تجليات خان السينمائية شقة مصر الجديدة : رومانسية بطعم الفاكهة!
تجليات خان السينمائية شقة مصر الجديدة : رومانسية بطعم الفاكهة!القاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: بعد فترة توقف طويلة انتهت منذ عام بفيلم بنات وسط البلد عاد المخرج محمد خان ليواصل نشاطه بثاني تجربة له خلال عامين شقة مصر الجديدة مع نصفه الحلو السيناريست وسام سليمان، الزوجة التي تشاطره الحب والوجد والحنين إلي الماضي، شقة مصر الجديدة عنوان يأخذك إلي مساحة واسعة من التأمل ويدفعك للتساؤل عن المعني الذي يسكن بطن الشاعر، أو بالأحري بطن المخرج، وعلي الرغم من الإيحاء الحسي الذي قد يتبادر إلي الذهن، إلا أن سرعان ما تنتفي الفكرة ويتجه المؤشر إلي النقطة البيضاء المضيئة، حيث عوالم خان الشفافة وتفاصيل وسام الإنسانية الآسرة الموشاة بشراشيب الدانتيل كأنها تطريز باليد عكفت عليه وسام سليمان طويلا حتي صار جميلا علي النحو الرومانسي المختلف الذي دللت عليه الأحداث.تقيم السيناريست عمارتها الفنية علي قاعدة الارتباط النفسي بالشخصيات المهمة في حياتنا والتي لعبت دورا أساسيا في تشكيل وجداننا الصغير في مراحل الطفولة المبكرة فباتت جزءا لا يتجزأ من ذواتنا، حيث لا يمكن أن يفصل الإنسان حاضره عن ماضيه، خاصة إذا كان الماضي يتمثل في علاقة حميمية ربطت بينه وبين إنسان عزيز عليه، كما هو الحال عند البطلة غادة عادل نجوي التي عاشت طفولتها في بيئة ريفية تختلف في ثقافتها عن العاصمة، وظلت متمسكة بعلاقتها القديمة بأستاذة الموسيقي في المحلة الإعدادية والتي علمتها أن الحب يأتي بغتة ولا يخضع لشروط أو قواعد وأنه حق مكتسب لكل فتاة مخالفة بذلك الأعراف والتقاليد بالمجتمع الصعيدي الذي أخذت محافظة المنيا نموذجا له، من هنا استوعبت الصغيرة الدرس وتفتق ذهنها عن حيلة للبحث عن أستاذتها تهاني بعد سنوات طويلة فعقدت العزم علي السفر الي القاهرة للقاء الحبيبة الغائبة مواجهة ذلك العالم المجهول علها تجد ضالتها بين ملايين البشر وقد صارت شابة في سن النضوج، ولم يكن انتقال البطلة غير بداية لأحداث الفيلم الحقيقية بعد التمهيد الموجز والمختزل في نحو عشر دقائق تخللها لقطات للطفلة الصغيرة في مدرستها الإعدادية مرتدية زيها الكحلي، فيما ظلت الفتاة ترتدي ثيابها الملونة البسيطة طوال رحلة البحث عن أستاذتها تهاني التي تركت شقتها في ظروف لم يتم الاعلان عنها ليسكنها يحيي خالد أبو النجا الشاب الأعزب الذي يعمل موظفا ببورصة الأموال وتربطه علاقة طيبة بيوسف داود شفيق صاحب العقار الذي كانت تربطه علاقة عاطفية بتهاني الغائبة ـ الحاضرة طوال الفيلم والتي يأتي الإفصاح عنها من باب التأكيد علي حيوية المشاعر الرومانسية وبقائها برغم تباعد السنين والمسافات بين الطرفين، وهذه العلاقة العاطفية بين تهاني وشفيق ليست سوي جسر يعبر عليه كل من يحيي ونجوي ليلتقيا سويا داخل الشقة بحكم الضرورة الدرامية علي اعتبار أن شفيق هو همزة الوصل بين تهاني ونجوي والحارس الأمين علي مقتنياتها وأسرارها غير أنه شريك نجوي في مشاعرها تجاه استاذتها برغم اختلاف الأحاسيس وطبيعتها.تنجح وسام سليمان في تجميع كل الخيوط وتوفير كافة المعطيات الدرامية الواجبة لتولد علاقة عاطفية بين البطل والبطلة ليتسلمها المخرج محمد خان فيصوغ منها رائعته الرومانسية بمنتهي الشاعرية معتمدا علي تجاوب المتلقي ورغبته الفضولية في إدراك مصير الشخصية الرئيسية الغائبة تهاني وما يمكن أن تسفر عنه رحلة التلميذة المخلصة من نتائج إزاء إصرارها علي لقاء أستاذتها ونمو علاقتها الذي يزداد يوما بعد يوم بيحيي خالد أبو النجا فتي الأحلام وصاحب الامتياز الأول في قلبها.يفتح خان ممرات تصلنا ببقية الأبطال فنتعرف علي سائق التاكسي أحمد راتب عيد ميلاد وهو اسمه الفني داخل الفيلم، ذلك الرجل الطيب الذي يحمل إسما تفاؤلياً يتفق مع سماحة الشخصية ودورها النبيل، فهو يمثل الملاك الحارس لـ نجوي والدليل الأمين ولا نري منه علي مدي الأحداث غير ما يوحي بوجود الخير والنقاء داخل نفوس البشر برغم كل ما يتردد عن الجرائم والانتهاكات، وربما تكون هذه الشخصية رمزا لوجود الخير حيث يوجد الحب، وتقودنا شخصية ميلاد إلي عايدة رياض صاحبة بيت المغتربات التي تستضيف البطلة لمدة يومين بعد أن يفوتها قطار الصعيد المتجه إلي المنيا، ولذات الغرض الدرامي تتخلي عايدة رياض عن أدوارها المعتادة كممثلة إغراء لتلعب دور السيدة الطيبة في تناغم مع شخصية أحمد راتب، وبين توزيع الحوار علي الشخصيات وتعدد حيثياتها تستمر العلاقة الرئيسية بين البطلين محاطة بالعواطف والمشاعر الرقيقة لا يخدشها غير نزوات البطل مع صديقته مروة حسين التي تضعه بين خياري الزواج والانفصال فيختار الانفصال ليتفرغ لحبه الوليد وينصرف تماما عن نزواته فيما يشبه التطهر الكامل وتحويل المسار في اتجاه الحب بعد توطيد العلاقة بينه وبين النموذج الآخر، الفتاة الخجولة المختلفة في تكوينها الانساني والنفسي عن تلك التي منحته متعتها بسخاء فكان جزاؤها الهجر، هذا المعني كاد أن يترجم حرفيا علي مستوي الصورة والحوار، وقد برع المخرج محمد خان في أن يجعله نقطة النهاية في العلاقة الحسية.شيء ما جعل من فيلم شقة مصر الجديدة عملا فارقا ومختلفا، قد تكون الأجواء الرومانسية والكلاسيكية التي استخدم فيها المخرج الإضاءة والموسيقي التصويرية للتأكيد علي العامل الزمني والربط بين الأمس واليوم أو تلك النهاية شديدة الواقعية بدلالاتها المفتوحة ومعانيها الأعمق والأشمل من فكرة لقاء الحبيبين علي محطة السكة الحديد وعناقهما الحار الممهور بقبلة طويلة قبل نزول تترات النهاية في إشارة لانتصار الحب وتغلبه علي كل العقبات علي كريقة أفلام الأبيض والأسود، أم أن صوت ليلي مراد العذب وشدوها المؤثر لأغنية أنا قلبي دليلي كان وراء حالة التعبئة والشحنات العاطفية، مما أدي إلي إكساب الفيلم مذاقا خاصا، أتصور أن كل هذه المفردات مجتمعة أدت إلي الحالة الفريدة التي رأيناها علي الشاشة واستغرقتنا الي ما بعد نهاية العرض.2