أحمد عبدالكريم
أمسية الشاعر العربي محمود درويش الأخيرة في حيفا كانت تجليا ناصعا علي شاعرية درويش بحضوره البلاغي وقدرته علي اختراع المجاز اللغوي علي طريقة الكبار من قبيل المتنبي وأبي تمام معجونا برؤي راهن درويش ذاتاً وكيانا.
جاءت هذه الأمسية لتفند مقولة موت الشعر العربي، ولتؤكد قوة الحضور والإصغاء لدي متذوقي الشعر، عندما يتعلق الأمر بشاعر بحجم درويش. ولتؤكد من جانب آخر أن هذا الشاعر الفلسطيني ما زال محل تنازع بين من يريدونه شاعرا فقط، وبين من يرونه رمزا وطنيا، عليه أن ينهض بمهمة المناضل والسياسي، وعلي ضوء هذا فقط يجب تقييمه، وهو ما يفسر الجدل الذي رافق أمسية محمود درويش وزيارته إلي حيفا.
يقف محمود درويش علي قمة تجربته الشعرية التي أسس لها بدأب دون أن يكون قد أحرق أية محطة شعرية، صاعدا علي نار هادئة إلي نضجه الشعري الذي صار علامة فارقة في التاريخ.
لقد تحول محمود درويش بقوة الإبداع إلي حضور كثيف لا يوازيه أي حضور آخر، ولا يمكن أن يمر دون أن يثير الانتباه، كما تحول إلي مرجعية شعرية أصبح لها مريدوها الكثر في كل امتداد البلاد العربية، وألقت بظلالها علي تجارب الكثير من الشعراء الجدد وحالت بينهم وبين خصوصيتهم وتفردهم وصفائهم الشعري الخالي من ترجيع صوت درويش.
لا يمكن الحديث عن قطيعة جذرية أحدثها درويش مع التراث الشعري العربي، بمعني أنه ظل وفيا للبلاغة العربية، التي ذهب عميقا في استكناه مكنوناتها برؤية العاشق المتمرس، بخلاف كثير من الشعراء العرب الذين كانوا يقولون بضرورة الانفصال عن التراث.
لم يكن من السهل في وقت سابق مقاربة درويش منفصلا عن فلسطينيته، كونه يحيل علي القضية الفلسطينية التي ظلت عبئا علي شعريته، لأن التعاطي النقدي مع شعره ظل محكوما بظلال المعاناة الفلسطينية، مع ما يتخلل ذلك من تعاطف نقدي يغض الطرف عن الجماليات المؤسسة لفعل الكتابة، وهو ما جعله يكتب مقاله المعروف ارحمونا من حبكم.
كصرخة احتجاج في وجوه أولئك النقاد الذين كانوا يضعونه في خانة الأدب المقاوم الخالي من كل القيم الأخري.
وهكذا ظل درويش الوجه الشعري الآخر لفلسطين، الجرح العربي النازف في كل وجدان، ولا يمكن أن نلغي مدي إفادة محمود درويش من هذا الجانب في تحقيق انتشار أفقي جماهيري كبير في الوطن العربي منحه ثقة أكبر في التمكين لمشروعه الشعري الذي بدأه فيما بعد بعيدا عن هذا المنظور. وكمثال علي ذلك، فإن الاكتشاف الحقيقي لمحمود درويش في الجزائر كان سنة 82 عند إلقائه لقصيدته مديح الظل العالي في مؤتمر المجلس الوطني الفلسطيني، التي كان لها تأثير كبير علي عدد من الشعراء الجزائريين، أصبحوا يقلدونه حتي في طريقة إلقائه.
وفي هذا السياق ارتبط درويش في مخيال جمهور الشعر الواسع، بأدائه الإلقائي المتميز كظاهرة صوتية نادرة، حتي يمكن القول إن الإصغاء والإنصات إلي درويش أجمل بكثير من قراءته لا سيما عند متذوقي الشعر من غير النخبة، ما يفسر النجاح الذي تحظي به الأمسيات الشعرية التي يقيمها هنا وهناك.
بدايات درويش مع أوراق الزيتون و عاشق من فلسطين لم تكن مختلفة كثيرا عن غيره من شعراء الأرض المحتلة إلا بالقدر اليسير، لكن الآفاق الرحبة والأمكنة التي وصل إليها، أسهمت بشكل كبير في تشكيل رؤيته وإغناء تجربته الشعرية بعناصر جديدة لم تكن لتتاح له لو بقي في الداخل مثل غيره.
وتعد بيروت وباريس أخصب محطات تجربته الشعرية وفيها انتقل إلي كتابة أكثر إيغالا في الحداثة والتصاقا بذاته، كشكل من أشكال التعبير والوجود علي حد سواء، كتابة تتأسس علي الرؤيا والعبارة في آن واحد، ولا تقارب الحالة الفلسطينية إلا بما هي حالة إنسانية عامة، تحيل علي الإنسان أينما كان.. بعيدا عن فلسطين درويش التي تحيل عليه بقدر ما يحيل عليها كما كان يتم النظر إليه سابقا.. ولذلك وجد الكثير من الناس أنفسهم يتساءلون في البدايات الأولي للحديث عن تسوية سلمية للقضية الفلسطينية.. ماذا سنفعل بشعر درويش وشعر شعراء المقاومة الفلسطينية؟
بعد مجموعاته لماذا تركت الحصان وحيدا و لا تعتذر عما فعلت و سرير الغريبة و جدارية وصولا إلي حالة حصار و كزهر اللوز أو أبعد تجلي لنا درويش جديد منشغل بالشعر والمطلق وبالوجود والتأمل والجماليات والتنقيب عميقا في الإنساني والحميم.. درويش مكتنز بالغنائية وممتلئ بالحنين والمكان والذاكرة أكثر من امتلائه بالقضية والمقاومة والهم السياسي.. ها هو درويش يتجلي في حيفا، لا منفصلا عن فلسطين تماما ولا متصلا بها تماما لأنه لم يغب تماما ولم يحضر إلا لماما علي حد تعبيره.
كاتب جزائري[email protected]