الطفرة الاقتصادية التي تشهدها دول الخليج كرمت كافة الفرق المشاركة ودعمتها. وفاز فريق بروق بالمركز الأول بعد أن اصطاد 3086 محارا في حين حصل فريق شرق على المركز الثاني بعدد 2753 محارا وكان المركز الثالث من نصيب فريق دامسة 1955 محارا. وتمكنت جميع الفرق خلال يومين من اصطياد نحو 10 آلاف محار.
وأكد الدكتور خالد بن إبراهيم السليطي، المدير العام للمؤسسة العامة للحي الثقافي، على أن كتارا، تحرص على أن تكون سباقة في الاحتفاء بالموروث القطري عموما والبحري خصوصا، فجاءت مسابقة «المينّي» للأطفال لتأصيل هذه الفكرة وتشجيع الأبناء على الاحتفاظ بهذا الموروث رغم كل المدنية والرفاهية المستشرية في المجتمع. مضيفا أن التقدم المحقق على جميع الصعد لا يجب أن ينتشل السكان من تاريخهم العريق وهناك سعي لتعزيز الروابط مع كل الموروث الضارب بجذوره في نفوس الناس. وقال أن «المشاركين رسموا صورة رائعة للوفاء للأجداد ولهوية القطري المتشبثة دوما بأصول التربية العربية الإسلامية وبفضائل الأخلاق الحميدة». وتقدّم بالشكر لكل من ساهم في إنجاح هذه المسابقة وخصّ بالذكر الأهالي الذين غرسوا الحماسة لدى أبنائهم وشجعوهم على خوض غمار هذه التجربة. وعبر محمد القحطاني أصغر «نوخذة» (ربان السفينة) في هذه المسابقة عن سعادته بهذه التجربة، مشيرا إلى أن والده هو من شجعه على خوض غمار المسابقة. وعبر جميع الأطفال الذين شاركوا في «الميني» عن فرحتهم الغامرة وسعادتهم البالغة بالمشاركة في هذه المسابقة غير المسبوقة، مؤكدين عزمهم وتصميمهم على مواصلة مسيرة الآباء والأجداد والحفاظ على مسيرتهم المباركة وتراثهم الزاهر، مثمنين المبادرة التي أطلقتها كتارا، والتي تمكنهم من اكتساب المعرفة الشاملة والخبرة الواسعة والعميقة بطرق وفنون الغوص بحثا عن اللؤلؤ وما يزخر به من إثارة ومغامرة.
وأكد هؤلاء الأطفال أن المسابقة جسدت رحلة تربوية تعلموا منها الكثير من القيم الإنسانية النبيلة والفضائل الحميدة التي يزخر بها الدين الإسلامي الحنيف وتمثلها الأخلاق العربية الأصيلة والقيم الدينية مثل التعاون والتعاضد والتكاتف والتآزر، والاعتماد على النفس والشجاعة وقوة التحمل والصبر والمثابرة، فضلا عن العلوم البحرية التي تميز تقاليد الصيد والغوص، التي تتجلى بأبهى صورها في فعاليات هذه المسابقة الرائدة، كالملاحة ومعرفة حالات الجو وسرعة الرياح وحركة الأمواج، وقيادة المركب وتدبر شؤونه وكيفية مواجهة المخاطر والمصاعب والسيطرة عليها.
وأشاد أهالي الأطفال المشاركين في «الميني» بإطلاق كتارا لهذه المسابقة التراثية الفريدة، والتي تشجع الأبناء والأحفاد على التمسك بموروثهم الأصيل.
وبدأت المسابقة بالتزامن مع بداية فصل الصيف، الذي كان يشهد انطلاق موسم الغوص الكبير، والمعروف بالتراث القطري البحري بأنه يبدأ عادة في منتصف مايو/مايو ويستمر أربعة أشهر، إذ كانت رحلة الغوص الواحدة لـ (المحمل) تستمر عادة بين أسبوعين إلى أربعة أشهر، بالإضافة إلى مواسم أخرى لا تزال تذكر في الموروث الشعبي مثل (الخانجية) التي يبدأ فيه الغوص في الربيع وخلال شهر نيسان/ابريل، و(الردة) و(الرديدة ) ويعني الرجوع مرة أخرى إلى الغوص وكان يبدأ بعد انتهاء الموسم الرئيسي بأيام قليلة ويستمر لمدة محدودة (حوالي ثلاثة أسابيع)، حيث توجهت المحامل الى هيرات، سواحل جزيرة السافلية القريبة من شاطئ الدوحة، وبعد الوصول كان نوخذة كل مركب يعطي أوامره، بالتوقف وغمر الأشرعة، وقياس أعماق البحر في المنطقة ( من خلال حبل من القطن يوضع في أسفله قطعة رصاص)، والتأكد من العمق ووجود المحار، ثم يأمر بإنزال الشراع وإلقاء السن وهي الخطاف اللازم للرسو وتثبيت السفينة. وتميز برنامج المسابقة بإقامة الأطفال للصلوات جماعة على متون المحامل، وتجهيزهم لوجبات الطعام، وعقد الندوات الدينية والمحاضرات التربوية وجلسات السمر التي غلب عليها الطابع التوجيهي والإرشادي المعنوي، ما يحقق الأهداف الرئيسية من إطلاق هذه الفعالية التي أرادت كتارا من خلالها أن تكون رحلة تربوية في الأساس إضافة إلى كونها مسابقة بحرية تستمد قيمها الراسخة من موروثنا الشعبي وتراثنا البحري الأصيل.
سليمان حاج إبراهيم