تحت ستار الموضوعية والحيادية: الإعلام والرأسمال العربي يبتعدان عن دوريهما!

حجم الخط
0

د. فايز رشيد

المدقق في البيانات العربية: رسمية وغير رسمية، كان يلاحظ التلازم الدائم بين الظرف وحراجته ودقته وخطورته في وصف المراحل، ولم اذكر ان مرحلة ما تميزت بغير تلك التعابير. ….. وما تكاد سنة تمر، حتي ننتقل الي مرحلة اشد خطورة من سابقاتها، ينسحب ذلك علي المرحلة الراهنة، حيث أصبحنا نري الاعاجيب، دون ردود افعال عليها. .. مما يدعو الي القول بانها المرحلة الاصعب والاخطر والاسوأ في التاريخ العربي، لكنا نخشي اطلاق هذا الوصف علي راهننا إنتظاراً لما هو اسوأ. انها المعادلة العربية الرديئة بامتياز: الاتكاء علي نظرية المؤامرة التي اكثر ما نهوي: تعليق تقصيراتنا الكبيرة علي شماعتها. وفي الوقت الذي لا ننكر فيه استمرار المؤامرة علي كل ما هو تقدمي وايجابي في عالمنا العربي. … لكن ذلك لن ينفي التقصيرات الكبيرة لنا: جهات ومؤسسات وافرادا، فوفقا للمقولة الفلسفية، بان التاريخ يكرر نفسه مرتين: في الاولي علي شكل مأساة وفي الثانية علي شكل مهزلة، غير انه في واقعنا يتكرر كل سنة، بمهزلة جديدة، دون الاخضاع للبحث والتمحيص علي طريق الاستفادة من الدروس. مناسبة الحديث: ما تتناقله وكالات الانباء من ان البنوك الفلسطينية والعربية المتواجدة في الضفة الغربية ترفض التعامل مع الحكومة الفلسطينية وقبول بعض الاموال المقدمة من الجامعة العربية وبعض الدول العربية الاخري من أجل صرفها للموظفين، الذين وحتي اللحظة لم يتسلموا رواتبهم عن شهر اذار (مارس) الماضي. … وذلك خوفا من التهديدات الامريكية والاسرائيلية بمقاطعتها، وذلك بالتاكيد من اجل الحفاظ علي مصالحها. يذكرنا ذلك برقم الحساب الذي افتتحته الجامعة العربية للتبرع للفلسطينيين، والذي ظهر علي الشاشات التلفزيونية، ومن ثم اضطرارها لتغييره بحساب اخر لبنك ثان، بعد ان رفض البنك الاول قبول التبرعات كي لا يتهم بمساندة (الارهاب)! من ناحية ثانية، فقد ذكرت الانباء ايضا: ان قناة فضائية عربية، اعتذرت لوزارة الخارجية الاسرائيلية، والتي طلبت ذلك من ادارة القناة، بعد ان استضافت احد المسؤولين الاسرائيليين في حوار غير مباشر مع وزير في الحكومة التي شكلتها حماس، لان الاسرائيليين يقاطعون هذه الحكومة. نري هذه المظاهر والتي يجري تفسيرها من ممارسيها: بحيادية الاعلام وموضوعيته وحرصه علي اعطاء الفرصة للطرفين، بعيدا عن حقيقة وجود المعتدي والمعتدي عليه، وتنكر الاول للحقوق الوطنية للطرف الثاني. .. اذ يجري التعامل معهما كطرفين ندين وعلي قدم المساواة قدرات وتسليحا، حيث يبدوان وكأنهما يتنازعان علي قطعة ارض حدودية مختلف عليها من دولتين جارتين مستقلتين عضوين في الامم المتحدة ولهما نفس الحقوق. ومن اجل الموضوعية المفتعلة. .. فان الكثير من الفضائيات العربية تصف الضحايا الفلسطينيين بالقتلي تماما مثل وصف القتلي من جانب المعتدين الاسرائيليين. ما اشبه هذا بمظهر (ولا اقول ظاهرة) من تلك المظاهر التي رافقت انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة وحتي اللحظة: وهي جيش المنتقدين لها. والذين يفتحون افواههم علي عرضها سبا وشتما. ولكن عندما يُدعون الي المساهمة بالتبرع بجزء بسيط من اموالهم لعائلات فلسطينية فقيرة (بالطبع اذا كانوا قادرين علي ذلك) وبشرط ان يوصلوا هم هذه المساعدات وبطرقهم الشخصية اليها، من اجل التاكد بعدم ذهابها الي جيوب الفاسدين، لكنهم يرفضون ويتفننون في اختلاق الاعذار لعدم قدرتهم علي ممارسة هذا الواجب الانساني البسيط. انهم باختصار يريدون تحرير فلسطين بابناء وتضحيات وجهود غيرهم. بالطبع فان من حق الكل ان ينتقد وينتقد وينتقد، ولكن من حق الوطن علي كل ابنائه ان يساهموا في معارك تحريره والتي لها مجالات كثيرة متعددة ومختلفة. فالوطن للجميع، للمشاركين في الجهد المطلوب وللمتفرجين ايضا. التجربة الصهيونية الاسرائيلية علي هذا الصعيد من دون تضخيم للدور ودون الابتعاد عن الواقعية والموضوعية، فان الحركة الصهيونية منذ ما قبل اسرائيل (عندما كان انشاء الدولة مشروعا سياسيا) وحتي هذه اللحظة، تمكنت من ادراك الاسس الضرورية لانجاح مشروعها وللدفاع عنه فيما بعد. وابرزها يتلخص في: تنظيم مشاركة كل التجمعات اليهودية مؤسسات وافرادا ومساهمتهم الفعلية في تحقيق المشروع، الامساك بعصبي القوة: المال والاعلام باعتبارهما شرطين ضروريين وعاملين اساسيين في ادامته واستمرار تاييده علي المستوي الدولي، وايجاد جبهة الحلفاء في العالم المساندة دوما لمشروعها، حتي في ظل وجود بعض التعارضات السياسية بين الجانبين في هذه المرحلة او تلك. انسجاما مع هذه الأسس، فان اسرائيل ما تزال تستطيع تسويق اضاليلها باعتبارها مسلمات وحقائق. وما أن تتهم احداً (علي سبيل المثال) بتهمة (العداء للسامية) حتي تخرج الالة الاعلامية في اسرائيل وعلي مستوي العالم بترديد هذا الاتهام وتحريك كل أوراق الضغط الكامنة بين يديها، لتحويل الاكذوبة الي حقيقة قائمة، علي طريقة: اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتي يصدقك الناس! ما الذي يعنيه ذلك؟ ان هذا يعني: وجود الاعلام الجاهز دوما لتبني الطروحات السياسية الاسرائيلية من اجل اقناع العالم بها. .. مما ينفي حيادية هذا الاعلام وكذلك موضوعيته، وبالتالي فهو اعلام يتحرك وفق نهج مرسوم بدقة في عناصره الاساسية. ومع ذلك فان هذا الاعلام يجري تصويره (بالاعلام الديمقراطي). من جانب اخر، فان من المفروض علي التجمعات اليهودية والافراد اليهود في مختلف انحاء العالم دفع التبرعات السنوية لاسرائيل، التي تعتمد ايضا علي مئات الالاف من المؤسسات الحليفة (الصهيو ـ مسيحية) المنتشرة في كل انحاء العالم من اجل مساندتها. ما الذي ينقصنا كفلسطينيين وعرب؟ بداية نحن نمتلك الحق وقضيتنا عادلة. ولكن امتلاك الحق وعدالة القضية لن يفعلا شيئا وحدهما، من دون امتلاك العناصر والاسس لايضاح العدالة اولا، وامتلاك القوة اللازمة لانتزاع هذا الحق من بين براثن العدو والمتنكر له من الاساس. منذ الخمسينات وصفت الكاتبة البريطانية المتضامنة مع الحقوق الفلسطنينية: ايثيل مينون، وصاحبة كتاب (الطريق الي حيفا) العرب (بانهم اسوأ المحامين عن اعدل القضايا). تدرك الجماهير العربية من المحيط الي الخليج ان اسرائيل ليست خطرا علي الفلسطينيين فقط، وأخطارها تتجاوز الدائرة الفلسطينية للاخري العربية وللاخري الدولية والانسانية. ولذلك والي جانب حقيقة التلاحم العضوي بين العرب في كل أماكن تواجدهم، فإن الوقوف مع الحقوق الفلسطينية والقيام بواجب الدفاع عنها، هو دفاع عن الأمة العربية الواحدة، عن كل أقطارها. ولذلك فإن الإعلام العربي معني أيضاً بهذه القضية المفصلية لوجوده. بالتالي، يتوجب عليه أن يحمل رسالة. وان يكون الي جانب العدالة، وضمن دائرة الانتماء الي الوطن وقضاياه، بعيداً عن التصور الأفلاطوني. فلا يوجد إعلام محايد علي صعيد كل دول العالم. أما بالنسبة للرأسمال، وبعيداً عن التوصيف الماركسي (بأن لا وطن له)، فالمعركة أيضاً معركته، ولا يجوز أن يبقي متفرجاً في واحدة من اكبر المعارك التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني. وهي معركة الخنق والتجويع من اجل تطويع إرادته السياسية والتنازل عن حقوقه وثوابته الوطنية. وإن كنت لا أفصل بين الخاص الفلسطيني والعام القومي، علي صعيد المهام، فلإيماني المطلق بارتباطهما وتلاحمهما العضوي، وليس ابتعاداً عن الخاص الفلسطيني. والذي من الطبيعي أن يتساءل البعض قائلاً حوله: ولكن من اين لنا القيادة التي تلتزم بأهداف شعبها الإستراتيجية وتحسن الدفاع عنها نهجاً ومسلكاً اجتماعياً واقتصادياً، وفي حركتها السياسية المتوجب ان تصب في أدائها وتكتيكها في مجري الهدف الاستراتيجي؟ وفي الإجابة أقول: لا شيء مطلقا في عالمنا. معركتنا طويلة، والحركة والمتغيرات هما الشيء الثابت. لن تحط علينا قيادة فلسطينية من الغيب، بل سيفرزها شعبنا حتي وإن طال الزمن. وإذا لم نساهم جميعاً في صنع هذه القيادة، فمن سيصنعها؟ ولعل الانتخابات التشريعية الأخيرة في فلسطين هي الدليل علي صحة هذا القول. أما بالنسبة للعام القومي، فاستناداً الي عناصر الوحدة الكبيرة القائمة حقيقة بين كافة الشعوب العربية، فإن وحدة المؤامرة تقتضي وحدة المجابهة، رغم الدور التعطيلي للنظام الرسمي العربي لأية جهود شعبية قطرية وقومية عربية، ورغم نظرية المؤامرة. …. فإن المطلوب، هو التحرك الجماعي الشعبي العربي، من خلال كافة المؤسسات والهيئات، لكي يأخذ كل دوره في معركة المصير الواحد، وبخاصة في مجالين مهمين: المال والإعلام باعتبارهما سلاحين رئيسيين في عملية المواجهة. ہ كاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية