لم تعد شوارع المدن السودانية خالية من مظاهر الثورة، وما زال المتجول في مدينة مثل الخرطوم يلاحظ بشكل دوري تحركات المواكب والمظاهرات المطالبة باستكمال ما تم الاتفاق عليه في الوثيقة الدستورية.
ففي الرابع من آب/اغسطس العام الماضي واستنادا إلى الشرعية الثورية وقع المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، بعد أحداث طويلة عقب سقوط نظام البشير، اتفاقا حول الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية وتضع اللبنات للنظام المدني لحكم السودان مستقبلاً والتي بموجبها تشكل المجلس السيادي ومجلس الوزراء، كما ألغي العمل بدستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005 ودساتير الولايات، على أن تظل القوانين الصادرة بموجبها سارية المفعول ما لم تعدل، فضلاً عن أنها حسمت مسألة طبيعة الدولة التي قالت إنها ديمقراطية برلمانية تعددية لا مركزية .
ونصت الوثيقة الدستورية في السودان على عدد من المهام المطلوب إنجازها خلال الفترة الانتقالية مثل تفكيك نظام الإنقاذ وإزالة التمكين وهو الأمر الذي أنشئت لجنة عليا له وباشرت عملها، بالإضافة إلى حل المشكلة الاقتصادية عبر عقد مؤتمر للخبراء لتحديد نوعية الاقتصاد الذي يضبط هذه الفترة سواء كان اقتصادا حرا أو موجها أو مختلطا. وفي هذا السياق أعلن وزير المالية في أواخر كانون الأول/ديسمبر الماضي عن انعقاد المؤتمر المعني بهذا الأمر في آذار/مارس المقبل. ومن الملفات التي طالبت الوثيقة بتسويتها ويجري العمل فيها قضية المفصولين تعسفياً من المدنيين والعسكريين حيث تم تكوين لجنة لجبر الضرر عنهم وإعادتهم للخدمة وفقاً للقانون.
جرائم فض الاعتصام
ولكن على ما يبدو أن المحك الأساسي والذي يمكن أن يعتبر “الدينامو” المحرك للاحتجاجات التي تشهدها البلاد حتى الآن يتلخص في نقطتين رئيستين الأولى: تحقيق السلام الشامل ومعالجة جذور الحرب، والثانية: التحقيق في جرائم فض الاعتصام ومحاكمة المتورطين. ولعل النقطة الأخيرة بدأ العمل عليها عقب تكوين لجنة تحقيق حددت لها فترة ثلاثة أشهر لتقديم نتائجها لكن ومن خلال المتابعة تواجه هذه اللجنة تحديات حقيقية فقد قال رئيسها المحامي نبيل أديب إنه يتعرض لضغوط لإنجاز العمل بصورة محددة رغم أنه عاد وأكد أنها ليست ضغوطا رسمية وإنما شعبية من قبل ناشطين عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. نبيل أديب، كان قد كشف في وقت سابق لـ”القدس العربي” عن اتجاه لتمديد عمل اللجنة ثلاثة شهور أخرى نظرا لضخامة العمل في الفترة المحددة والتي قاربت على الانتهاء.
ولعل خطورة نتائج لجنة أديب تكمن في أن الشارع السوداني والثوار يجزمون بأن قوات الدعم السريع وبقية القوات النظامية الأخرى هي من قامت بفضهم بأوامر من قادة المجلس العسكري الذي وقف خلف المجزرة، ويقطعون بأن أي نتائج لا تفضي إلى هذه الحقيقة ستكون بمثابة المسرحية التي ستعيد الأوضاع إلى المربع الأول.
تحقيق السلام الشامل
أما قضية السلام الشامل والبدء في معالجة جذور الحرب والتي كانت الوثيقة الدستورية حددت لها الستة أشهر الأولى لإنجازها فتعتبر قضية شائكة جداً رغم أن المفاوضات الجارية الآن حولها في جوبا، عاصمة جنوب السودان، قد حققت خطوات متقدمة إلا أن العملية بشكل كلي من المتوقع أن تواجه تحديات جساما.
وكانت الحكومة قد وقعت مع الحركات المتمردة اتفاقات في عدد من المسارات مثل مسار الوسط ومسار الشمال، والتوصل إلى اتفاق مع الحركة الشعبية جناح مالك عقار. والآن تستمر المباحثات في مسار شرق السودان ومسار دارفور التي توصلت فيها الحكومة مع فصائل متمردة على مثول الرئيس المخلوع عمر البشير، ومن صدرت في حقهم مذكرات اعتقال، أمام المحكمة الجنائية. وأكدت أنها لن تستطيع التوصل إلى اتفاق سلام شامل بدون الاتفاق على مؤسسات تنجز العدالة الانتقالية ومبادئ عدم الإفلات من العقاب. كما أكدت أنها لن تستطيع تحقيق العدالة وإنصاف ضحايا الحرب في دارفور والمناطق الأخرى إلا بمثول من صدرت بحقهم أوامر قبض دولية. ويتوقع أن يناقش مسار دارفور خلال الأيام المقبلة عددا من القضايا المتعلقة بنزاعات الأراضي والحواكير والمشاركة في السلطة والترتيبات الأمنية.
ومن ضمن مسارات السلام هناك مسار تفاوضي آخر تدخله الحكومة مع الحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو التي خيّرت الحكومة بين علمانية الدولة أو تقرير المصير وهذه نقطة خلافية لم يتم تجاوزها بعد. وحول ما يدور من مفاوضات في جوبا لإنجاز السلام الذي نصت عليه الوثيقة الدستورية يقول القيادي السابق في الحزب الشيوعي د. الشفيع خضر إن الذي يجري الآن في جوبا كان من المفترض أن يكون حواراً وليس تفاوضا لأن الذين يجلسون في الطرف الآخر ويفاوضون الحكومة الانتقالية هم جزء من الحراك الذي أنجز الثورة وبالتالي ما عاد الأمر الجلوس إلى طاولة ومناقشة سلطة مركزية والتفاوض معها بقدر ما يجب أن تتحاور حول كيفية بناء السودان وكيفية حل المعضلات التي تسبب الحرب.
وأشار في ندوة نظمت في ضاحية جبرة في الخرطوم مؤخرا إلى أن بداية عملية السلام لم تكن موفقة بقدر ما كانت أقرب لما كان يقوم به النظام البائد “تفاوض وجولات ووساطات” لذلك حصل تأخير في العملية. وأوضح أن السلام يحتاج إلى جهود شعبية وإعادة نظر في المنهج الذي تسير عليه العملية. وقال إنه
كان يتوقع أن يتم الاتفاق على الترتيبات الأمنية والعسكرية ومن ثم يلتئم حوار وطني أو مؤتمر للسلام يشارك فيه الجميع.
استكمال هياكل السلطة
ويعتبر استكمال هياكل السلطة، حسب ما جاء في الوثيقة الدستورية، من التحديات المتبقية والصعبة التي تواجه الحكومة حيث كان أحد مطالب الشارع عندما قام تجمع المهنيين بتسيير موكب الأسبوع الماضي إلى مجلس الوزراء وسلم مذكرة بهذا الخصوص لرئيس الحكومة عبدالله حمدوك. واندلعت خلال الأيام الفائتة تظاهرات في بعض ولايات السودان للمطالبة بإنهاء حكم الولاة العسكريين وتعيين ولاة مدنيين. ونتيجة الضغط العنيف استقال والي نهر النيل ووالي النيل الأبيض. وقد يمضي رئيس الوزراء، خلال الفترة المقبلة، في تعيين ولاة مدنيين خاصة بعد انتهاء أجل المدة المنصوص عليها في إعلان جوبا الذي وقعته الحكومة مع الحركات المتمردة بهدف تعزيز الثقة والتأجيل حتى تنخرط الفصائل المختلفة في المشاركة. ولكن مع عدم إنجاز السلام حتى الآن بات الطريق ممهدا أمام إعلان الولاة المدنيين، مع عقبات بسيطة، في طريقة الاختيار، علماً بأن قوى الحرية والتغيير كانت قد كونت في وقت سابق لجنة خاصة لترشيحات الولاة تخضع بشكل مباشر لرئيس الوزراء. وتشير المتابعات إلى أن اللجنة انتهت من أعمالها وسلمت قائمة الترشيحات النهائية لرئيس الوزراء ليقوم بالاختيار والإعلان.
أما بالنسبة للمجلس التشريعي الانتقالي فإن مسألة تكوينه قد تطول باعتبار أن قوى الحرية والتغيير المنوط بها تقديم منسوبيها هي تحالف واسع يضم قوى مدنية وسياسية قد تتأخر عملية توزيع النسبة بينها واختيار الأعضاء.
عموماً التحديات الماثلة في إنجاز المهام المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية كبيرة فهناك مؤتمر دستوري يجب يبدأ العمل في تنظيمه، وإعادة هيكلة القوات المسلحة وضم القوات الأخرى في جيش واحد.