مع نيل حكومة مهدي جمعة ثقة المجلس التأسيسي، تسجل تونس تداولا سلميا للسلطة للمرة الخامسة منذ الاطاحة بنظام زين العابدين بن علي.
وكانت الحكومة تعرضت لانتقادات حادة في جلسة صاخبة داخل المجلس قبل نيلها الثقة تركزت على اعتراض على وجود وزراء خدموا في نظام بن علي (وزير العدل حافظ بن صالح ووزير الشؤون الاجتماعية محمد عمار الينباعي) وتحفظ على وزيرة السياحة آمال كربول بسبب زيارتها الى اسرائيل عام 2006، وانتقاد استمرار وزير الداخلية لطفي بن جدو في منصبه، وتحفظ على قرب بعض الوزراء من حركة النهضة. بعض النواب شكك اثناء جلسة منح الثقة بقدرة الحكومة على تحقيق برنامجها، وهم محقون في ذلك، ليس لسبب ضعف الحكومة ولكن بسبب صعوبة المهام التي تنتظرها، سواء بالتحضير لاجراء انتخابات عامة نزيهة، او بتحسين الاوضاع الاقتصادية والمالية المتردية، أو مكافحة الارهاب والفوضى أو فرض الامن والاستقرار، وهي قضايا لن يتم تحقيقها بدون تعاون كافة قوى المجتمع. حكومة جمعة واجراءاتها وممارساتها، ستكون تحت المجهر، والعديد من القوى السياسية تستعد ومنذ اليوم الاول لتراقب عن كثب كيف ستتعامل مع قضايا خلافية مثل مراجعة قانون الموازنة العامة للسنة الجارية، وحل ‘رابطات حماية الثورة’ ومراجعة التعيينات التي اقرتها الحكومتان السابقتان في مؤسسات الدولة، ولن تستطيع الحكومة ارضاء جميع الاطراف بهذه القضايا، لكن القوى السياسية التي نجحت بالتوافق على الدستور الجديد لن تعجز عن التفاهم على هذه القضايا ان صدقت في نواياها.
فنيل الحكومة الثقة جاء غداة تحقيق تونس خطوة مهمة في مسار انجاح ثورتها بالتصويت على الدستور الذي يعتبر اساس خارطة الطريق. وكانت لحظة اقرار الدستور مميزة، حيث تعالت اصوات الزغاريد في مقر المجلس التأسيسي فيما كان البعض يذرف الدموع فرحا ويتبادل التهاني، وتعانق حتى اشد النواب عداوة. جلسة اقرار الدستور ليلة الاحد الاثنين شهدت روح التوافق واصرار جميع الفعاليات السياسية على اجتياز هذه المرحلة الحرجة، لكن جلسات نقاشه التي امتدت على مدى 26 شهرا والتي شارك فيها جميع القوى السياسية، كانت شهدت توترا ونقاشات حادة لا سيما حول الفصول الخاصة بالحقوق والحريات والمسائل الدينية وصلاحيات رئيسي الحكومة والجمهورية وحول السلطة القضائية، لكن المجلس تمكن من تقريب وجهات النظر وتجاوز الخلافات الحادة بين مختلف القوى السياسية والفكرية لا سيما بين الاسلاميين والعلمانيين، وبين الائتلاف الحاكم والمعارضة، لكن التحدي الاساسي سيكون احترام نصوصه والتقيد بها.
التعايش والتوافق اللذان ظهرا في جلسة منح الثقة للحكومة وانعكسا بصياغة واقرار الدستور، كانا واضحين قبل ذلك بالائتلاف الحكومي الذي جمع حزب ‘النهضة الاسلامي’ وحزب ‘المؤتمر’ و’التكتل من اجل العمل والحريات’ العلماني، هذا التوافق بين الاسلاميين والعلمانيين استطاع ان يؤسس لقواسم مشتركة، وتكريس مبدأ مهم بعدم اقصاء اي جهة مهما كانت الخلافات.
التحدي امام تونس ما زال كبيرا لانجاز بقية مراحل خارطة الطريق لتعزيز الديمقراطية وفرض الامن والاستقرار. تجاوز المشاكل السياسية في تونس سينعكس بشكل ايجابي على الاوضاع الاقتصادية، وهو ما سيشجع المؤسسات المالية الدولية على دعم الاقتصاد التونسي الهش الذي يحتاج الى موارد مالية خاصة مع تراجع الصادرات، ونسبة نمو لا تتجاوز 2.8 في المئة خلال السنة المالية الماضية ونسبة تضخم 6 في المئة وبطالة تفوق الـ15 في المئة وتصل لاربعين في المئة في بعض المناطق.