الدوحة ـ «القدس العربي»: تمضي العلاقات القطرية التركية نحو ترسيخ تعاون تحول لتحالف استراتيجي لا يتأثر بالمتغيرات الإقليمية، ويكرس تعاوناً مثمراً في مختلف القطاعات، ويتحول لنموذج ناجح في المنطقة ويسهم في استقرارها.
وتعكس الزيارات المتبادلة لكل من الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر ورجب طيب اردوغان الرئيس التركي، عمق العلاقات التي تجمع البلدين على أكثر من صعيد.
العلاقات الثنائية بين البلدين يعززها أيضاً التفاف شعبي للقطريين والأتراك حول مستوى العلاقة التي تجمعهما وفخر بما تحقق على أرض الواقع، ولم تظل حبيسة اتفاقيات على الورق.
وفي آخر زيارة للرئيس التركي رجب طيب اردوغان لقطر ولقائه الخاص مع الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، تعززت تلك الصورة عن هذه العلاقة المميزة التي تجمع البلدين.
وقال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إن أنقرة والدوحة توليان أهمية كبيرة لسلام منطقة الخليج وأمنها، وذلك على هامش انعقاد أعمال الدورة السابعة للجنة الإستراتيجية القطرية التركية العليا.
وفي كلمة ألقاها بمقر القيادة المشتركة القطرية التركية في الدوحة، قال اردوغان إن قطر وتركيا توليان أهمية كبيرة لسلام وأمن منطقة الخليج بأسرها، وشدد على أن تركيا تعمل على تطوير تعاونها مع دول الخليج على أسس الاحترام والمصلحة المتبادلة.
وأشار إلى أن تركيا لن تنسى الدعم الذي قدمته قطر لها سواء خلال المحاولة الانقلابية في تموز/يوليو 2016 أو عندما تعرضت تركيا لاعتداءات اقتصادية.
وأكد أن قطر وقفت دائما إلى جانب تركيا في هجمات المضاربة التي تستهدف الاقتصاد التركي، وأظهرت ثقتها بتركيا. وأضاف «نقدم الدعم اللازم لإخواننا القطريين الذين أسهموا في نمو تركيا في محاور الاستثمار والتوظيف والإنتاج والتصدير».
وانعقدت أعمال الدورة السابعة برئاسة أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس اردوغان الذي يزور العاصمة القطرية الدوحة.
ووقع الجانبان 14 اتفاقية تعاون في مجالات مختلفة كالاقتصاد والاستثمار والصناعة والدفاع والأمن والأوقاف والإعلام والثقافة والرياضة.
وناقشا العديد من جوانب علاقتهما القوية والمتميزة بما في ذلك: الأمن الإقليمي والتعاون في مجالات الدفاع والصحة والتجارة والاستثمار والطاقة والطيران والسياحة والثقافة والتعليم.
ويعكس البيان المشترك في ختام اللجنة القطرية التركية العليا ما تحقق على أرض الواقع من ترسيخ للتعاون القطري التركي.
ورحب الجانبان بالتقدم الكبير الذي تم إحرازه منذ الاجتماع السادس الذي عقد في أنقرة بتاريخ 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 وسلطا الضوء على متانة علاقتهما الثنائية والفرص المتاحة لتعميق التعاون بما يعود بالنفع على البلدين.
وتحقيقاً لهذه الغاية، واستناداً إلى التقدم الذي تم إحرازه حتى الآن من خلال آلية اللجنة الاستراتيجية العليا المشتركة، وقع الجانبان على اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مختلف المجالات، بدءاً من الأوقاف والشؤون الإسلامية، والإعلام والاتصال والثقافة وإدارة الكوارث والطوارئ لتوحيد المعايير والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والاستثمارات.
وركزت كل من دولة قطر وجمهورية تركيا على تعزيز علاقتهما الثنائية لتصل إلى مستوى الشراكة التكاملية، وناقشتا فرص تعميق التعاون ومواصلة تنفيذ الاتفاقيات والترتيبات المبرمة بينهما سابقًا.
وجدد البلدان التزامهما المشترك بمواصلة وتعزيز الجهود الإقليمية والعالمية لإحلال السلام والأمن الدوليين ومكافحة الإرهاب وحل النزاعات بالوسائل السلمية.
وأكد البلدان مجدداً التزامهما المشترك بمواصلة وتعزيز الجهود الإقليمية والعالمية لإحلال السلام والأمن الدوليين ومكافحة الإرهاب وحل النزاعات بالطرق السلمية، وأبديا رغبتهما في العمل سويًا في إطار حوار التعاون الآسيوي، ودعيا إلى التعاون من خلال استضافة دولة قطر لقمته الثالثة. كما أعاد البلدان تأكيد عزمهما على تعزيز التعاون والتضامن والتنسيق بينهما في المنظمات الدولية والإقليمية بما في ذلك الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي.
وأعربا عن تقديرهما المتبادل لجهود الوساطة النشطة من كلا البلدين لتعزيز السلام والمصالحة في بعض أكثر النزاعات ديمومة واستعصاء في جميع أنحاء العالم، ولقيادتهما الفعالة للجهود الأخرى لتحقيق هذه الأهداف.
وكان الملف الأفغاني الذي تتشارك فيه قطر وتركيا ذات الرؤية، حيث أعلن الجانبان، إشراك الحكومة الانتقالية في أفغانستان من أجل معالجة الأزمة الإنسانية في الدولة ومعالجة هموم المجتمع الدولي في مجالات الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب وزيادة الهجرة غير النظامية. ودعت تركيا وقطر، المنظمات الدولية والدول المانحة إلى زيادة جهودها لتقديم مساعدات إنسانية واقتصادية عاجلة للشعب الأفغاني. علاوة على ذلك، شجعوا الحكومة الانتقالية على المضي قدماً على طريق الشمولية السياسية وحماية حقوق الإنسان الأساسية لكل الشعب الأفغاني، بما في ذلك النساء والفتيات. وجددت أنقرة والدوحة، التزامهما بمواصلة تعاونهما فيما يتعلق بالعمليات المستقبلية للمطار كابول الدولي في إطار التزامهما الدائم تجاه الشعب الأفغاني الشقيق.
هموم الأمة الإسلامية
تتشارك قطر وتركيا عدداً من القضايا التي تهم شعوب الدول ذات الغالبية الإسلامية، حيث كان لافتاً أنهما أدانا التصعيد المتزايد لخطاب التخويف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) والخطاب الشعبوي الذي يحرِّض على الإساءة والاعتداء بسبب الانتماء الديني.
وأكدت قطر وتركيا رفضهما التام لجميع أشكال خطاب الكراهية على أساس العقيدة أو العرق أو الدين.
واتفق البلدان على أهمية زيادة الجهود المشتركة لتنفيذ خطة عمل منظمة التعاون الإسلامي (2020 – 2023) في مكافحة خطاب التخويف من الإسلام والتمييز الديني والتعصب والكراهية ضد المسلمين. وبالإشارة إلى القرار المتخذ في القمة الإسلامية الرابعة عشرة، أكدا على دعوة منظمة التعاون الإسلامي للاعتراف بيوم 15 آذار/مارس كيوم دولي للتضامن ضد خطاب التخويف من الإسلام.
واتفقا على الاستمرار في دعم القيم التي تعزز التسامح والتنوع والتعايش، وعلى العمل لإرساء مبادئ السلم والأمن الدوليين، إلى جانب دعوة الجميع لتحمل مسؤولياتهم برفض خطاب الكراهية والتحريض.
الجهود المبذولة من قطر وتركيا في نبذ خطاب الكراهية، رافقها أيضاً تأكيد على التزامهما وتضامنهما الكامليْن في مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، ومواصلتهما لجهود تعزيز التنسيق والتعاون في مكافحة الإرهاب بما يعكس القيم المشتركة بينهما والمستمدة من القانون الدولي، وأكد الجانبان التزامهما الكامل وتضامنهما في مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره.
وجددت قطر وتركيا التأكيد على عزمهما للتعاون ضد التهديدات الناجمة من المنظمات الإرهابية، بما في ذلك «تنظيم الدولة» و«حزب العمال الكردستاني» وتوابعه، وكذلك المنظمات التابعة لهم.
فلسطين الحاضرة
تشكل القضية الفلسطينية عماد التعاون والتنسيق القطري التركي، حيث أعرب الجانبان عن قلقهما البالغ من التطورات الأخيرة في القضية الفلسطينية والتي تقوِّض حل الدولتين، وجددا دعمهما المطلق للحقوق المشروعة للفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة داخل حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع منح جميع اللاجئين الفلسطينيين الحق في العودة. وانسجاماً مع اعترافهما بقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، ما زال الطرفان يعتبران المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، غير قانونية وتشكل عقبة مستمرة في طريق تحقيق السلام، كما خلصا إلى أن أي دعم لضم إسرائيل غير الشرعي للأراضي المحتلة يشكل عائقاً حقيقيا أمام الشعب الفلسطيني للحصول على حقوقه المشروعة.
في الملف الليبي
وتميزت قطر وتركيا بتطابق وجهات نظرهما ورؤيتهما للحل في ليبيا، حيث جدد الجانبان التأكيد على التزامهما بسيادة ليبيا وسلامة أراضيها ووحدتها الوطنية ودعمهما لحكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي والعملية السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة، وعبر الجانبان عن أملهما في أن يتم إجراء انتخابات حرة ونزيهة من أجل ضمان الاستقرار الدائم في ليبيا.
دعم حق الشعب السوري
تشكل القضية السورية ركيزة أساسية في السياسة الخارجية لكل من قطر وتركيا، حيث ما زال البلدان مصران على ضرورة حصول الشعب السوري على كافة حقوقه، وعدم القفز على نضالات الثورة السورية، واستبعاد أي تطبيع مع نظام بشار الأسد.
وأكدت قطر وتركيا من جديد التزامهما القوي بسيادة ووحدة وسلامة أراضي سوريا، وشددا على أن الصراع لا يمكن حله إلا من خلال عملية سياسية وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي 2254 وإعلان جنيف 1.
ودعيا المجتمع الدولي إلى دعم جهود التهدئة وإلى المساهمة في حل سياسي موثوق به ومستدام، وأعربا عن أملهما في مواصلة عمل اللجنة الدستورية للأمم المتحدة بطريقة بناءة تؤدي إلى التوصل إلى نتائج مرضية.
وأعربت تركيا وقطر، عن تصميمهما على محاربة كافة أشكال الإرهاب الذي يقوض سيادة ووحدة أراضي سوريا، وكذلك الأمن القومي للدول المجاورة.
وخلال الزيارة الأخيرة لاردوغان لقطر، جدد الجانبان التزامهما بمواصلة دعمهما للسوريين الخاضعين للحماية المؤقتة في تركيا. وأكد الجانبان على تعهدهما بدعم الجهود الدولية بالإضافة إلى جهود تحقيق الاستقرار التي تبذلها المعارضة السورية الشرعية لتسهيل العودة الطوعية والآمنة والكريمة للنازحين السوريين إلى سوريا.
وغير بعيد عن سوريا، ناقش الاجتماع القطري التركي، الوحدة السياسية للعراق وسلامة أراضيه كأسس لضمان السلام والاستقرار في المنطقة. وأعربا عن دعمهما لجهود الحكومة العراقية لإرساء الاستقرار في البلاد. كما أكدا التزامهما بالمساهمة في جهود إعادة الإعمار.
ولم يكن اليمن بعيداً عن تطابق وجهات النطر القطرية التركية، حيث شددت اللجنة المشتركة للبلدين، على أهمية وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، وعلى ضرورة إنهاء الحرب في ذلك البلد من خلال المصالحة الوطنية والحوار البناء كأساس لتسوية سياسية دائمة وفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، ومن ضمنها قرار مجلس التعاون لدول الخليج العربية رقم 2216 (2015) وآلية تنفيذه ونتائج مؤتمر الحوار الوطني اليمني الشامل.
وعزز اللقاء الأخير وجولة اردوغان في قطر تكريس تعاون البلدين في المجال الأمني، مع إبداء تركيا عزمها دعم قطر في ملف تأمين مونديال 2022.
وقال وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، إن 3 آلاف شرطي تركي سيشاركون في دعم سلامة وأمن بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 في قطر.
وأوضح أن تركيا سترسل 3 آلاف شرطي من قوات مكافحة الشغب إلى قطر التي تستضيف البطولة بين 21 تشرين الثاني/نوفمبر و18 كانون الأول/ديسمبر 2022.
وأشار الوزير التركي إلى إمكانية رفع هذا العدد، ومواصلة الجانبين المشاورات في هذا الإطار.
وعبر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، عن تثمين بلاده علاقاتها الأخويّة مع الجمهورية التركيّة.
وأضاف المسؤول القطري، نثمن علاقتنا الأخوية المتميّزة مع الجمهورية التركية.
ويرى المحللون أن العلاقات الثنائية التي تجمع قطر وتركيا تعتبر نموذجاً يحتذى به في المنطقة، ويجسد أحد أنجح علاقات التعاون بين دولتين في الشرق الأوسط، مبنية على توازن وتهدف لصالح المنطقة وخير شعوبها.