بغداد-“القدس العربي”: رغم محاولات الحكومة العراقية الإيحاء باستقرار أوضاع البلد، إلا أن التطورات العسكرية والأمنية، تفرض نفسها على المشهد هذه الأيام بشكل ملح.
فضمن مساعي إعادة ترتيب أوضاع العراق والمنطقة في المرحلة المقبلة ودور العراق فيها، سواء في اجتماعات القيادات العسكرية لدول التحالف الثلاثي (إيران والعراق وسوريا) أو في تفجر الاشتباكات بين الجيش العراقي وحزب العمال التركي في سنجار شمال العراق بالتزامن مع استمرار النشاط الإرهابي لبقايا تنظيم “داعش” ومع اقتراب نهاية الجيب الأخير لتنظيم “داعش” في الباغوز في سوريا، بدأت دول التحالف الثلاثي بالإعداد لمرحلة ما بعد “داعش” في سوريا والعراق، ومحاولة إحياء دور النظام السوري في المنطقة، من خلال الاتصالات السياسية والعسكرية وآخرها اجتماع دمشق لرؤساء أركان جيوش التحالف، وما أعقبه من تهديدات القادة العسكريين لقوى المعارضة السورية بالاستسلام والخضوع لشروط النظام أو مواجهة الحسم العسكري، بينما تعهد العراق باستمرار التعاون السياسي والأمني والاقتصادي مع النظام السوري ودعمه لإعادته إلى الجامعة العربية وإعلانه عن قرب فتح الحدود مع سوريا وسط أنباء عن قرب زيارة بشار الأسد لبغداد.
وفي الوقت الذي أعلن رئيس الأركان الإيراني الجنرال محمد باقري، إن الاجتماع بحث “السبل التي يجب اتخاذها لاستعادة الأراضي التي ما زالت خارج نطاق سيطرة الحكومة بما فيها المناطق التي انتشرت فيها قوات أمريكية” فان اجتماع دمشق دعا واشنطن لسحب قواتها المتواجدة في سوريا والتخلي عن المعارضة، ليسهل احتواءها بدون غطاء القوات الأمريكية التي أعلن الرئيس الأمريكي عن قرب انسحابها ثم تراجع لاحقا، في موقف قد يؤشر لاحتمال وقوع مواجهة واسعة إذا حاول النظام السوري وإيران شن حملة عسكرية للقضاء على المعارضة السورية.
وفي خضم المشهد المعقد تحاول حكومة عادل عبد المهدي مسك العصا من الوسط في الصراع الإيراني الأمريكي. فرغم مشاركة العراق في اجتماع رؤساء أركان إيران وسوريا والعراق الذي طالب بسحب القوات الأمريكية من سوريا إضافة إلى مساعي القوى الشيعية العراقية إخراج القوات الأمريكية من العراق، إلا ان الاتصالات مستمرة بين المسؤولين العراقيين والأمريكان سواء عبر الاتصالات الهاتفية أو الزيارات المستمرة للوفود الأمريكية إلى بغداد وأربيل التي تعلن استمرار تقديم الدعم لبغداد، ما يؤشر على حرص الحكومتين على التواصل وعدم قطع شعرة معاوية لتحقيق فوائد للطرفين، وهو ما عكسه قرار واشنطن بتمديد استثناء العراق من الالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران لمدة ثلاث أشهر أخرى، مع تأكيد أمريكي على العراق لتوفير بدائل عن الغاز والكهرباء الإيراني بأسرع وقت ممكن لتشجيع قيام “عراق متحرر من النفوذ الإيراني” حسب وزارة الخارجية الأمريكية. والموقف الأمريكي دفع تحالف الفتح بزعامة هادي العامري للتعبير عن قلقه من احتمال زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى بغداد، واعتبرها ردا على الاجتماع العسكري الثلاثي في دمشق، ومحاولة لاستخدام الأراضي العراقية لاستهداف إيران، خاصة بعد تصريحات بومبيو بأنه سيركز في زيارته الشرق أوسطية على “الخطر الذي تمثله إيران وميليشياتها في المنطقة”.
وفي تطور عسكري آخر مثير للاهتمام، وصل رئيس الأركان العراقي عثمان الغانمي وقائد عمليات نينوى إلى منطقة سنجار المتوترة غرب الموصل وقرب الحدود السورية، عقب وقوع اشتباكات بين الجيش العراقي وعناصر من حزب العمال الكردي التركي خلال الأيام الماضية.
وأعلن الغانمي انه “وجه بإرسال قوات لتعزيز الأمن في القضاء وحصر السلاح بيد قوات الجيش والضرب بيد من حديد لكل من يسيء للمواطنين وقواتنا الأمنية”.
وتجددت الاشتباكات بين الجيش العراقي ووحدات حماية سنجار المدعومة من حزب العمال التركي المعارض، التي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى وحرق عجلات من الطرفين، بسبب محاولات الحزب المذكور عبور الحدود لدعم عناصره الموجودة في سوريا المجاورة.
ولم يكن مستغربا تزامن تلك الاشتباكات مع إطلاق تركيا عملية عسكرية ضد حزب العمال الكردي المعارض على الشريط الحدودي بين البلدين، ضمن محاولات تركية متواصلة لمنع قيام جيب لذلك الحزب في هذه المنطقة اسوة بمنطقتهم في جبال قنديل شمال العراق.
ورغم المطالبة المحلية والأمريكية المتكررة، بخروج قوات حزب العمال من سنجار لكونها “قوة غير شرعية” إلا أن الحزب يرفض الانسحاب من منطقة سنجار الاستراتيجية القريبة من سوريا، التي تمت استعادتها من أيدي تنظيم “داعش” في عام 2015 من خلال حملة دعمتها الولايات المتحدة، إلا أن المنطقة لا تزال تعيش أجواء التوتر نتيجة تنازع عدة جهات للسيطرة عليها منها حكومة بغداد والحشد الشعبي وحكومة أربيل وحزب العمال التركي.
ومن جانب آخر وضمن استعراض إيران قدرتها على التأثير في أوضاع العراق، اعترف قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد علي جعفري أن طهران أشرفت على تشكيل الحشد الشعبي في العراق بالإضافة إلى قوة مماثلة له في سوريا، مقرا بان “إيران أرسلت بعض القوات إلى العراق لغرض نقل خبراتها إلى قوات الحشد الشعبي والمساهمة في إعدادها وتنظيمها ليصل قوامها إلى أكثر من مئة ألف مقاتل” معتبرا ذلك نصرا لقوى “جبهة المقاومة”.
ومرة أخرى عززت تصريحات جعفري، مخاوف العراقيين ودول المنطقة من وجود تشكيلات عسكرية مقربة من إيران في العراق وسوريا، تتمتع بنفوذ وقدرة على الضغط على حكومتيهما وتجعل استقلالية القرار السياسي فيهما محل شك بالتأكيد.