تحديات بقاء المملكة البريطانية «متحدة» ومكانتها العالمية تطارد الحكومة

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

بين عشية وضحاها، ومع رحيل الملكة إليزابيث الثانية، ثار ضجيج التحديات، وسط ظروف أوروبية وعالمية شديدة الاضطراب، قد تفصل نتائجها بين عصرين بالنسبة لبريطانيا، في تكرار أشد صعوبة لظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي تراجعت فيها مكانتها عالميا، وبدت وكأنها معزولة أوروبيا، بينما راح جيرانها يخطون خطوات واسعة على طريق الوحدة. الآن تواجه بريطانيا العظمى تحدي الإبقاء على وحدة شعوبها الأربعة، وعلى مكانتها كقوة عالمية، وفوق هذا وذاك تواجه أولا تحدي الخروج من الأزمة الاقتصادية المركبة التي تعاني منها مع غيرها من الدول الأوروبية.
ومع أن بريطانيا، بعد نهاية العصر الإمبراطوري، نجحت في المحافظة على قدر مهم من النفوذ بواسطة استخدام قوتها الناعمة، الثقافية والتاريخية والدبلوماسية، إلا أنها مع مرور الوقت خسرت جزءا من هذه القوة ؛ فزاد اعتمادها على الولايات المتحدة، للمحافظة على بقاء نفوذها حيا في الكثير من مناطق العالم. كما كان انضمامها للاتحاد الأوروبي أحد محركات القوة لاستمرار نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري في العالم. ومع تضحيتها بعضويتها في الاتحاد الأوروبي، فإن الجزيرة المشاكسة، وجدت نفسها في حرب غير ضرورية مع القارة، وتغلب انتماؤها إلى شمال المحيط الأطلنطي على سياستها الخارجية، حيث تَعتبِرُ أطر التعاون الأطلنطية، وعلى رأسها تلك ذات الطابع العسكري، سابقة في الأولوية والأهمية على ما عداها من الأطر. ومع بدء أفول القوة الأمريكية، ولجوئها إلى شن حروب اقتصادية مباشرة ضد خصومها، وحروب بالوكالة مستخدمة حلفاء لها، فإنه يصبح على بريطانيا مع ملك جديد على رأس الدولة، وحكومة جديدة جاء بها حزب المحافظين على خلفية صراعات داخلية، أن تقرر بإرادتها المستقلة طريقا لمستقبلها.
ويعتبر رحيل الملكة إليزابيث الثانية، بعد 70 عاما على رأس الدولة، علامة تاريخية فارقة في تاريخ بريطانيا، ليس فقط لطول الفترة الزمنية، ولكن أيضا لأن رحيلها جاء في مرحلة مضطربة من تاريخ أوروبا والعالم، وهو ما يعني أن السفينة البريطانية، وهي تبحر في بحر هائج، تحتاج إلى شخصيات من طراز خاص، ونوع من الإدارة له قدرة على تقليل الأضرار وتعظيم المكاسب، بما يساعد السفينة على الإبحار بسلام حتى تصل إلى مياه هادئة. ومع أن المؤسسة الملكية تملك ولا تحكم، فإن قوتها المعنوية تلعب دورا مهما في توجيه خطوط الإستراتيجية العامة للدولة. وقد ظلت تلك القوة المعنوية أحد محركات شعبية النظام السياسي، حتى بدأت تواجه تحديات كبيرة في السنوات الأخيرة، فتعاظمت الميول الانفصالية في اسكتلندا، بسبب أخطاء السلطة التنفيذية في لندن، وزادت قوة التيار السياسي الجمهوري في أيرلندا الشمالية، كما انتشرت في أركان الكومنولث رغبة في إنهاء الإنتماء للتاج البريطاني، خصوصا في دول كبيرة مثل استراليا ونيوزيلندا.

استعادة الثقة والمصداقية

تتميز رئيسة الوزراء الجديدة بتوجهات «براغماتية» في فكرها وأسلوب إدارتها للحكم، لكنها تواجه تحديات عظيمة تتعلق بإعادة بناء هيكل القوة، وهو ما يتطلب علاج مظاهر الضعف والخلل الراهنة، بسبب الأزمة الاقتصادية والسياسية المركبة التي تمر بها البلاد، ووضع أسس انطلاق تكنولوجي يضمن لها استمرار قدرتها التنافسية عالميا، والتصدي بجرأة للمشكلة السكانية، باتباع سياسة هجرة أكثر فاعلية اقتصاديا واجتماعيا، وضرورة إعادة الاعتبار للعلاقات مع أوروبا في صيغة ملائمة تضمن الهدوء والاستقرار لهذه العلاقات، بدون إحداث خلل سياسي داخلي.

غلاء المعيشة ومخاطر الكساد

التحدي الأول الذي يواجه بريطانيا بعد نهاية عصر إليزابيث الثانية هو التغلب على محركات الأزمة الاقتصادية المركبة التي تعاني منها البلاد. لكن ذلك يحتاج بالتأكيد إلى خطة متوسطة وطويلة الأجل، وليس مجرد إجراءات لتخفيف غلاء المعيشة، مثل وضع سقف لأسعار الطاقة، أو تقديم إعانات لذوي الدخل المحدود، والتوسع في إنشاء بنوك الطعام. هذا لا يعني التقليل من أهمية هذه الإجراءات، لكنه يعني أنها لن تكفي للقضاء على الأزمة. ومن المتوقع كذلك أن تتضمن الميزانية المصغرة لحكومة ليز تراس الجديدة تفاصيل حزمة المساندة المالية للقطاع العائلي وقطاع الشركات، في مواجهة غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج، التي تقدر بما يقرب من 150 مليار جنيه استرليني، وهو ما يضع الحكومة الجديدة في مأزق، نظرا لتضارب سياستها المالية التوسعية مع السياسة النقدية المتشددة للبنك المركزي. هذا التضارب يمكن أن يؤثر سلبيا على الاقتصاد. وقد بادرت الحكومة فعلا بالتنسيق مع بنك انكلترا لوضع معايير تضمن التوافق بين السياستين المالية والنقدية، بلقاء تم في الأسبوع الماضي بين وزير الخزانة الجديد كوازي كوارتينغ ومحافظ البنك المركزي أندرو بايلي.
وقد أظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن معدل التضخم للشهر الماضي انخفض إلى ما دون 10 في المئة بسبب انخفاض أسعار الطاقة، وتوقعات السيطرة عليها في فصل الشتاء. ومن المرجح أن يؤدي انخفاض التضخم إلى تراجع الضغوط التي يتعرض لها بنك انكلترا لزيادة أسعار الفائدة. وفي هذه الحالة فإن احتمالات الكساد ستتراجع، وعبء الدين العام سينخفض، ما يبعث على استئناف النشاط الاقتصادي في مناخ يتسم بالثقة والتفاؤل. لكن حدوث تعقيدات جديدة في الصراع الأوروبي- الروسي، أو البيئة الجيوسياسية العالمية، من شأنه أن يعيد الضغوط بقوة، ويهدد بعودة المؤشرات الاقتصادية إلى المسار السلبي. وقد ترافق انخفاض التضخم مع تراجع الزيادة السنوية في أسعار الطاقة إلى 32.1 في المئة بدلا من 43.7 في المئة. لكن التضخم في أسعار المواد الغذائية ما يزال يواصل الارتفاع حيث بلغ 13.4 في المئة في اب/أغسطس مقابل 12.8 في المئة في تموز/يوليو. وتعتزم ليز تراس وضع سقف لأسعار الطاقة اعتبارا من أول الشهر المقبل يبلغ 2500 جنيه في المتوسط سنويا، أي ما يقل بنسبة 29.5 في المئة عن السقف الذي كان مقررا من قبل، وهو ما يسمح للأسرة العادية بتوفير حوالي 1050 جنيها سنويا من ميزانية الإنفاق على الطاقة، وهو ما يخفف أزمة غلاء المعيشة، ويساعد على زيادة الدخل القابل للإنفاق على قطاعات الاستهلاك الأخرى غير الطاقة. لكن السؤال الكبير بشأن القدرة على النمو وتجنب الوقوع في فخ الكساد ما زال يطارد كلا من الحكومة والبنك المركزي، ويضع بنك انكلترا أمام سؤال كبير في اجتماعه المقبل بشأن أسعار الفائدة. حتى الآن لم يغير البنك تقديراته بشأن انكماش الاقتصاد في الربع الأخير من العام الحالي، وامتداده إلى العام المقبل. وتشير توقعات بيوت الاستشارات المالية مثل مؤسسة «كي .بي .إم .جي» إلى أن أداء الاقتصاد سيظل ضعيفا بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع قيمة الدخل المتاح للإنفاق الاستهلاكي. وفي حال قرر بنك انكلترا في اجتماعه المقبل رفع سعر الفائدة على الإسترليني بمقدار نصف نقطة مئوية من مستواه الحالي البلاغ 1.75 في المئة، فإن فرص استئناف النمو ستزداد تعقيدا. وتتوقع مؤسسة «بانثيون ماكروإيكونوميكس» البريطانية أن ينكمش النشاط الاقتصادي بنسبة 0.2 في المئة في ايلول/سبتمبر، بعد انكماش بنسبة 0.1 في المئة في الربع الثاني من العام. وتتضمن تقديرات الشهر الحالي توقع هبوط أداء قطاع الإنشاءات بنسبة 0.8 في المئة، بعد هبوط بنسبة 1.4 في المئة في الشهر السابق. ويمثل قطاع الإنشاءات قاطرة مهمة للنمو في بريطانيا، كما أنه يرتبط ببرنامج الحكومة لتخفيف حدة التفاوت بين الشمال والجنوب، وبين المدن الهامشية والرئيسية، والمناطق الريفية والحضرية. ويمثل هذا البرنامج أحد التعهدات الانتخابية الرئيسية التي ساعدت حزب المحافظين على الفوز بأغلبية كبيرة في انتخابات 2019.
ويعتبر المضي قدما في تنفيذ هذا البرنامج مسألة محورية لاستعادة ثقة الناخبين، ورفع مستوى المعيشة، وإتاحة فرص حياة أفضل في المناطق الأقل نموا، خصوصا في منطقة «الحزام الأحمر» الذي يضم عددا كبيرا من الدوائر الانتخابية الموالية تقليديا لحزب العمال، لكنها كسرت هذا الولاء وصوتت للمحافظين في انتخابات عام 2019. وتبلغ تكلفة المشروعات المعلنة في البرنامج حوالي 4.8 مليار جنيه استرليني، لكنها تواجه صعوبات كبيرة خصوصا مع ارتفاع التضخم، وعجز الحكومة عن زيادة التمويل لمقابلة الزيادة في التكاليف. وتتضمن البرامج مشروعات لرفع مستوى الخدمات في المناطق الفقيرة، وإحياء المجمعات التجارية والصناعية والخدمية والسكنية التي تشرف عليها البلديات. وتقدر شبكة البلديات التي تديرها مجالس منتخبة، أن ارتفاع التكاليف من شأنه عمليا أن ينتهي إلى عدم تنفيذ نصف المشروعات بحلول 2024 حسبما تقول شارون تايلور نائب رئيس مجالس البلديات.

السلام والديمقراطية

كشفت مناقشة أجراها في أوائل الشهر الحالي معهد «تشاتهام هاوس» للدراسات، أن التحديات الرئيسية التي تواجه ليز تراس رئيسة الوزراء الجديدة لا تنحصر في وضع السياسة الاقتصادية السليمة، بما في ذلك سياسات الضرائب والأجور والعمل وتمويل نظام الرعاية الصحية، ولكن التحدي الرئيسي الذي يمكن أن يغير ملامح حكمها هو مدى قدرتها على إبقاء حلم «مكانة بريطانيا العالمية» حيا. ويعتبر معظم الدارسين، أن هذا هو التحدي الطويل الأمد الذي يحتاج إلى الكثير من العمل. وسوف يكون أداء الحكومة حاسما في العامين المقبلين، فهو إما أن يساعد على إعادة بريطانيا على مسار العولمة والقيادة، أو يؤدي إلى تعقيد الأمور أكثر مما هي عليه الآن.
الأسئلة المطروحة بالنسبة لمستقبل السياسة الخارجية البريطانية التي تواجهها حكومة تراس، حسبما جاءت في الحلقة النقاشية، تتضمن الدور الذي يمكن أن تلعبه الحكومة في مواجهة أزمة غلاء المعيشة واحتمالات الكساد، ومستقبل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وكيفية تسوية الخلافات المعلقة بشأن بروتوكول أيرلندا الشمالية، وهي خلافات تهدد بنشوب نزاع طويل الأجل بين الطرفين، وما إذا كانت بريطانيا ستستمر في تقديم العون للرئيس الأوكراني زيلينسكي كما كان الحال عليه خلال فترة رئاسة بوريس جونسون للحكومة، ثم القضية الأكبر المتعلقة بكيفية التعامل مع صعود الصين عالميا، وما إذا كانت بريطانيا ستسير في نهج يختلف عن النهج الأمريكي. الإجابة على هذه الأسئلة سوف تتوقف على كيفية إدارة السياسة الخارجية، ومستوى التنسيق بين رئيسة الوزراء، التي شغلت المنصب سابقا، وبين وزير خارجيتها جيمس كليفرلي، وما إذا كان هذا التنسيق سيحافظ على دور مستقل للخارجية، أم أن رئيسة الوزراء ستسلب الوزارة دورها. وبوضع التحديات الاقتصادية والسياسية معا، فإن نجاح حكومة ليز تراس سوف يتوقف على نجاحها في أربعة اختبارات رئيسية، أولها اختبار إقامة توافق بين سياستها المالية التوسعية، والسياسة النقدية المتشددة للبنك المركزي، وثانيها توافق بين الحاجة للمحافظة على وحدة المملكة «المتحدة» وبين طموحات شعوب أخرى، خصوصا في اسكتلندا وأيرلندا الشمالية، في الحصول على قدر أكبر من المرونة في اتخاذ القرار وممارسة السيادة، وثالثها إقامة توافق بين اعتبارات التحالف مع الولايات المتحدة وبين الضرورات الجيوسياسية التي تقتضي التقارب مع أوروبا. أما الاختبار الرابع فإنه يتعلق بإقامة توافق بين اعتبارات الدفاع عن الحرية والديمقراطية وبين الحاجة إلى السلام ومنع الحرب في العالم. وسوف يقرر مستوى النجاح في هذه الاختبارات الأربعة مدى نجاح حكومة تراس، وفرص استمرار المحافظين في الحكم لفترة تالية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية