تحت مجهر ‘فيس بوك’ تحت مجهر ‘فيس بوك’ رحاب أبو هوشرذاع صيت موقع التواصل الاجتماعي ‘فيس بوك’، مع اندلاع الثورات العربية، سيما وأنه كان من أبرز وسائلها المؤثرة في الاتصال وتنظيم المظاهرات الشعبية، فما إن اشتعل حريق بوعزيزي في تونس، وأضرمت شرارته نار الثورة في مصر، حتى انضم المزيد من الناس للموقع الكوني الذي محا أثر الجغرافيا. وقد أثار دور الموقع حفيظة وفضول رافضين لمخرجات الثورة التكنولوجية كلها، وأوقع بهم في شباك سهولة وسرعة التواصل والتفاعل عبره، وهم ممن يشكلون النخبة الثقافية من الناشطين السياسييين الكلاسيكيين والإعلاميين، والمبدعين كتابا وفنانين، ولما اكتشفوه أيضا من إمكانيات الموقع المدهشة، لنشر كتاباتهم وأعمالهم، وإمكانية تفاعلهم مع جمهور من المتابعين يوما بيوم.انضمام تلك النخب ‘مساهمة’ في الحراك العربي، جعل من الموقع حالة تتجاوز التواصل الاجتماعي والتسلية، إلى حالة من الحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي، فصفحاتهم، أولئك ‘الفيسبوكيين’ حافلة بالنقاشات والآراء المتباينة تجاه ما جرى ويجري، في زمن ‘الربيع’ العربي’، وتصلح كعينة معتبرة لمعاينة أثر المرحلة الجديدة، وما أحدثته الثورات من تحول على الوعي تجاه ثيمة الحرية، والتعددية الديمقراطية، وبلورة أدبيات موضوعية لمفهوم الحوار الديمقراطي، تأسيسا على ما أفرزه مناخ، حمل الحرية شعارا وهدفا خرجت الشعوب من أجله، والتي لا ينفك أصحاب الصفحات ‘الفيسبوكية’، المقصودين بالعينة، عن تأكيد إيمانهم بها، حتى بات الحديث فيها وعنها خبزا يوميا، الحرية أولا وثانيا وآخرا، هكذا! ما تكشف عنه صفحاتهم، وما يدور على حيطانها مما يدعى حوارات، مثير للإحباط والأسى، ويعكس تجذرا ثقافيا لفكرة الإقصاء ورفض الآخر، وغيابا شبه تام لمفردة الحرية في الذهنية الجمعية، لم تنج منه أبدا تلك النخب، إلا من رحم ربي! رغم أن الفكرة أو الموضوع المطروح محوره الحرية! سلوكهم في التعاطي مع ‘المناوئين’ لرأيهم، لا يشير إلا لرغبة حبيسة بسماع صدى أفكارهم وأصواتهم فقط، ولولا حاجتهم لآخر يحقق لهم اعترافا بحضورهم، لاكتفوا بالكتابة لأنفسهم وقاموا بوضع التعليقات التي تروقهم أيضا على ما يكتبون، وكذلك نقر كلمة ‘أعجبني’، وبهذا يتخلصون من عبء زيف محاولة الظهور بمظهر المحاور الديمقراطي، المؤمن بالخلاف والاختلاف، والذي يرى في تنوع الآراء حول فكرته إثراء لها. ويبلغ الاستقطاب أشده، وبالتالي الرغبة المحمومة في إقصاء الآخر، في المستوى السياسي من الحوارات، الأكثر جدية وخطورة وحساسية إزاء الاختلاف، والأكثر حضورا أيضا، ففي المستوى الثقافي، لم ألحظ اهتماما من قبل المبدعين والمهتمين، إلا قلة قليلة، بإثارة نقاشات فكرية أو إبداعية رصينة حول السينما والمسرح أو الشعر والرواية مثلا، تقرأ المشهد المتغير على الصعيد الفكري والإبداعي.تتنوع أساليب ‘الإرهاب’ الفكري، وفق مقتضى الأدوات الافتراضية، ما بين شخصنة الحوار والهجوم على المحاور، والسخرية من رأيه، إلى تجاهله لتتم ‘تصفيته’ بهدوء، بحذفه من قائمة الأصدقاء، ويبلغ الرفض والضيق من الرأي الآخر أشده بإعدام المحاور علنا، عبر وضعه على قائمة ‘المحظورين’، وهي أساليب ناعمة إذا ما قورنت بوصلات الشتائم البذيئة والتراشق بالاتهامات ، مما ينقل ‘المعركة’ بين المتحاورين إلى مستوى اجتياح لاأخلاقي بعد قصف نفسي مكثف! ولا نحتاج لجهد كي نكتشف أن موضوع الحوار، ترك وحيدا معزولا، عما يجري، إذ لا متسع له في حوار الطرشان، وأن من يتحاورون، لا يدركون من مفهوم الحوار، إلا إعلان ملكيتهم للحقيقة الكاملة، وتثبيت رأيهم،. لذلك لم يعد من المجدي، المشاركة في حوار، لن ينتهي إلا بشتائم وضياع الفكرة، أو يبدأ بموضوع لينتهي إلى موضوع آخر لا يمت للأول بصلة!وهي مفارقة فجائعية لا تقل عن فضيحة، أن ينحاز متحاورون لثورات من أجل الحرية، ويهاجموا أنظمة لدكتاتوريتها وفسادها، وهم يشاركونها الذهنية الحاضنة للاستبداد وتضخم الذات، ولا يختلفون عنها أبدا في الوعي والممارسة. لا يمكن الحديث أيضا عن قيمة معرفية أو ثقافية، لما يجري على تلك الصفحات في معظمها، حيث الأفكار المستهلكة ذاتها يتم اجترارها، ويكرر بعض ‘المبدعين’ أنفسهم مرات ومرات، دون أي إضافة تذكر، أو جمالية في اللغة أو الأسلوب على الأقل، وربما يلجأ بعضهم، لكي يحتفظ بحضوره الجماهيري الدائم، لإعادة نشر مادة قديمة، ما زال الجميع يذكرها، طمعا في ‘اللايكات’، ناهيك عمن به عطش مزمن للاعتراف، وينسب لنفسه أشعارا وكتابات مسروقة، وأكثر ما يدهشني، أولئك الذين لا عمل لهم على ما يبدو، إلا الكتابة على حائطهم، يكتبون في كل شيء، ولا شيء على مدار اليوم، أما محترفو العلاقات العامة في مجالات الإبداع، فلا يتنازلون عن كراسيهم العالية، ويرحبون بجعل صفحاتهم محجا للمريدين، بينما صفحات مبدعين حقيقين مهجورة من المعجبين!إن كانت بعض الحوارات الساخنة، تخضع لذلك الإرهاب الفكري المخزي، فإن كثيرا منها لا تجوز تسميته بالحوار، فيما يعنيه من نقد وجدل وتفاعل يوسع الفكرة ويشرك الآخرين فيها، محققا قيمة معرفية ما، ويتحول إلى حالة من العبث والمجانية، بتعليقات سطحية لا معنى لها، أو بعبارات مديح وغزل دائم بكاتب، مهما كانت قيمة وأهمية ما يكتب، ليصبح صنما من وهم ‘فيس بوك’، بينما يصرخ ويصرخون معه لتحطيم الأصنام.لم يعد ممكنا التعامل مع ‘فيس بوك’ باعتباره موقعا افتراضيا وحسب، نسبيا هو يمثل اليوم مجتمعا موازيا للواقع، وعاكسا لتحولاته ومزاجه واهتماماته، وكاشفا لعاهاته وأزماته، وازدواجية نخبه، الثقافية والفكرية والأخلاقية، التي ما زالت عصية على نسمات ‘الربيع العربي’.