شهدت السويد في الأسبوعين المنصرمين سلسلة من المفاجآت والاصطفافات السياسية التي ستؤثر من دون شك في الحملات الانتخابية البرلمانية المقبلة في أواسط شهر أيلول/سبتمبر 2022. فبعد أن تخلى رئيس الوزراء السابق ستيفان لوفِن عن موقعه في رئاسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، واستقالته من منصب رئيس الوزراء؛ رشح الحزب المعني ماجدَلِنا أندرسون لهذا المنصب، وذلك بعد أن انتخبت رئيسة للحزب أوئل الشهر المنصرم؛ وتم تكليفها من البرلمان قبل نحو أسبوعين لتشكيل الحكومة. إلا أن الميزانية التي كانت قد تقدمت بها بوصفها وزيرة للمالية في الحكومة السابقة لم تحصل على الأصوات اللازمة لإقرارها، بينما أقرت ميزاينة الأحزاب اليمينية، الأمر الذي عرّض الائتلاف الحكومي لنكسة تمثلت في انسحاب حزب البيئة، مما أجبر أندرسون على الاعتذار.
ولكن الثقافة الديمقراطية الراسخة هي التي انتصرت، وتمكّن الحزب الاشتراكي الديمقراطي من تشكيل حكومة أقلية بمفرده، بعد أن وافقت ثلاثة أحزاب (الوسط والبيئة واليسار) على عدم استخدام أصواتها في البرلمان لعرقلة انتخاب أندرسون مجدداً، في حين عارضتها أربعة أحزاب أخرى (المحافظون وديمقراطيو السويد والديمقراطي المسيحي والليبرالي) ولكن أصوات هذه الأحزاب لم تتجاوز نسبة 50% المطلوبة للأخذ برأيها المعارض، فأُسندت مهمة تشكيل الحكومة إلى الحزب الاشتراكي.
وهكذا حصلت أندرسون على ثقة البرلمان، لتكون بذلك أول امرأة تتبوأ بصورة رسمية وظيفة رئاسة الحكومة في تاريخ السويد، وهذا الحدث بذاته كان موضع ترحيب واستحسان من قبل غالبية السويديين. وما أكسب هذا الحدث أهمية رمزية خاصة انه تزامن مع الذكرى المئوية الأولى لحصول المرأة في السويد على حق التصويت، ويأتي تتويجاً لنجاحات المرأة السويدية التي أثبتت في جميع الميادين قدرتها على أداء المهام وبجدارة لا يطالها أي شك أو تشكيك. وهي اليوم تشارك بـ 12 حقيبة وزارية من أصل 23.
يتشكل البرلمان السويدي اليوم من ممثلي ثمانية أحزاب، سبعة منها كانت إلى وقت قريب موزعة بين تحالفين: الأول برجوازي يميني، والآخر اشتراكي- بيئي. أما حزب ديمقراطيي السويد فقد كان خارج التحالفين.
ولكن في السنوات الأخيرة كانت عوامل عديدة قد أدت إلى تغيير في حسابات وأولويات جميع الأحزاب، خاصة بعد موجة اللاجئين الكبرى عام 2015، وما ترتب عليها من أزمات في مجالات عدة منها الصحة والتعليم وسوق العمل؛ هذا بالإضافة إلى تصاعد وتيرة جرائم القتل، وهي غالباً ما تكون نتيجة تصفية الحسابات بين العصابات المتنافسة على تجارة المخدرات والأسلحة حتى باتت تحدث بصورة شبه يومية، الأمر الذي دفع بجميع الأحزاب السويدية إلى المطالبة بضرورة التشدد، ورفع سقف العقوبات، وتعزيز قدرات الشرطة على صعيد الأعداد والعدة؛ وتعديل القوانين لتتمكن الأجهزة الأمنية من مراقبة الاتصالات، واخضاع المزيد من المناطق لكاميرات المراقبة.
ولكن مع ذلك، فإن التباين بين الأحزاب اليمينية من جهة، والحزب الاشتراكي الديمقراطي والأحزاب المساندة له من جهة أخرى ما زال كبيراً في العديد من المسائل، خاصة حول نسبة الضرائب وسبل الاهتمام بالمناطق المهمشة، وتوفير فرص العمل، وكيفية المحافظة على البيئة، بالإضافة إلى قضايا التعليم والسكن والتقاعد والضمان الصحي، وغيرها من القضايا التي تمس نظام الرفاه المعتمد في السويد، وهو النظام الذي قد توافقت عليه سائر الأحزاب.
الحملة الانتخابية في السويد قد بدأت في واقع الحال. وليس من المعروف كيف ستكون ملامح الحكومة المقبلة في السويد بعد نحو عشرة أشهر؛ وهذا ما يعكس طبيعة الأزمة التي تعيشها الأنظمة الديمقراطية الراسخة في الغرب.
فهذه الأنظمة تتعرض لخطر التيارات الشعبوية التي تتخذ من قضايا المهاجرين والتطرف الديني، والإرهاب، خاصة ما ينسب إلى الجماعات الإسلاموية، مادة دعائية، تحاول من خلالها دغدغة العواطف والمشاعر. وما يعطي زخماً لهذا الخطاب هو حقيقة ارتفاع نسبة الجرائم بين تجمعات المهاجرين.
هذا في حين أن الحزب الاشتراكي الحاكم يرى أن الحل يتمثل في الاهتمام بالمناطق المهمشة، وتأمين المزيد من فرص العلم والعمل للشباب من ذوي الأصول الأجنبية، ويؤكد أن هذه الخطوات تقطع الطريق على التطرف والجريمة، وتُشعرهم بأنهم جزء فاعل من هذا المجتمع.
والتجربة السويدية بصورة عامة هي من بين الأفضل أوروبياً من جهة تفهمها لخصوصيات المهاجرين واحترامها لحقوقهم الثقافية والدينية. فاللغات الأم للمهاجرين تدرّس بصورة رسمية في جميع المدارس، وتعدّ مادة مقررة من المواد الدراسية، يحق لأبناء وبنات المهاجرين دراستها. واللغة العربية باعتبارها اللغة الثانية في السويد على صعيد عدد الناطقين بها، تحظى بمساحة لافتة في الإعلام والنشر. كما أن الإسلام يعد الديانة الثانية بعد المسيحية قياساً إلى عدد المسجلين بوصفهم مسلمين. والدين الإسلامي يُدرّس بكل موضوعية ضمن مادة الدين المقررة في جميع المراحل ما قبل الجامعية، كما تُحترم خصوصية المسلمين في المدارس وأماكن العمل والمتاجر والأماكن العامة. وهناك العديد من الباحثين السويديين الذي كتبوا بدقة معرفية متناهية حول الإسلام، والأدب العربي بكل فروعه، واللغة العربية بصورة عامة.
ولم تعرف السويد حتى الآن التوترات الدينية أو العرقية، التي كانت في دول أوروبية أخرى، فالمسائل الخاصة بالمهاجرين تُعالج دائماً بحكمة وبعد نظر. ولهذا، فهناك حاجة كبيرة للإسهام في المحافظة على النظام الديمقراطي السويدي، وتطويره من قبل المهاجرين خاصة من العرب والكرد والأتراك والإيرانيين تحديداً، لأن أي انتكاسة لهذا النظام ستكون له آثار سلبية مباشرة على أوضاع المهاجرين، وعلى مستقبل أولادهم وأحفادهم. فالمهاجرون يشكلون اليوم نحو 20% من السكان، أي نحو مليونين من أصل عشرة ملايين هم مجموع سكان السويد، وقد تمكن قسم كبير منهم من الاندماج في المجتمع السويدي، وهم يعملون في جميع الميادين والاختصاصات، ولا توجد حواجز تمنعهم من ذلك، بل توجد حوافز لإنجاز المزيد.
والمحافظة على النظام الديمقراطي تكون من خلال احترام القوانين والإسهام الفاعل في الحياة السياسية، سواء عبر الانتماء إلى الأحزاب السياسية أم عبر التصويت، والتركيز على التعليم والعمل، وكل ذلك سيحول دون وقوع الشباب في براثن عالم الجريمة بكل ابعاده ونتائجه المأساوية.
غير أن المخاطر التي تهددد الأنظمة الديمقراطية الغربية لا تقتصر على العوامل الداخلية فحسب، بل تشمل العوامل الخارجية أيضاً، وهي تتمثل بصورة رئيسة في الأنظمة الاستبدادية في أوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وفي الشرق الأوسط، وهي الأنظمة التي لا تقيم وزناً لقضايا حقوق الإنسان وتطلعات الشعوب، وهي تتبادل الدعم والخبرات في ما بينها، وتحاول بشتى الأساليب ضرب استقرار الأنظمة الديمقراطية عبر التدخل في انتخاباتها، وتهديد أمنها الوطني، وإشغالها بالمشكلات والأزمات.
ولعل التصريحات الأمريكية والروسية التي تزامنت مع انعقاد اجتماع مجلس وزارء خارجية دول الناتو في ريغا عاصمة لاتفيا، جارة السويد، أواخر الشهر الماضي؛ واجتماع وزراء خارجية منظمة الأمن والتعاون الأوروبي في السويد أوائل هذا الشهر، وذلك نتيجة تصاعد التوتر بين أوروبا وأمريكا من جهة، وروسيا من جهة أخرى، بخصوص أوكرانيا والتهديدات الروسية لها؛ لعل تلك التصريحات تؤكد جدية التحديات التي تواجهها الأنظمة الديمقراطية.
وربما سيكون من باب تحصيل الحاصل، إذا ذكرنا هنا أن من بين ما أدى إلى تنمّر الأنظمة الاستبدادية بصورة أكثر هو تقاعس الأنظمة الديمقراطية في دعمها لحركات الشعوب، لا سيما العربية والإيرانية والأمريكية اللاتينية منها التي نهضت وثارت على الاستبداد والفساد. فلو بلغت تلك الشعوب أهدافها المشروعة، لما توجهت قوافل اللاجئين نحو الدول الأوروبية وغيرها من الدول الغربية وبالتالي لم يكن في مقدور التيارات اليمينية والعنصرية أن تستثمر في قضايا اللاجئين والتطرف والإرهاب في خطابها الشعبوي الذي يسمم الأجواء، ويهدد القيم الديمقراطية في الصميم.
فدعم تطلعات الشعوب العادلة نحو التخلص من الاستبداد والفساد، وهما يعتبران أساس سائر المشكلات الكارثية، لا يعتبر موقفاً إنسانياً أخلاقياً فحسب من المفروض أن تلتزم به الأنظمة الديمقراطية، وإنما يُعد أيضاً بالنسبة إلى هذه الأنظمة حاجة فعلية للحفاظ على ذاتها، وتطوير آلياتها. فكلما انتشرت الديمقراطية، وترسخت القيم الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم، كلما تراجع الاستبداد، واتيحت الفرص للمساءلة والمحاسبة ما يؤدي بطبيعة الحال إلى الحد من الفساد، وسد الأبواب عليه. فالفساد هو الذي يلتهم الموارد المالية التي من شأنها تأمين فرص العلم والعمل، وحل الأزمات. وهذا هو واقع مجتمعات منطقتنا التي تمتلك ثروات هائلة، ولكنها تُستنزف من قبل الأنظمة الفاسدة التي تتحكم بالدول والمجتمعات، وتمارس النخر فيها، تفتك وتدمّر وتهجّر، وتغلف كل ذلك بشعارات تضليلية تتحدث عن «المقاومة والممانعة ومناهضة الإرهاب والإمبريالية والصهيونية العالمية»، هذا في حين أنها بذاتها تمارس جميع أشكال الإرهاب، وبأكثر الصيغ وحشية.
*كاتب وأكاديمي سوري