فينيسيا- «القدس العربي» : يعود المخرج الإيطالي جيانفرانكو روزي في فيلمه الوثائقي الجديد «تحت الغيوم»، المشارك في المسابقة الرسمية للدورة الثانية والثمانين من مهرجان البندقية السينمائي (27 أغسطس/آب – 7 سبتمبر/أيلول 2025)، إلى بلاده التي يعرفها عن قرب، ويعيد اكتشافها عبر عينه السينمائية المتفرّدة. بعد «ساكرو غرا» (2013) عن الحياة اليومية في روما، و»النار في البحر» (2016) الذي تناول أزمة المهاجرين في لامبيدوزا، يأتي هذا العمل ليتأمل فيه روزي الحياة في نابولي والمناطق المحيطة بها، التي تعيش في ظل بركان فيزوف الشهير، تلك المنطقة الثرية بطبقاتها التاريخية المتعددة.
تعيش نابولي دائماً على إيقاع بركان فيزوف، الذي يشكل جزءا كبيراً من ذاكرة المدينة وتاريخها وحاضرها. اسم البركان ذاته يحمل رنيناً أسطورياً، يذكّر بالعالم القديم وبدمار بومبي، التي أُبيدت بين ليلة وضحاها جراء ثورة البركان وتغطية حممه للمناطق المحيطة، لكنه في الوقت نفسه حاضر وملموس في حياة الناس اليوم. إنه ليس مجرد ماضٍ متحجر، بل واقع متقاطع مع المخاوف البيئية، والهموم المعيشية، بل حتى النزاعات البعيدة التي تُلقي ظلالها على مرفأ المدينة.
يستعير الفيلم عنوانه من مقولة لجان كوكتو يستهل بها روزي فيلمه: «فيزوف يصنع جميع غيوم العالم». ومع كل لقطة يقدّمها روزي بالأبيض والأسود، نشعر وكأن العبارة صحيحة تماماً. الغيوم الكثيفة تغطي سماء نابولي، تختلط بدخان الحرائق وأبخرة الفتحات البركانية، وتتماهى مع أدخنة بشرية يومية: حرائق الغابات، الأدخنة الصناعية في المرافئ، وحتى دخان الحرائق التي يهرع رجال الإطفاء لإخمادها. كل ذلك يخلق جواً يوحي بأن المدينة معلّقة دوماً تحت سحابة رماد محتملة. لا نرى في فيلم روزي، نابولي التي يعرفها السائح الذي يكتفي بلمحة عن المدينة دون تعمق في حاضرها أو ماضيها، بل يلقي روزي نظرة فاحصة متأملة على تفاصيل المدينة، كاشفاً عن ملامح إنسانية أو بيئية أو اجتماعية من دون تعليق مباشر. هذه المشاهد، المتراصة لا تعكس جمال الطبيعة بقدر ما تكشف عن توترها الدفين، وعن هشاشة الإنسان في مواجهة الزمن والكارثة.

كما في أفلامه السابقة، لا يقدّم روزي شخصياته بوصفهم أبطالاً أو ضحايا، بل كبشر عاديين يعيشون حياتهم تحت وطأة أسئلة أكبر منهم. في مركز الإطفاء في نابولي، يراقب المخرج المكالمات الهاتفية الواردة: اتصال من امرأة تتعرض للعنف المنزلي، نداء من طفل يطلب النجدة لقطٍ عالق، استفسار متكرر من رجل مسن يريد فقط معرفة الوقت. بين الطرافة والمأساة، يكشف هذا الخط الهاتفي صورة عن مجتمع يعيش على حافة التهديد المستمر: تهديد البركان، الزلازل، العنف الأسري، الحرائق. حين يضرب زلزال بقوة 4.2 درجة المنطقة، وهو الأكبر منذ أربعة عقود، تتضاعف المكالمات المذعورة على وحدة الإطفاء في المدينة. المشهد يوثق كيف يتأرجح الناس بين خوف أزلي من الطبيعة، وحاجة ماسة إلى صوت يطمئنهم عبر الهاتف. ولكن لنابولي طبقات تاريخية متعددة، ويتنقل الفيلم بين أروقة الماضي والحاضر. في الأنفاق السرية تحت نابولي، تكشف الكاميرا عن حفريات غير شرعية حفرها لصوص الآثار. جدران كاملة في قصور أثرية جُرّدت من جدارياتها، تاركة وراءها فراغاً مترباً مظلماً، بدلاً من الفن والجمال. وفي المتحف المحلي، نرى مشرفة أثرية تتجوّل بين مئات التماثيل والقطع الأثرية، التي لم تُعرض بعد وتبقى مخزنة في قبو المتحف. تمسح الغبار عنها كأنها تواسي أصدقاءها القدامى، تقول بابتسامة إن هذه التماثيل أصدقاؤها وصحبتها منذ ثلاثين عاماً. هكذا يكشف لنا روزي عن علاقة نابولي بتاريخها، فهناك نهب وتهريب من جهة، وهناك أيضاً من يحمي ويحافظ ويعشق.
المثير أنّ روزي يقارب الحاضر وكأنه أثر شاهد على التاريخ، يُكتشف بعد آلاف السنين. شخصياته، من رجال الإطفاء إلى الأطفال في المكتبة، من اللاجئ السوري في الميناء إلى العاملين في صوامع القمح المقبلة من أوكرانيا، تبدو كما لو أنّها تماثيل تُستخرج من تحت الرماد. الأبيض والأسود الذي اختاره المخرج يمنح الصور مسحة تاريخية أثرية: نابولي ليست مدينة مضيئة صاخبة، كما نعرفها، بل مدينة مغطاة بغبار رمادي، كما لو كانت تمثالا في قصر من القصور المهجورة يكسوه غبار الزمن.
حتى اللقطات السينمائية التي يدرجها روزي، مثل عرض فيلم روسيلليني «رحلة إلى إيطاليا» في قاعة سينما فارغة ذات مبنى عتيق تعزز هذا الانطباع. كأن السينما نفسها تصبح أثراً من الماضي، تُعرض كنوزها لجمهور لم يعد موجوداً. رغم أن الفيلم لا يرفع شعارات سياسية، إلا أن السياسة تتسرب من بين سطوره. شحنة قمح ضخمة تصل إلى ميناء نابولي، حاملة معها آثار الحرب البعيدة. لاجئ سوري يكدح بين الصوامع ليبني حياة جديدة فوق أنقاض أخرى، ويقول إنه خرج من سوريا ليجد بعض الأمان ليجد نفسه يعمل على سفينة شحن تسافر إلى مدن أوكرانية يجد فيها حرباً أخرى وقصفاً فر من بلاده لينجو منه. نابولي هنا ليست فقط مدينة إيطالية، بل مرفأ يتأثر بما يشهده العالم من حروب وأزمات.
وبينما تبدو المشاهد اليومية دافئة أحياناً، كما نشهده في دروس تعليمية في المكتبة المحلية للأطفال، إلا أن الإحساس الطاغي هو الخوف من مجهول أو معلوم ما، من حرب بعيدة، من زوج سكير معنف، من زلزال، من بركان، من لصوص ينهبون التاريخ. كأنّ روزي يريد أن يقول: نحن نعيش جميعاً في ظل بركان ما.
في «تحت الغيوم»، يقدّم جيانفرانكو روزي فيلماً شاعرياً ومقلقاً في آن، يقدم فيلما يلتقط تفاصيل الحياة اليومية بدفء وإنسانية، لكنه يضعها في إطار يذكّرنا دوماً بهشاشتها أمام الكارثة. الأبيض والأسود ليس مجرد اختيار جمالي، بل رؤية تجعل من نابولي مسرحاً للذاكرة.