«تحجيم الحرب اليمنية» حاجة إقليمية ودولية وصواريخ «الحوثي» لن تَعْبر الحدود لحين من الزمن

رلى موفّق
حجم الخط
0

هدفتِ المشاورات اليمنية – اليمنية التي جرت في الرياض برعاية خليجية وغطاء دولي إلى ترتيب «البيت اليمني» القادر على تعزيز الشرعية وكيان الدولة ومؤسساتها. لم يكن مِن وهم بأن «جماعة الحوثي» التي وُجِّهت إليها الدعوة ستحضر. فعلى العكس، تنظر تلك الجماعة المدعومة من إيران، والتي تُشكّل أحد أذرعها، بكثير من الريبة إلى التحوُّل الذي أفضتْ إليه مشاورات الرياض، والتي آلت إلى تشكيل الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي المعترف به دولياً «مجلس القيادة الرئاسي» وتفويضه كامل صلاحياته لإدارة الدولة سياسياً وعسكرياً وأمنياً خلال الفترة الانتقالية، واستكمال تنفيذ مهامها.
يُدرك «الحوثي» أنه أضحى أمام مرحلة جديدة في المشهد اليمني، حيث جرت صياغة توازنات بين الأطياف اليمنية في مجلس القيادة الرئاسي لديها القدرة – إنْ أرادت – على أن تُشكِّل قوة مُوحدة في وجهه سلماً أو حرباً. فمخرجات المشاورات تضمنت، في المسار السياسي، دعوة مجلس القيادة إلى البدء في التفاوض مع الحوثيين تحت إشراف الأمم المتحدة للتوصل إلى حل سياسي نهائي وشامل، وينحو المناخ العام خليجياً ودولياً، نحو تعزيز الحلول السياسية السلمية بعد فشل الحلول العسكرية. ولكن توازياً، سيتركز الجهد، عسكرياً، على تهيئة الأرضية لتوحيد القدرات العسكرية وتكاملها وتأطيرها قانونياً.
مشاورات الرياض وَضعتْ، بمباركة خليجية – دولية، «خارطة طريق تفصيلية» لمختلف المسارات من اقتصادية وتنموية وأمنية وإنسانية وإغاثية وإنسانية وحتى إعلامية في سبيل تدعيم الشرعية وتعزيز مؤسسات الدولة بُغية استعادتها كاملة على أُسس المرجعيات السياسية للحل، والتي أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في أول خطاب له، التزامه بها، ولا سيما المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني واتفاق الرياض ومضامين مخرجات المشاورات اليمنية – اليمنية والقرارات الأممية.
الكلمات المفتاح في خطاب العليمي بـ«أننا مجلس سلام لا حرب» أنما في الوقت نفسه «مجلس دفاع وقوة ووحدة صف يذود عن سيادة الوطن وحماية المواطنين»، وتحيته الأبطال على الجبهات في «مواجهة الانقلاب والمشروع الإيراني الداعم له»، وتأكيده على «هدف استعادة الدولة وتحقيق السلام الشامل والعادل»، و«تجنيبه اليمن أطماع الطامعين الذين يستهدفون عروبته ونسيجه الاجتماعي والجغرافي»، ترسمُ معالمَ الحقبةِ المقبلة لليمن على مستوى الصراع الداخلي. في رأي متابعين أن المجلس سيكون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما ذهاب كافة القوى إلى الاتحاد في إطار مؤسسات الدولة، ومن ثم الدخول مع «جماعة الحوثي» في حوار مباشر من أجل الوصول إلى تسوية سياسية ولو كانت هشّة، ولكن من موقع القوة، وهذا رهن بأدائه. وإما سيكون أمام تلك الجماعة في موقع ضعيف، خصوصاً إذا لم يستطع أن يُعالج القضايا الجوهرية ولا سيما الأوضاع العسكرية والأمنية والاقتصادية في المناطق المحررة.
فالكرة ستكون في ملعب اليمنيين أنفسهم على مستوى تحديد مستقبل بلدهم. إما الذهاب إلى تسوية سياسية شاملة والاتفاق على شكل الحكم، وإما الذهاب نحو الاقتتال الداخلي في صراع داخلي على السلطة. على أن ذلك يُقلق بعضاً من المراقبين لجهة أن ما جرى في الرياض يمكن قراءته من الزاوية الأوسع بوصفه تحجيماً للحرب وحصر تداعياتها في الداخل من دون أن يكون لها امتداداتها الإقليمية. وتذهب مخاوف البعض من تحوُّل الحرب في اليمن إلى حربٍ مَنسية، إذا انتهت بكونها حرباً عابرة للحدود. فالتطورات المتسارعة على المسرح العالمي، وبالأخص بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، أضحتْ تفرض على الغرب مقاربات مختلفة، ولا سيما على مستوى تأمين مزيد من إنتاج الطاقة في ظل الاتجاه نحو تخلّي أوروبا عن مصادر الطاقة الروسية. وتُشكّل دول الخليج، والمملكة العربية السعودية بالذات، إحدى تلك الرهانات نظراً إلى قدرتها العالية في هذا المجال. فهذا العامل لعب دوراً ضاغطاً على المجتمع الدولي، ولا سيما على الأوروبيين والأمريكيين في اتجاه لجم الاندفاعة الإيرانية عبر وكيلها الحوثي باستخدام الأراضي اليمنية مُنطلَقاً للصواريخ والمسيّرات لاستهداف دول الجوار. فكان التوصّل إلى هدنة لعبت سلطنة عُمان دوراً أساسياً في إنجازها. ما هو محقق اليوم هدنة لشهرين قابلة للتمديد بين جماعة الحوثي والتحالف العربي بقيادة السعودية. هي في المشهد الخلفي هدنة تمّت صياغتها مع إيران التي تُمسك بقرار «الحوثي».
في المعلومات أن طهران أبلغت سلطنة عُمان عدم معارضتها التوصل إلى قيام حكومة واحدة تضم الحوثيين والذهاب إلى انتخابات، إنما لن تذهب إلى تسهيل ذلك قبل إنجاز الاتفاق النووي. فهي تستخدم اليمن كورقة ضغط وأحد أوراق قوتها التفاوضية، تماماً كما تفعل بأوراق قوّتها في لبنان وسوريا والعراق وغزة، وعلاقاتها مع الصين وروسيا. تركتِ الحربُ الروسية على أوكرانيا تأثيراتها على إعلان الاتفاق الذي كانت غالبية بنوده بحكم المنجزة، وليس متوقعاً أن يشهدَ النور راهناً، بل بدأ ضرب مواعيدَ جديدة له بعد شهرين، بحيث تكون حرب بوتين قد تبلورت اتجاهاتها أكثر.
إلى ذلك الحين، ستكون المنطقة في حالة من الغليان. هدنة الشهرين بين الحوثي والتحالف تحمل في طيّاتها ملامح الصمود والتمديد في أعقاب الدور الذي تضطلع به مسقط. وكانت الاتصالات بين الإيرانيين والسعوديين قد قطعت شوطاً، وتمَّ التحضير لجولة المحادثات الخامسة في بغداد، غير أن الإعدامات التي حصلت في السعودية والتي طاولت حوثيين عكَّرت الأجواء. الحاجة الدولية إلى ترتيب أوراق الطاقة ستفعل فعلها في إيجاد تفاهمات على وقف تداعيات الحرب اليمنية إلى ما وراء الحدود وتقديم ضمانات أمنية في هذا الشأن، لكن «الحوثي» – ومن خلفه إيران – سيُبقي الساحة اليمنية صندوق بريد. وهو أمر يستطيع الجميع – سواء المجتمع الدولي أو حتى الخليج – التعايش معه، على الأقل لفترة زمنية يمكن اعتبارها فترة التقاط أنفاس، ذلك أن الرهانات على حلول نهائية لم يحن وقتها بعد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية