د. يوسف نور عوض
مرت قبل عدة أيام الذكرى التاسعة والخمسون للانقلاب العسكري الذي وقع في مصر عام ألف وتسعمئة واثنين وخمسين والذي عرف في ما بعد بثورة الثالث والعشرين من يوليو، وعلى الرغم من أن الثورات في هذه الأيام تعم العالم العربي فإن الكثيرين ما زالت تراودهم نوستالجيا الحنين لثورة يوليو وزعيمها جمال عبد الناصر الذي يرون أنه أحدث تغييرا كبيرا في الحياة العربية، وعلى الرغم من أن الثورة التي وقعت أخيرا في مصر قد أسقطت بالفعل نظام عبد الناصر الذي امتد ما يقارب الستين عاما عبر حكم السادات وحسني مبارك فإن الكثيرين يفضلون أن يقيموا خطا فاصلا بين الحكمين الأخيرين وحكم عبد الناصر، ولا نشك في أن عبد الناصر كان في حد ذاته حاكما نظيف اليد ولم يؤثر عنه أنه استغل موارد الدولة لصالحه الشخصي أو صالح أسرته، لكن بدون شك أيضا فإن عبد الناصر اتبع سياسات هي التي أوجدت كثيرا من المشاكل في مختلف أنحاء العالم العربي وهي التي يحاول الكثيرون معالجتها في الوقت الحاضر، ويمكن أن نجمل هذه المشاكل في ما يلي:
أولا: قسم الرئيس جمال عبد الناصر العالم العربي إلى فسطاطين، أحدهما فسطاط التقدميين والآخر فسطاط الرجعيين، وكان التقدميون في نظره هم الذين يحكمون بواسطة الأنظمة العسكرية ويعلنون مبادىء ثورية، وأما الرجعيون فهم الذين يحكمون بالمبادىء التقليدية ولا يعلنون شعارات ثورية.
ثانيا: أدخل عبد الناصر فكرة التأميم في العالم العربي وقضى بالتالي على القطاع الخاص الذي بدأ في تطوير مصر من أجل أن يسلم القدرات الاقتصادية إلى ضباط الجيش الذين كانوا يفتقرون إلى الخبرات ولا يملكون الموارد، وقد أدت هذه السياسة إلى انهيار البنية الاقتصادية في البلاد وأصبحت المؤسسات المؤممة مجالا للنهب في مصر. ثالثا: اتبع عبد الناصر سياسة أطلق عليها سياسة الإصلاح الزراعي صادر بموجبها الأراضي من الملاك الكبار ليوزعها على الفلاحين الذين لم يستطيعوا زراعتها وحولوا الكثير منها إلى أراض سكنية. رابعا: أقام عبد الناصر نظاما بوليسيا في البلاد تحكمه دولة المخابرات وانتفى بالتالي حكم القانون والقضاء العادل. خامسا: لم يتخذ عبد الناصر أي إجراء من أجل الحد من الزيادة المضطردة في السكان وهي القنبلة الموقوتة التي تعاني منها مصر في الوقت الحاضر بعد أن ارتفع عدد سكانها من ثمانية عشر مليونا إلى ثمانين مليونا دون أن توازي هذه الزيادة زيادة مماثلة في الموارد. سادسا: توسع الرئيس عبد الناصر في سياسة فتح المدارس وأعلن مجانية التعليم دون أن يكون هناك تطوير للنظام المدرسي ذاته، وقد بلغ عدد طلاب جامعة القاهرة المنتظمين والمنتسبين أكثر من ثلاثمئة وخمسين ألفا وهو ما يعادل عشرة أضعاف الطلاب المسجلين في الجامعات البريطانية. سابعا: تبنى عبد الناصر بعض الشعارات الكبيرة مثل شعارات القومية العربية التي كانت تعني عنده الناصرية أي التفاف الشعوب العربية خلف قيادته.
ثامنا: ظل عبد الناصر يدغدغ المشاعر العربية بالتصدي لدولة إسرائيل حتى انتهى الأمر أخيرا بكارثة ألف وتسعمئة وسبعة وستين التي أحدثت تغيرا جوهريا في نظرية المواجهة مع دولة الكيان الصهيوني.
ولا نريد بذلك مجرد التركيز على الجوانب السلبية التي تأسس عليها نظام الرئيس جمال عبد الناصر بل نريد أن نتخذ من ذلك نافذة نطل منها على التطورات الحادثة في العالم العربي، وخاصة في مصر، ذلك أنه بعد نجاح الثورة في إطاحة نظام حكم الرئيس حسني مبارك قام من أطلقوا على أنفسهم الثوار بتسليم السلطة إلى مجلس عسكري توهما منهم أن هذا المجلس أكثر تنظيما وهو سيعبر بهم المرحلة الانتقالية ليسلم الحكومة في نهاية الأمر إلى سلطة منتخبة، ولم يكونوا يعرفون أن مجرد تسليم السلطة إلى العسكريين هو عودة بالكرة إلى المربع الأول، ذلك أن العسكريين في كل تاريخهم لم يثبتوا أنهم يهتمون بمساندة أنظمة حكم ديمقراطية، ثم من قال إن العسكريين هم أصلا مهيؤون لحكم البلاد، إذ المعروف أن للجيوش مهمات محددة وليس من بينها الحكم، ولكن في العالم العربي ونظرا لأن الجيوش لا تقوم بأية مهمات فإن التفكير الوحيد عند القائمين عليها هو السيطرة على نظم الحكم من أجل تحقيق الفوائد الشخصية. ويحدث هذا في كل مكان من هذا العالم، أما السبب في أن العسكر يجدون الطريق ممهدا أمامهم فهو ما يمكن أن نطلق عليه الفقر الثقافي في هذه المنطقة، ذلك أن الفكر الذي يغلب في العالم العربي هو الفكر القبلي والطائفي والمذهبي والعرقي، وهي ألوان من الفكر طامحة في مجملها إلى السلطة، وهو طموح ليس من أجل تحقيق خير المجتمع بأسره بل فقط من أجل تحقيق سطوة القبيلة أو الطائفة أو المذهب، بكون معظم هؤلاء لا يعرفون على وجه التحديد كيف يمكن أن تقام الدول وكيف يمكن أن توزع السلطات في داخلها، وحتى حين يفكرون بأسلوب الدولة الحديثة فهم نادرا ما يتوصلون إلى الفكر السليم، ولقد قرأت أخيرا أن عدد الأحزاب التي تكونت في تونس بعد الثورة بلغ سبعين حزبا أو يزيد ويعتقد الكثيرون أن تكاثر مثل هذه الأحزاب هو دليل على المناخ الصحي والديمقراطي الذي تعيش فيه البلاد، و إذا تأملنا حقيقة هذه الأحزاب أدركنا أنها لا تمثل أكثر من الانقسامات القبلية والطائفية والمذهبية وهي ليست من الديمقراطية في شىء، ذلك أن الديمقراطية لا تعني فقط الاختلاف، كما لا تعني تنازع الأهواء بل تعني ببساطة شديدة اختلاف أساليب التنفيذ في ما هو متفق عليه، وفي هذا الإطار لا يحتاج أي بلد إلى أكثر من اتجاهين لتحقيق هذا الواقع أحدهما يمثل وجهة نظر محافظة والآخر يمثل وجهة نظر معاكسة ولا يعني ذلك عدم وجود اتجاهات أخرى، إذ توجد مثل هذه الاتجاهات بصورة طبيعية ولكنها لا تؤثر في مجريات السياسة بصورة عامة وإن كانت لها بعض التأثيرات المرحلية. ولا نرى مثل هذا الوضع قائما في معظم الدول العربية التي حتى لو خلت من الأنظمة العسكرية فهي لا تفكر في الحكم إلا على أنه وسيلة للسيطرة على السلطة من أجل التحكم وليس من أجل تحقيق البرامج الاجتماعية.
وفي الواقع تصعب إقامة نمط الحكم الحديث في العالم العربي في هذه المرحلة، وليس ذلك لأن العالم العربي يحتاج لأن يسير في طريق التطور حتى يبلغ ما وصل إليه العالم الغربي، لأن العالم العربي لا يسير في أي طريق وليس أمامه أي هدف، والدليل على ذلك أن في العالم العربي اتجاهات عقدية ظلت تنادي بإقامة الدولة على أسلوبها الخاص ولكنها خلال أكثر من ألف وأربعمئة عام لم تستطع أن تقيم هذه الدولة أو تقدم أنموذجا لها، وذلك ما يحدث في عالم السياسة، لأن إقامة الدولة الحديثة تحتاج إلى تصور لبنية هذه الدولة أولا على أسس اقتصادية وثانيا على أسس سياسية، فإذا نظرنا إلى المواطن في الدول الغربية وجدنا أنه يعتبر نفسه جزءا من كيان الدولة لأن مصالحه ترتبط بها، فهو يريد لها أن تزدهر اقتصاديا من أجل أن تتوافر أمامه الوظائف ومن أجل أن يجد نفسه مؤمنا في حالات البطالة، ولذلك فإن الإنسان الغربي يكون أكثر حرصا على استمرار دولته من الإنسان العربي، الذي لا يرى أن علاقته بالدولة علاقة حق بقدر ما هي علاقة تمكن من السلطة.
ويبدو في ضوء ذلك أن ما تواجهه الثورات العربية في الوقت الحاضر هو تحدي إقامة الدولة الحديثة، ونظرا لأن معظم العرب لم يعيشوا في إطار مثل هذه الدولة فهم لا يعرفون كيفية الانتقال اليها وذلك ما جعلهم بعد سقوط النظام في مصر لا يفكرون إلا في محاكمة حسني مبارك وأعوانه، وقد يكون ذلك لازما وضروريا ولكن الانتقام لن يحقق التحول وربما لا يعطي درسا للحكام الجدد لأن ما هو مطلوب هو أن يكون هناك تصور لبناء الدولة الحديثة على الأسس نفسها القائمة في الدول الغربية، ولا يتم ذلك من وجهة نظري من خلال إسقاط نظم الحكم بل من خلال التصور السليم لمقومات هذه الدولة والعمل على وضع هذه المقومات موضع التنفيذ.’ كاتب من السودان