الشابة المصرية ريم مهنا تعلن عن تجميد بويضاتها حتى إيجاد شريك مناسب. موضوع يفجر جدلا واسعا في العالم العربي وتثار معه مسألة حرية العازبات.
بابتسامة عريضة وفرحٍ ينفجر عبر شاشة الكمبيوتر تتشابك يدي الشابة المصرية ريم مهنا، وهي تعلن عبر صفحتها على فيسبوك عن قيامها بتجميد بويضاتها لحين إيجاد الشريك المناسب، وعنونته بـ”جمدي بدل ما تلبسي” مسلطة الضوء على عملية تجميد البويضات.
تروي ريم أن أصدقاءها وعائلتها قاموا بدعمها بعد إعلانها عن إجراء العملية وهجوم الناس عليها، في حين تواصلت معها عدة نساء للاستفسار عن طبيعة العملية.
الفكرة راودت ريم في سن العشرين، بعد قراءة عدة دراسات حول الموضوع، “كنت أرغب بالزواج بعد الثلاثين، حتى أتمكن من تحقيق طموحي العملي، والتعرف على مجتمعات مصرية أخرى” وأضافت أنها تعمقت بدراسة نماذج الشخصيات لفهم ذاتها وتحديد احتياجاتها، وما هي مواصفات شريكها المستقبلي المناسب.
ريم، ذات الربيع الـ 38، أقدمت على هذه الخطوة وسط ذهول طبيبها الذي عبر عن استغرابه، باعتبارها الحالة الأولى من نوعها في مصر، وامتد هذا الذهول ليصل إلى نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، ما بين مؤيدٍ ومشجع إلى معارضٍ ومشكك كما يظهر في استطلاع قام به أحد المغردين المصريين.
وتروي ريم أن قرارها بمشاركة تجربتها جاء من أجل تشجيع الفتيات العربيات ممن لديهن الرغبة بالإنجاب ولكن لم يتمكنّ من تحقيق حلمهن، لأن العملية تمنح أملاً وشعوراً بالأمان لمن ترغب في الإنجاب بعد الثلاثين.
هذا الجدل يفتح المجال أمام نقاش عميق حول المجالات الجديدة التي تحققها تكنولوجيا الإنجاب للنساء في العالم والوطن العربي، إذ أن الانتقادات تطال المرأة غير العربية أيضاً فيما يتعلق بقرار تجميد البويضات، واتهامها بمحاولة الظفر بعملٍ وتعليمٍ وعائلة، وبهذا تقول الصحافية البريطانية كاسي ويربر في مقال لها على موقع كوارتز “هذا الاستنتاج عارٍ عن الصحة، فالسبب الرئيسي يعود لعدم وجود شريك مناسب”. وترى ويبر أنه ما بين حلم المرأة بالإنجاب وانتظارها للشريك المناسب، فإن هذا هو القرار المنطقي.
“يعود القرار في الوطن العربي إلى الحالة الاجتماعية للمرأة” كما تقول الناشطة النسوية رامة غنام، وتضيف أن تجميد البويضات مقبول في الوطن العربي لأنه يساعد على الإنجاب، لكن تنطبق هذه القاعدة فقط على المرأة المتزوجة، إذ أن العادات والتقاليد هي التي تحكم عادة فيما يتعلق بجسد المرأة. وتؤكد أن هكذا قرار للأسف لا يتم اعتباره حرية اختيار على الرغم من إمكانية القيام به سراً، ففي الأردن وحدها هناك أكثر من 30 طبيباً مختصاً بتجميد البويضات.
وتفرض بعض القوانين في الوطن العربي ضرورة وجود عقد زواج شرعي وواضح من أجل تجميد البويضات والتعامل مع المرضى، كما ذكرت أخصائية علاج العقم وأطفال الأنابيب د. فاتن السرغلي.
وتقيّد بعض الدول العربية مثل تونس والمغرب والإمارات العربية هذه العملية بوجود زوج، كما أكدت المحامية أماني أبو عرقوب وتضيف: “تفتقر الدول العربية الأخرى لقوانين منظمة، والذي يعني أن الشرع والعقيدة سيحكمان بهذه الحالة”.
هذا الإجراء يحرم الكثير من الفتيات العازبات من إمكانية اتخاذ هكذا قرار، حتى وإن رغبن به، فإن توقيع الولي الذكر هو المعتمد. وفي دراسة فقهية من الجامعة الأردنية تم التأكيد على أنه يمنع استخدام الحيوانات المنوية المجمدة للشريك بعد وفاته، والذي يفتح باباً جديداً للعراقيل أمام النساء لاتخاذ قرار الإنجاب.
وعلى الرغم من أن دولا مثل الإمارات أقرت قانونية تجميد البويضات، فإنه اقتصر على المتزوجين ومرضى السرطان فقط. ومن جهة أخرى فإن خطوة ريم أثارت مناقشات فقهية، واختلف علماء الأزهر، حيث حرمه بعضهم، بينما أجازه البعض الآخر، أما دار الإفتاء المصرية فقد أعلنت أنه لا حظر شرعيا عليه ولكن بشروط.
وبهذا تضيف غنام: “العذراء في الوطن العربي لا تملك حقوق جسدها، ففي مجتمع ذكوري يعود القرار لعائلتها، خاصة وأن هذه العملية تتطلب فقدان العذرية”. وتشير السرغلي إلى أنه لا يتم القيام بهذه العملية في الوطن العربي إلا للمتزوجة أو المطلقة أو للفتاة المتزوجة العذراء بعد توقيع قانوني من زوجها وأهلها بالموافقة، فالعملية تتطلب سحب البويضات من خلال المهبل مما يُفقد المرأة عذريتها.
وتذكر السرغلي أن من الصعب القيام بالعملية من خلال فتح البطن أو حتى القيام بمنظار بطنيّ لأن المخاطر الواقعة على الصحة العامة وصحة البويضات أكبر بكثير من الفائدة المرجوة، بيد أن ريم ذكرت: “قمت بالعملية من خلال فتح البطن، والذي لم يؤثر على عذريتي نهائياً”.
تنظر غنام بتفاؤل إلى المستقبل، مؤكدة أنها تأمل بتغيير اللوائح والقوانين لتكون داعمة أكثر لحق الاختيار لدى المرأة في الوطن العربي، فيما يتعلق بجسدها وخياراتها الطبيّة.
خطوة ريم فتحت المجال أمام فتيات أخريات، للتفكير مليّاً بالعملية، إذ تروي هبة من الضفة الغربية، والتي فضلت ألا تذكر تفاصيل أكثر عن نفسها، أن المعيق الحقيقي هو المجتمع الذي لا يمكن تجاهله، وإن قررت القيام بالعملية، فإنها ستقوم بتغيير مكان إقامتها، ليس خارج مدينتها فقط، بل خارج الضفة الغربية.
وتشير دراسة من جامعة ييال عام 2018 إلى أن 85 في المئة ممن قمن بتجميد بويضاتهن، قمن بهذا بسبب عدم إيجاد الشريك المناسب، وفقط واحد في المئة كان دافعهن تحقيق أحلامهن الدراسية والعلمية والوظيفية. وذكرت مدونة البيانات للبنك الدولي إلى أن إنجازات المرأة العلمية تزيد من فرص عدم إيجادها شريكاً مناسباً خلال فترة خصوبتها، مما يدفعها للتفكير مليّاً بتجميد البويضات. (DW)