إسطنبول- “القدس العربي”: عقب سنوات من الخلافات الحادة، تتجه السعودية وتركيا نحو إنهاء الخلافات وفتح صفحة جديدة في سجل العلاقات عنوانها تحييد ملفات الخلاف والبناء على نقاط الاتفاق وتعزيز التعاون في ملفات مختلفة لمواجهة التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي يمر بها البلدان في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة ترسم خريطة جديدة للعلاقات في المنطقة يريد كل طرف تحديد موقعه فيها لتقليل الخسائر قدر الإمكان.
وبعد أشهر طويلة من مساعي تحسين العلاقات، يبدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الخميس، زيارة إلى السعودية هي الأولى منذ أكثر من 4 سنوات، يلتقي خلالها الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان، لتكون الزيارة بمثابة إعلان رسمي لفتح صفحة جديدة في سجل العلاقات بين البلدين والتي تدهورت على مدى السنوت الأربع الماضية مع تعاظم الخلافات الثنائية والإقليمية.
طريق الوصول إلى الزيارة لم يكن سهلا على الإطلاق، فطوال الأشهر الماضية جرت محاولات واسعة لحل الخلافات أو تحييدها، حيث تعثرت المساعي في أكثر من محطة كان آخرها بداية العام الجاري عندما لم تتم زيارة أردوغان إلى الرياض والتي قال إنها ستكون في فبراير الماضي، وهو ما جعل الجانب التركي أكثر حرصاً على عدم الإعلان عن الزيارة الحالية إلا في اليوم نفسه للخشية الكبيرة من حصول تغيرات في اللحظات الأخيرة، وهو ما يظهر مدى حساسية المرحلة.
وما مهد للزيارة، التوصل إلى الكثير من التحولات السياسية والتوصل إلى تفاهمات مختلفة، فملفات الخلاف الإقليمي تراجعت كثيراً من سوريا إلى ليبيا وغيرها من مناطق التنافس العسكري، وتراجعت الخلافات السياسية خاصة فيما يتعلق بملف الإخوان المسلمين وإغلاق مؤسسات إعلامية تابعة للتنظيم في تركيا في إطار مسار التقارب مع مصر الذي شكل دافعا كبيرا جداً لمسار إعادة تحسين العلاقات مع السعودية، يضاف إلى ذلك العامل الأهم وهو إغلاق ملف قضية خاشقجي في القضاء التركي ونقله للسعودية، وهي خطوة كانت حاسمة لتحديد موعد الزيارة.
على الجانب التركي، لا تخفي أنقرة على الإطلاق رغبتها الجامحة في تحسين العلاقات مع السعودية وذلك في إطار تحول استراتيجي في السياسة الخارجية التركية عنوانه العودة إلى سياسة “صفر مشاكل” عقب سنوات من التدخلات العسكرية الخارجية والخلافات الأيديولوجية مع دول المنطقة، وهو ما أفقد أنقرة الكثير من الأصدقاء وساعد “أعداءها” في بناء تحالفات مناوئة لها، وهو ما ظهر جلياً في وقوف السعودية والإمارات إلى جانب اليونان في صراع شرق المتوسط، ومحاولاتهم عزل تركيا في ملف بات يعتبر بمثابة أولوية استراتيجية لأنقرة.
وبالتالي فإن أنقرة سعت إلى تحسين علاقاتها مع الرياض في إطار حملة دبلوماسية أوسع شملت خفض الخلافات مع الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وتحسين العلاقات مع أرمينيا وإسرائيل والإمارات والبحرين ودول عربية أخرى، لتتفرغ أنقرة لمسار تحسين العلاقات مع السعودية وهو ما تكلل أخيراً بزيارة أردوغان، لتختتم هذا المسار عربياً بتتويج مسار تحسين العلاقات مع مصر من خلال زيارة أردوغان إلى القاهرة التي تشير تكهنات -غير رسمية- إلى أنها ستجري في شهر مايو/ أيار المقبل.
ومن الجانب التركي أيضاً، يعتبر الاقتصاد محركا رئيسيا لهذا المسار، حيث تسعى أنقرة للقيام بخطوات سياسية بهدف بناء علاقات اقتصادية قادرة على دعم اقتصادها الذي يواجه صعوبات كبيرة بسبب تبعات جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا والارتفاع الكبير في أرقام التضخم، وتتوقع من مسار تحسين العلاقات مع السعودية أن يؤدي إلى رفع الحظر غير المعلن الذي تفرضه السعودية على البضائع التركية، وعودة حجم التبادل التجاري إلى أكثر من 5 مليارات دولار سريعاً كما كان عليه قبل الأزمة.
إلى جانب ذلك، يتوقع أن تتوصل الرياض وأنقرة إلى اتفاق يقضي بالتوقيع على اتفاقيات تبادل عملات كما جرى سابقاً مع الإمارات وكوريا الجنوبية لدعم استقرار الليرة التركية، وكلها أولويات هامة جداً للرئيس التركي الذي يسعى لإصلاحات اقتصادية يلمسها الناخب التركي قبيل موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية منتصف العام المقبل والتي تعتبر “تاريخية” لمستقبل أردوغان السياسي.
وفي الملفات المشتركة، تمثل إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تحدياً مشتركاً لتركيا والسعودية، وهو ما يدفع الأطراف الإقليمية إلى محاولة بناء شراكات أقوى لتمكين قدرتها على الصمود أمام الضغوط الأمريكية وسياسات بايدن الذي مارس ضغوطاً كبيرة على تركيا والسعودية بشكل خاص لا سيما فيما يتعلق بحرب اليمن والملفات الحقوقية والخلافات التي تصاعدت مؤخراً بين واشنطن والرياض حول رفع إنتاج النفط لتعويض النقص وارتفاع الأسعار الذي خلفته الحرب في أوكرانيا.
لكن الأكثر أهمية أيضاً للسعودية هو ما وصلت إليه الأوضاع حول حرب اليمن، حيث تراجع دعم الإدارة الأمريكية، وباتت الأنظمة الدفاعية الأمريكية محل “ابتزاز” للمملكة التي تتلقى ضربات صاروخية في عمق أراضيها ومصالحها الاستراتيجية المتعلقة بخزانات النفط، وهو ما يجعل الرياض بحاجة حقيقية لتعزيز التعاون الدفاعي مع تركيا وربما الاستفادة من بعض أنظمتها الدفاعية المتطورة والمتعلقة بمواجهة المسيرات الهجومية، إلى جانب امتلاك الطائرات التركية المسيرة من طراز بيرقدار وربما نسختها الأحدث “أقنجي” وهي المسيرات التي لعبت دوراً حاسماً في معارك سوريا وليبيا وقره باغ ومؤخراً في أوكرانيا، وبالتالي قد تعول عليها السعودية في اليمن.
إلى جانب ذلك، تخشى السعودية من عودة قريبة للاتفاق النووي الإيراني الذي يمكن أن يمنح إيران قوة أكبر في المنطقة، وهو ما يفترض أن تسعى الرياض لمواجهته من خلال تعزيز تحالفاتها الإقليمية، وبالتالي فإن تركيا هي الخيار الأول للمملكة التي ستزيد إنفاقها العسكري إلى جانب تحالفها السياسي، وهو ما يمكن أن يوجه السعودية أكثر نحو الصناعات الدفاعية التركية التي تشهد طفرة كبيرة في السنوات الأخيرة.
يضاف إلى ذلك، ملف التنافس الإقليمي مع الإمارات التي عززت موقعها السياسي والاقتصادي في السنوات الأخيرة على حساب السعودية، وهو ما دفع الرياض لاتخاذ إجراءات من قبيل نقل مقرات مؤسسات إعلامية واقتصادية كبرى إليها، وبالتالي فإن تعزيز العلاقات مع تركيا يمنع تفرد الإمارات بها ويعزز من العلاقات الاقتصادية الإقليمية للمملكة.