تحدي اليسار

حجم الخط
0

يواجه اليسار في اسرائيل مع انهيار محاولة تجديد محادثات السلام على إثر الاتفاق بين م.ت.ف وحماس، خيار غير سهل، فاما الاستمرار على اتهام حكومة نتنياهو بفشل المحادثات والايمان بأنه يمكن التوصل الآن الى اتفاق نهائي، وإما ادراك أنه يجب التفكير من جديد بعد اتفاقات اوسلو بعشرين سنة.
لا شك في أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ساعد في عدم نجاح مهمة وزير الخارجية الامريكي جون كيري، وأنه يوجد وزراء في حكومته يحتفلون بالفشل ويبتهجون على رؤوس الأشهاد قائلين ‘قلنا لكم’. وقد يكون نتنياهو نفسه غير آسف كثيرا، لأنه لا حاجة به الآن الى قرارات صعبة ولأن سلامة حكومته مضمونة. لكن تحليلا عادلا لنصف السنة الاخير يشهد على أن الفروق بين المواقف الاسرائيلية الأشد اعتدالا ومواقف الفصيل الفلسطيني الأشد اعتدالا، عميقة جدا: فليست حكومات الليكود وحدها بل حكومات برئاسة حزب العمل ايضا لم تستطع جعل اتفاقات اوسلو أساسا لمصالحة تاريخية بين الحركتين القوميتين.
يجب على اليسار أن يفهم هذا الآن، فانه حتى لو نشأت في الغد في اسرائيل حكومة برئاسة حزب العمل سيصعب أن نرى كيف تستطيع أن تجد صيغة يوافق عليها الطرفان تحل الاختلافات العميقة في شأن الحدود، ومصير 300 ألف اسرائيلي يعيشون في الضفة، ومكانة القدس، وقضية اللاجئين، والترتيبات التي ستمنح اسرائيل الأمن دون جعل سيادة الدولة الفلسطينية مهينة.
كنا نشاهد هذا الفيلم منذ عشرين سنة ويجدر أن نتعلم منه أن انتقاد نتنياهو والليكود ونفتالي بينيت مهما يكن عادلا لن يُقرب السلام المأمول قيد أنملة. ولن يأتي اليسار ايضا بالفوز في الانتخابات. يجب عليه الآن بدل ذلك دون أن يتخلى عن حلم حل الدولتين للشعبين أن يعرض خطة بديلة لتخفيف الصراع وضبطه. ويجب أن تتم هذه الخطة بتخلٍ مسبق عن القدرة على حله الآن حلا شاملا.
إنني باعتباري أيدت منذ 1970 مفاوضة م.ت.ف حتى في الفترة التي كان فيها حزب العمل يعترض على ذلك، يصعب علي أن أعترف بأنه برغم أن اتفاقات اوسلو كانت علامة طريق تاريخية، لم تثمر الثمرات المرجوة. ونبع سبب الفشل من فرض أن الطرفين سيكونان مستعدين لا لتنازلات عن اراض فقط (انحصر التفاوض فيها طول السنين في نهاية الامر) بل التنازل ايضا عن عدد من المبادىء الايديولوجية التي يستخدمانها هما ومن لف لفهما. وكما أثبتت تجربة قبرص والبوسنة وكوسوفو وكشمير يصعب على قادة ساسة حتى لو كانوا ممتلئين بالارادة الخيرة أن يتخلوا عما تؤمن به حركاتهم القومية، ويصعب عليهم أكثر أن يقنعوا شعوبهم بالموافقة على هذه التنازلات. لكن عدم القدرة على التوصل الى تنازلات على الصعيد الايديولوجي والاخلاقي لا يعني بالضرورة أنه لا يمكن انفاذ سلسلة تنازلات براغماتية تستطيع أن تخفض اللهب وأن تكون أساسا لتغييرات مواقف مبدئية في المستقبل.
هذا هو دور اليسار الآن، أعني ألا يتمسك بصورة قهرية بالرؤيا النبيلة الصحيحة اخلاقيا لكنها مثالية لاتفاق سلام دائم هنا والآن. فـ ‘سلام الآن’ شعار حسن لكنه مقطوع عن الواقع الاسرائيلي والفلسطيني كما أثبتت العشرون سنة الاخيرة، وكلما استمر اليسار في التمسك به تمسكا ما على مر السنين تضاءلت قوته الانتخابية. يستطيع التمسك بهذا التصور، بل يستطيع أن يشعر شعورا طيبا بضميره، لكنه سيستمر على التضاؤل بذلك ويترك الميدان لليمين الذي سيثبت مكانته أكثر بصفته رافع راية الصهيونية وحده تاركا الصهيونية الليبرالية التاريخية على جانب الطريق. واذا استمر اليسار على اعتقاد أن دوره يتلخص فقط في انتقاد حكومة اسرائيل مهما يكن هذا الانتقاد صادقا فسترى أجزاء كبيرة من الجمهور ذلك تأييدا للموقف الفلسطيني وسيحكم على نفسه بسنوات كثيرة اخرى في المعارضة.
حان الوقت لمبادرة سياسية جديدة لليسار، مبادرة لا تأخذ في حسابها فقط الشيء المراد بل الشيء الممكن ايضا. ويجب على اليسار اذا انعدم احتمال اتفاق مع الفلسطينيين أن يطلب أن تحاول اسرائيل أن تبادر من طرف واحد أو باتفاقات جزئية على الارض الى عدد من الاجراءات فيها ما يُقرب امكان الحل الدائم. وسيكون بعض هذه الاجراءات صعبا على اسرائيل (كوقف البناء في المستوطنات)، وسيكون بعضها صعبا على الفلسطينيين (ليس ما يدعو في الوضع الحالي الى ألا تكون الحدود مع الضفة مغلقة كالحدود مع القطاع). ويستطيع اليسار بهذه الطريقة فقط أن يعود ليصبح ذا صلة بالخطاب السياسي في دولة اسرائيل. ويمكن بذلك فقط الافضاء الى إحداث شروط بصورة بطيئة وتدريجية تُسهل التفاوض في اتفاق دائم في المستقبل وتحسين مكانة اسرائيل الدولية بصفتها دولة تطمح الى المسالمة والمصالحة برغم الصعاب.
بهذا سيُمتحن اليسار لا بترديد شعار العودة الى التفاوض الذي لم يأت منذ عشرين سنة بالثمار المأمولة. الواقعية لا الصدّيقية هذا ما يحتاج اليه اليسار في هذا الوقت. وهو تحدٍ جدي يوجب تبرؤاً من مواضعات وشعارات تمنح شعورا اخلاقيا طيبا لكنها غير قادرة على تغيير الواقع.

هآرتس 29/4/2014

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية