لم يكن قرار تجميد عضوية يوسف الشاهد من حركة نداء تونس الصادر عن لجنة النظام في الحركة مفاجئا للرأي العام المحلي وللمهتمين بالشأن التونسي. فالعلاقات ساءت منذ مدة بين نجل رئيس الجمهورية حافظ قائد السبسي، المدير التنفيذي للنداء، وبين رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي تمرد على «صاحب قرطاج» وناور من أجل البقاء في منصبه «سيدا للقصبة» وتجنب مصير سلفه الحبيب الصيد، خلافا لإرادة رئيس الجمهورية.
وإذا علم السبب زال العجب، فحافظ هو بالأساس «سر أبيه» وعينه الساهرة على حزب اعتبره أحد وزراء النداء السابقين أصلا تجاريا، وذلك حين ردد مقولته الشهيرة بالعامية التونسية بأن الباجي هو «مولى الباتيندة» أي صاحب هذا الأصل التجاري. وبالتالي لا يستغرب أن يسارع المؤتمن على أملاكه أبيه إلى طرد كل من تسول له نفسه التمرد على قرارات الأب من هذا الملك الخاص ويسايره في ذلك أنصاره من الوافدين الجدد والقدامى على حد سواء.
ولعل ما شجع قيادات حركة نداء تونس على الذهاب بعيدا مع الشاهد واتخاذ قرار التجميد هو عدم رغبة إحدى القوى الفاعلة في المشهد السياسي التونسي في أن يواصل الشاهد الاضطلاع بمسؤولياته. والمقصود هو الاتحاد العام التونسي للشغل الذي حسم أمره في الشاهد منذ مدة وطالب بإقالته وازداد إصرارا على ما يبدو بعد إقالة الشاهد لوزير الطاقة وكاتب دولته على خلفية «فضيحة نفط المنستير» التي تم بموجبها اكتشاف استغلال أحد الخواص لحقل نفطي قرب مدينة المنستير وبيع منتوجه في السوق السوداء، وهو حقل منتج لكميات هامة.
ويرى البعض أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد كان مطالبا أخلاقيا بالرضوخ لقرارات رئيس الجمهورية باعتبار أن الأخير هو من ساهم في بروز الشاهد بداية كوزير للحكم المحلي في حكومة الحبيب الصيد ثم عندما كلفه لاحقا بتشكيل الحكومة رغم أنه لم يكن الأبرز في قيادات النداء وسيرته الذاتية يرى البعض أنها لا تؤهله لهذا الموقع البارز. فالشاهد بلا ماض سياسي، ولم يتقلد مسؤوليات في الدولة قبل انتخابات 2014 وبالتالي فقد كان صعوده السريع الذي لعب فيه الباجي قائد السبسي دورا رئيسيا مفاجئا ولافتا وساهم في فتح باب التأويلات والخيال الخصب المتعلق بالجهة التي تقف وراءه، على مصراعيه.
ومن مناورات الشاهد التي ساهمت في بقائه على رأس الحكومة، سعيه لنيل دعم حركة النهضة في صراعه مع خصومه الندائيين، وهو ما حصل بالفعل حين استجاب لمطلب أساسي من مطالب الحركة وهو إقالة وزير الداخلية السابق لطفي براهم الذي لا تستسيغ الحركة بقاءه، ويبدو أن سيد قرطاج أيضا توجس خيفة من براهم في ذلك الوقت ولم يعارض إقالته. وبهذه «الصفقة» نال الشاهد تزكية نواب حركة النهضة على وزير الداخلية الجديد الذي اقترحه خلفا لبراهم وانتفع قبل ذلك بتعطيل الحركة للمفاوضات حول وثيقة قرطاج 2 التي كانت ستطيح به.
ومن مناورات الشاهد أيضا تكوينه لكتلة نيابية داخل المجلس من نواب نداء تونس ومشروع محسن مرزوق وآفاق والاتحاد الوطني الحر وغيرهم. ومن المتوقع أن ينضم المزيد من النواب إلى هذه الكتلة التي من المتوقع أن تكون نواة لحزب سياسي جديد قد يؤسسه رئيس الحكومة وتنضم إليه شخصيات سياسية فاعلة في المشهد التونسي.
ويؤكد البعض على متانة التقارب بين الشاهد وحركة النهضة وصلت إلى حد حصول زيارة أداها يوسف الشاهد إلى مقر حركة النهضة وتعهد فيها لرئيس الحركة راشد الغنوشي بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية، وهو ما يعني للبعض أن الشاهد سيواصل رئاسة الحكومة إلى حدود الانتخابات الرئاسية سنة 2019. ولعل السؤال الذي يطرح هو كيف ستتعامل حركة النهضة مع حليفها رئيس الجمهورية في حال تمسكت بالشاهد الذي يعارض قائد السبسي بقاءه؟
ويرى البعض بالمقابل أن حركة النهضة لن تواصل التضحية بعلاقتها برئيس الجمهورية من أجل يوسف الشاهد باعتبار أن تحالفها استراتيجي لها ولتونس بالنظر لوزن رئيس الجمهورية في الساحة السياسية التونسية. وبالتالي فإن التزام يوسف الشاهد لرئيس حركة النهضة بعدم الترشح لانتخابات 2019 مقابل دعمه من أجل البقاء في منصبه، هو مجرد محاولة من الشاهد لنيل دعم نهضوي لن يناله في المستقبل باعتبار اختلاف الأوزان بينه وبينه رئيس الجمهورية.
لقد اعتادت حركة النهضة على منح الوعود لأكثر من مسؤول سياسي بدعمه ومن عادة رئيسها ان لا يقول لا لأي كان، لكنها بالنهاية لا تبحث إلا عن مصالحها ودعم وجودها في المشهد السياسي التونسي. وبالتالي فإن مصلحة حركة النهضة يبدو أنها مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وليس مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي فقد حتى دعم حزبه حركة نداء تونس.
ويرجع البعض هذه الفوضى الحاصلة في تونس إلى النظام السياسي الجديد الذي فرضه دستور 2013 الذي أقر نظاما هجينا وغريبا فيه رئيس جمهورية لديه قوة الانتخاب المباشر من الشعب ولا يتمتع بالمقابل بصلاحيات مقارنة برئيس الحكومة صاحب الصلاحيات الواسعة والمعين من قبل رئيس الجمهورية. ولهذا فالنظام التونسي هو نظام هجين يصعب تصنيفه مع الأنظمة المتعارف عليها في العلوم السياسية وفي القانون الدستوري.
كما أفرز الواقع التونسي الجديد ظواهر سياسية غريبة تتمثل في عدم وجود أحزاب سياسية بالمفهوم الصحيح للأحزاب السياسية في علم الاجتماع السياسي. فجميعها مشاريع أحزاب قد تتشكل وقد تنقرض تاركة الفراغ لمشاريع أخرى لا تعرف على غرارها رئيسا غير مؤسسها ولا طرقا للوصول إلى الحكم أو المواقع القيادية غير الولاءات ولا تعقد إلا المؤتمرات الصورية أو لا تعقد بالمرة. فالحزب الأول الفائز في الانتخابات لا يحكم في الحقيقة وهدد بعض قياداته بالانضمام إلى المعارضة رغم أنه حزب الرئيس ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان وعدد معتبر من الوزراء. فمن سيعارض من؟ خاصة وأن بعض أحزاب المعارضة هي شريكة أو شاركت في الحكم.
زد على ذلك أن الحزب الرئيسي الفاعل في البلاد ما هو في الحقيقة إلا جماعة دعوية لم تفصل فعليا بين النشاط الديني والسياسي وتدخل المعترك الانتخابي بطريقة غير متكافئة مستغلة المساجد والخطابات التحريضية ضد الخصوم السياسيين. لذلك لا يستغرب وفي إطار هذه الفوضى أن تجمد عضوية رئيس حكومة من قبل حزبه وأن يرتمي هذا الرئيس في أحضان حزب حليف وأن يشكل كتلة نيابية من سياح حزبيين من أحزاب مختلفة الأمر الذي يمس من التوازن داخل هذه الأحزاب، ولا يستغرب أن يلوح البعض في حزب رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان بالانضمام إلى المعارضة.