د. كمال الهلباوي رغم إنشغال مصر الكبير بقضاياها الداخلية إلى الرقبة كما يقولون في مصر، ومن ذلك تشكيل الحكومة الجديدة، إلا أن ذلك لم يحل دون إستقبال المجاهد إسماعيل هنية رئيس وزراء فلسطين، الذي أبطلت القوى الفاشية الاستعمارية إختياره ديموقراطياً رئيساً لوزراء فلسطين منذ عدة سنوات. جاء هنية إلى مصر هذه المرة، معززاً مكرماً مع الوفد المرافق للتهنئة ومناقشة بعض القضايا الحيوية، وهذا هو الأمر الطبيعي بين العرب وبين الجيران وبين الدول الإسلامية في عصر التكتلات. جاء معززاً مكرماً بعد أن كان أبو الغيط في عهد النظام الفاسد، يقول سنكسر رجل كل فلسطيني يدخل إلى سيناء. وكان النظام السابق الفاسد يقيم الحواجز والسدود بين بلاد الأمة العربية وخصوصاً إرضاء للصهيونية وأمريكا وإسرائيل.
وفي ضوء مايحدث في سوريا من إستمرار مسلسل تدمير الدولة والمجتمع على يد النظام البعثي الفاشي ومن يعاونه ويسانده أياً كان، وإرتكاب النظام بغباء ودون إتعاظ أو إستيعاب للدروس السابقة، وخصوصاً جهالة مقاومة الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن.
وبعد فترة الهدوء التي سادت مصر عقب الاختلاف الكبير في المجتمع والاستقطاب، نتيجة وفاة الجنرال عمر سليمان نائب الرئيس السابق ورئيس المخابرات العامة في مصر على مدى عقدين من الزمان تقريباً، وما دار حول وفاته من شكوك لم ولن تنتهي على المدى القريب حتى إن أمريكا لن تفصح عن معلومات دقيقة بشأن رحيل عمر سليمان أو حقيقة الوفاة حتى يكون لها مصلحة في ذلك.
وبعد الاختلاف الواسع حول الموقف من الإحتفال الستيني لثورة يوليو وما صدر من فتاوى وتصريحات مما يدل على ضعف الإنصاف وغياب الدقة حيث إنقسم المجتمع المصري وخصوصاً بين النخبة في القضيتين، قضية رحيل عمر سليمان والاحتفال السنوي بثورة يوليو، أوضح الخلاف أن هناك في المجتمع من ينظر إلى المسؤولين نظرة ملائكة أو شياطين، أبيض وأسود، مما يدل على ضعف روح الإنصاف والتقويم الموضوعي فلم يكن الرئيس ناصر ولا عمر سليمان ملائكة ولم يكونوا شياطين، ولهم إيجابيات وسلبيات قد يطغى أحدهما على الآخر حسب الظروف والضغوط والتقديرات، ولكنه لا ينفيه ولا يلغيه. وعلى المصريين أن يدركوا ذلك حتى تكون النظرة موضوعية وصحيحة.
ليس هناك رئيس يريد أن يفشل أبداً، ولكن النية أو الرغبة وحدها لا تكفي للنجاح، بل ينبغي مع النية العمل، والعمل يجب أن يكون صحيحاً ووفق خطط سليمة كذلك. هذا على وجه العموم، أما في الإسلام، فينبغي أن تكون النية لله تعالى والعمل صحيحاً أو صوابا وحسب الشريعة، ومن ذلك إتباع السنة النبوية المطهرة، وهذا له وجه آخر’وقل إعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون’. أما في ميدان السياسة ومنها الحكم أو إدارة البلاد والعباد، فإن بعض الأساليب ومنها الديكتاتورية والمحسوبية والفساد والضغوط قد تدخل على النية فتفسدها، وتدخل على العمل فتخربه وتدمره. ولا ينبغي أن ننسى الحروب الخفية التي تكون أكثر وبالاً من الحروب الظاهرة، ومن هذه الحروب الضغوط والتدخلات الخارجية التي تفرض أو تؤدي إلى- سوء إختيار المسؤولين أو وضع القوى البشرية في غير مواضعها، وخصوصاً تنصيب الجهلاء أو غير المتخصصين أو غير الأقوياء على المهنة والوظيفة أو غير الأمناء أو العارفين والعالمين بالأمراض وطرق العلاج والدواء اللازم، فتظل البلاد في وضع محلك سر أو تنحدر تدريجياً حتى تصل إلى الحضيض كلاً أو جزءاً، كما شاهدنا خلال آخر سنوات حكم مبارك على سبيل المثال.
سألني كثير من الاعلاميين عن إختيار د.
هشام قنديل وزير الموارد المائية والري في حكومة الجنزوري رئيساً للوزراء في رئاسة مرسي، وتكليفه بتشكيل الحكومة في أقرب وقت ممكن. وقد يتم ذلك أي إتمام تشكيل الحكومة، قبل نشر هذا المقال أو معه أو بعده بقليل. ولا شك أن هذا الإختيار تم بعد دراسات ومشاورات في جهات كثيرة، كونت قناعة لدى الرئيس لكي يفي بأحد تعهداته مع الشعب في إختيار شخصية وطنية مستقلة لرئاسة الوزراء. جاء هذا الإختيار على عكس توقعات الكثيرين، وخصوصاً أن د.
هشام قنديل ليس له تاريخ سياسي كبير معروف، ولم يكن شخصية حزبية ولا ثورية معروفة كذلك، ولم يكن بين المصريين الدارسين بالخارج ممن كان بالمعارضة أو ممن كان لهم نشاط ملموس بين مؤسسات المصريين في أمريكا سواء المؤسسات الاسلامية أو الوطنية. ومن الواضح أن إختيار رئيس الوزراء الجديد جاء على اعتبارات وخلفيات منها، أنه صاحب علم وخبرة فنية في مجالات البحث والدراسة وميادين المياه على المستوى الوطني والاقليمي فضلاً عن معيار تعليمه العالي ودراسته بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد إكتسب رئيس الوزراء الجديد بعض الخبرات في ميادين العمل الوزاري منذ عُيّن وزيراً في حكومة عصام شرف. ونستطيع ان نقول في ضوء كلمة رئيس الوزراء بعد تكليفه بالوزارة أن الاتجاه يكمن في حكومة من التكنوقراطيين على أساس الكفاءة في إختيار الوزراء، وهذا من أهم عناصر النجاح. أما عنصر التوازنات أو بعض التوازنات الذي أشار إليه رئيس الوزراء، فهو كالملح في الطعام إن زاد أفسده. وإختيار رئيس الوزراء الجديد فيه شئ من هذه التوازنات، حيث منحه النظام السابق وسام الجمهورية من الدرجة الثانية عام 1995 لكفاءته في البحوث والدراسات وإسهامه الفني. وكذلك إختياره وزيراً في وزارة عصام شرف يوليو2012، وإعادة إختياره وزيراً في حكومة الجنزوري ثم إختياره رئيساً للوزراء من قبل الرئيس مرسي في يوليو2012، كل هذا مما قد يدل على قدرته على العمل في جميع الظروف ومع جميع الأطراف. هذا كله جميل ولكن رسالة الخارجية الأمريكية- فيكتوريا نولاند- إلى مصر بعد إختيار رئيس الوزراء تدل على متابعة لصيقة بما يحدث في مصر وهذا دأبها ودأب أمريكا وجريها وراء مصلحتها، ولكن التحدي الكبير أمام الحكومة والادارة في مصر بما في ذلك الرئيس والمجلس العسكري أن نسعى إلى الاستقلال التام عن الأطراف الخارجية جميعاً وخصوصاً الهيمنة الأمريكية مع التعاون دون تدخل في شؤون مصر قيد أنملة.
تبدو رسالة امريكا إلى الحكومة الجديدة كنصيحة الأخ الأكبر، عندما تدعو إلى العمل مع جميع الأطراف من خلال الحوار، وسرعة صياغة الدستور، وإنتخاب البرلمان، ولكنها لا تخلو من الاشارة إلى ضرورة العمل بشكل وثيق مع المجتمع المدني، الذي يحاكم بعض مؤسساته حتى الآن في قضية التمويل الأجنبي المعروفة، والتي أفلت منها الأمريكان المتهمون وتم تسفيرهم دون مساءلة أحد وفي غموض تام حتى اليوم، رغم أن التاريخ لن يهمل هذه الواقعة ولا غيرها من الوقائع المهمة وقد يكون ذلك من التوازنات أيضاً التي أشار إليها د.
قنديل. كما أن إشارة نولاند فيكتوريا إلى ضرورة تمثيل الأغلبية والأقلية، وحماية حقوق وحريات المصريين جميعاً، يرفع أمام الرئيس مرسي وحكومته قضية مهمة وتحدياً كبيراً، يتمثل في القضاء على روح الاستقطاب في الوطن كله. كلمات حق من نولاند قد يراد بها باطل ومصلحة خارجية بل وتدخل خفي في ثوب أملس في شؤوننا الداخلية، وهذا هو الخط الأحمر الحقيقي.
أمام الرئيس والحكومة الجديدة والجيش والمجتمع المدني تحديات كبيرة وكثيرة ومنها ما جاء ذكره في تعهدات الرئيس قبل الانتخابات، ومنها ما جاء في برنامج حزب الحرية والعدالة، ولكن هناك تحديات تواجه مصر ورد ذكرها في برامج الأحزاب والقوى السياسية الأخرى غير الاسلاميين، وعلاج كل هذه التحديات يقع على عاتق المسؤولين جميعاً وفق ترتيب يوضح الأولويات في ضوء تسلسل تلك التحديات، ومنها إستقرار الوطن بعد الانفلات الأمني الذي شهدته البلاد منذ الثورة حتى اليوم، ومنها التحدي الاقتصادي وإستعادة هيبة مصر داخلياً واقليمياً ودولياً. الرؤية مهمة جداً وفهم التحديات وتصنيفها كذلك أما البرنامج التغييري والاصلاحي فهو الأهم على الاطلاق، ونتمنى للجميع النجاح وللوطن السلامة. والله الموفق’ مستشار مركز دراسة الحضارات في لندن