تحب دالي لأنه يحركها من الداخل وتعتبر الادب الروسي أهم من الرسم غالينا عيدي: السمكة التي تريد ان تبتلع المحيط!

حجم الخط
0

تحب دالي لأنه يحركها من الداخل وتعتبر الادب الروسي أهم من الرسم غالينا عيدي: السمكة التي تريد ان تبتلع المحيط!

احمد منصورتحب دالي لأنه يحركها من الداخل وتعتبر الادب الروسي أهم من الرسم غالينا عيدي: السمكة التي تريد ان تبتلع المحيط!بيروت ـ القدس العربي : بيروت التي تستميت في استعادة دورها العربي المشرقي العالمي (لا سيما في المجال الثقافي) استقبلت الفنانة التشكيلية الروسية غالينا عيدي في غاليري الزمان رأس بيروت ـ الحمراء التي ما عرفت إلا الازهرار والازدهار مذ اطلقها مديرها الديناميكي الدكتور موسي قبيسي في مفصل حساس متميز من مفاصل هذه المدينة التي تعايش فيها الشرق والغرب بشكل يثير الاعجاب فيما مضي من الزمن القريب.لقد اكتسحت الجدران الوان واشكال وخيطان هذه الفنانة الشابة صاحبة الثلاثين ربيعا بـ45 لوحة انتجتها خلال ثلاثة اشهر في لبنان وطنها الثاني.. انه لرقم قياسي ولأنجاز غير عادي اذا ما وضعنا في الاعتبار الثقة والكثافة في هذا العمل الذي تتخاطفه الانظار.. اول ما يلفت الانتباه وانت داخل الي هذا المعرض هو اجتياح هذه الفتاة الهادئة الخجولة لحيطان القاعة المخصورة.. الي درجة انها قطعت بعض لوحاتها الي قطع ساخرة بالوحدة والتكامل في العمل الفني، فيبدو ان فقهها الفني اباح المحظورات لتبرير الظروف فمنذ بداية المشوار في المعرض تشعر وكأنك معتقل في شبكات وعليقات هذه السمكة التي رسمتها بزعانفها واسنانها المتحركة في جميع الاتجاهات. رغم الرحلة الأفقية المتكسرة علي خصور الصالة فانك في حركة دائرية سمفونية لا تتوقف، وان توقفت فلكي تستأنف الدوران علي نفسها من جديد.. ان عدم اقتناع الفنانة بوضع عناوين للوحاتها (وهي علي حق) ما منعها من اطلاق عنوان غير صائب للمعرض فنتزيات . فالتسمية في رأيي لو كانت تحولات لكانت تنسجم اكثر بكثير مع هذا العمل، وهذا ما صارحتها به فوافقت عليه دون أي تردد.ان ما يعنيها فقط هو لوحاتها وليس الكلمات التي قد لا تفهم احيانا مدلولاتها لأن عربيتها عربية سماعية محدودة، ولغتها الروسية ليست لغة دارجة في ساحة الثقافة بلبنان لكي تستطيع الاستعانة بها لايصال ما اليه تصبو الي اذهاننا.لقد تفاجأ من عرفوا غالينا في معرضها الاول حيث كانت اسيرة الطبيعة الميتة التي انتقت واستنقت منها بعض كائناتها النباتية والحيوانية والترابية، فجسدتها ايقونات علي الورق، واذ بها بقدرة قادر تنطلق من اليابس الي المتحرك، من التراب الي الماء، من الملتوي الارضي الي الممتد المحيطي، فالسمكة لا تحيا علي رمال الطبيعة البشرية الظاهرة بل في هيولي الطبيعة المحيطية السائلة، هذا الانقلاب او هذا التغيير غير المنتظر شيء طبيعي عند الفنانين الكبار. علي سبيل المثال: اخبرني الفنان التشكيلي الكبير الدكتور علاء بشير في آخر لقاء معه قبل الاحتلال الامريكي للعراق بأن معرضه القادم سيكون شيئا آخر مختلفا كليا عن كل ما عهدناه بفنه فيما مضي.انني أري ان فنانتنا في هذا المعرض قد انتقلت من مرحلة البدايات التقليدية والتأملية في الاشياء الي الوثوب والثورة علي الاشياء وما وراء الاشياء، انه الغطوس الي الاعماق كالسمكة التي كلها عيون متوثبة في كل اتجاه.. تارة نراها تعوم في وئام ومثيلاتها المختلفة الالوان الهائمة السعيدة حسبما تبدو..واننا نراها احيانا مكبلة بآلاف الخيوط المتراكبة المتساكبة المتساحبة المتصالبة المسكونة بأمهات الاربع والاربعين والحشرات المخيفة الاخري، غير انها في الوقت ذاته نراها تستحفر بعض الكوي الاملية المتفرقة.. كل هذا ينطلق من اللون الرمادي الذي يحدد غالبا تخومها.. انها سرعان ما تنطلق من الشكل الي الخط الذي تنسج منه سجادات عجمية من الخيطان التي تشكل درعا من نوع متميز لحمايتها من كل ما تخشاه. وبعدما تتعب من كل هذه السياجات اذ بها تشلحنا علي قوس قزح يتأجج من بعيد.. وكأن الطبيعة ابتسمت لها من جديد فانفرجت عن اقحوانة تبتسم كابتسامة طفل، او تخطف انظارنا نحن وردة وقعت من يد عاشق علي مساحة ضائعة.. نمضي معها في هذا النظام الدائري السمفوني الذي يلقينا في آبار من الاوراق الخريفية المتوهجة او في لجج من الاعماق الموارة او عبر طيوف مجامر النار النرجسية او الميالشمسية… انها تتلقط برموشك واعصابك كالعنكبوت بين حبالها اللونية التي نصبتها.. فتبدو كالولد النزق الذي يريد الانقضاض علي كبش عليق سرعان ما يقع بين اشواكها التي تحاصرك بشكل دائري لا تعرف كيف تتخلص منه.. انها تمتد من الرمادي الي البني الي الباج فالاسود فالاحمــر فالازرق فالفستقي فالليمـــــوني الاصفر.. فهي بهذه الصورة لا تلغي من قاموسها الفنـــــي أي لون بامكانه ان يغني تعبـــــيريتها المنشودة بعكس ما يفعل الكثيرون من الرسامين فينبذون بعض الالوان لاعتبارها حيادية او دون أي معني كاللون الاسود علي سبيل المثال الذي يغدو عندها لونا اساسيا لا يمكن الاستغناء عنه.لقد انطلقت فنانتنا من المجرد الملموس في الطبيعة المسطحة التي تدوس العين في انفلاتها نحو المحيط.. نحو ميتافيزيقيا واقعية قريبة، ليكون هواؤها الماء الازرق المطهر الذي يختزن في احشائه عالما مجتمعيا حركيا آخر فوق طبيعة نباتية اخري مغمورة. لقد اختارت من هذا المحيط الجوانب التي تعطيها بعض أخذ النفس في استمرارية دورانيتها المتواصلة.. انها ابتعدت عن الضواري البحرية التي تحاكي الضواري البرية سيما الآدمية منها طالما استطاعت الي ذلك سبيلا.. انها ارادت رفع اعلامها علي تخومها التي وصلت اليها متحفزة للوثوب الي مرحلة اخري لا ندري متي ستكون قيامتها.مذ درجت فنانتنا علي الارض في سنواتها الاولي وضعت نصب عينيها بأنها ستكون فنانة تشكيلية فبدأت ترسم بأي شيء وعلي اي شيء فان ضاقت بها الدنيا رسمت علي حذائها. لقد كانت تسير وراء اصابعها التي تحمل ورقا وقلما وان عزّ الورق فترسم علي الجدران والثياب وعلي راحة يدها وعنق زندها.. ان العالم كله بدا مرسم هذه الفتاة الصغيرة، هذا لا يعني بالضرورة انها لم تكن ناجحة في المدرسة بل يعني بالاحري بأن الرسم هو شغلها الوحيد الشاغل وهوسها الدائم وورشتها التي لا تعرف الراحة.. فالحياة كلها رسم برسم.. انها تنتقل من لوحة الي لوحة كما تطير النحلة من زهرة الي زهرة مستنزفة الضوء الي اقصي حد ممكن، فالضوء هو سن الريشة الذي لا يمكن الاستغناء عنه.لقد كبرت الطفلة فما عاد يرضيها محيطها الاكواريومي الصغير واسماكه الصغيرة فأرتمت في محيطها الواسع الهادئ الذي ليس فيه من الهادئ سوي سطحه الخادع.. ان سمكتنا الذهبية في معموديتها الصاخبة العابقة بدأت مرحلة الكشف والاكتشاف منطلقة من موسكو عروس المدي والاعماق من بلد الضوء الابيض الناصع تارة والناري الجارف طورا والسماوي المنداح بالأمل طورا آخر.. انها بدأت تجد نفسها في ابداعها الذي يثير الاعجاب دون اي شك ويبشر بالكثير مما يدفع بفضولنا الفني علي محاولة الوقوف علي اسرار وألغاز ومفاتيح هذه البنان التي تنطق الونا علنا نمسك برؤوس بعض الخيوط فطرحنا عليها بعض الاسئلة السريعة: أي رسام احببت ولماذا؟ احببت سلفادور دالي.. احببته اكثر مما فهمته لا سيما بين العاشرة والسادسة عشرة من عمري. وذلك لأن المعارض في روسيا كانت إما تقليدية او شيوعية وأنا كنت ابحث علي كسر الروتين والملل عبر حركية اللوحات. الحرية المطلقة بالنسبة لي هي شمس الالوان. ما رأيك ببيكاسو؟ احب بيكاسو ولكن ليس الي حد دالي.. دالي لا يترك داخلي هادئا بل يحركه باستمرار، اما بيكاسو فرغم حضوره القوي فقد أزهق منه وابتعد عنه. مَنْ مِنَ الروس لفت انتباهك؟ فيودور فاسيليف الذي مات في الثالثة والعشرين.مات قبل ان ينهي دراسته الجامعية نستطيع اعتباره واقعيا رسم الطبيعة بصدق. أيهما اقوي برأيك: الأدب الروسي ام الفن الروسي؟ الأدب الروسي بطبيعة الحال. لقد كنت وما زلت مغرمة جدا بهذا الأدب. لماذا اخترت الرسم اذن وليس الأدب او الفنون الأخري؟ لانه كان الأقرب اليّ في حياتي اليومية. ولم تكن عندي الخبرة والمعرفة لأكتب في القصة او لأكون شاعرة او صحافية او موسيقية.. انني اكتفي بما توفر لي، وأريد ان ابلغ به سريعا الي محيطي والي العالم اجمع. والادب ـ كما تعلم ـ ينساب من الرأس بينما الرسم من القلب. مَنْ مِنْ بين الرسامين الروس تحبينه بشكل متميز ولماذا؟ غينريج سيميراتسكي، رسام كلاسيكي في العمق نهل من تاريخ اليونان حيث جمال الأجسام، جمال الطبيعة في الجزر اليونانية. عنده بُعد ديني ليس علي الطريقة الأيقونية في الكنائس. انه واقعي جدا قريب الي القلب والروح والوجدان اطل علينا من القرن التاسع عشر الذي لا يغيب. اين تجدين نفسك؟ اجدها فقط وأنا ارسم.. ارسم في سحبات تمتد احيانا اربع او خمس ساعات دفعة واحدة. الي اين تريدين الوصول؟ الي المواءمة بيني وبين الناس والي استنطاق الزمن عبر اللون.كلما طال الكلام مع غالينا عيدي طال العوم وفي الاخير سنتعب نحن. اما هي فلن تعرف التعب.وكيف تتعب سمكة عاهدت نفسها منذ البدء علي ان تبتلع المحيط وهي ما زالت في البداية أليس كذلك؟0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية