الناصرة- “القدس العربي”:
غداة زيارة وزير خارجية الولايات المتحدة مايك بومبيو لإسرائيل في زيارة خاطفة، طرحت حكومتها الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو خطوطها العامة كحكومة طوارئ دون ذكر مخطط ضم مناطق في الضفة الغربية المحتلة، والذي قالت واشنطن إن موقفها منه لم يتغير.
وبالتزامن، تواصل أوساط إسرائيلية التحذير من مخطط الضم الذي سبق وأعلنت حكومة الاحتلال المنتهية ولايتها، أنها ستطرحه على الأجندة في مطلع يوليو/ تموز القادم.
وقبيل مغادرته البلاد، اعتبر بومبيو في حديث للإذاعة الإسرائيلية، أن حكومة الاحتلال ستحسم توقيت وآليات تنفيذ خطة ضم المستوطنات وفرض السيادة على مناطق في الضفة الغربية، وبنفس الوقت شددّ على تحفظ وقلق بلاده من تعاون بين الصين وبين إسرائيل، وطالب الأخيرة بوقف استثمارات الأولى في البلاد، لافتا إلى أن بلاده ترفض هيمنة الصين على مشاريع البنى التحتية في إسرائيل، وكشف أن الولايات المتحدة أرسلت رسالة لإيران دعتها فيها إلى الانسحاب من سوريا.
وتزامنا مع بدء تنصيب حكومة نتنياهو الخامسة، واصلت جهات إسرائيلية غير رسمية التحذير من التبعات الأمنية والسياسية لتطبيق مخطط الضم في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وينص أحد بنود الاتفاق الائتلافي الموقع في يوم 20 نيسان/ أبريل الماضي على دفع وتحقيق المسعى الإسرائيلي بشأن ضم منطقة غور الأردن وأجزاء واسعة من الضفة الغربية ووضعها تحت السيادة الإسرائيلية نهائيا.
ولم يكن تحديد هذا الموعد صدفة، وإنما هو يقصد إتاحة المجال “لإنجاز الضم” قبل الانتخابات الأمريكية للرئاسة، والمقررة قبيل نهاية العام الجاري خشية خسارة الرئيس دونالد ترامب لصالح منافسه الديمقراطي جو بايدن، الذي يعارض الضم.
لكن الخطوط العامة للحكومة الجديدة لا تتطرق لموضوع الضم، وربما يكون هذا مرتبطا بتحفظات أمريكية من إخراج هذا البند في “صفقة القرن” لحيز التنفيذ بعد شهرين وبمحاولات واشنطن رش ماء بارد عبر مسألة الضم وفق تسريبات إسرائيلية أكدتها القناة الإسرائيلية 13 اليوم.
ومع ذلك تعالت في إسرائيل أصوات تتساءل عن دوافع هذه الخطوة وتشكك فيها وفي دوافعها وتحذر من خطورتها وإسقاطاتها وعواقبها، كما تتساءل عن الردود المحتملة عليها في دول العالم، أو ما يسمى بالمجتمع الدولي، خاصة في الدول الأوروبية، كلٌ على حدة، وفي الاتحاد الأوروبي كهيئة جامعة. هذا ناهيك عما يمكن أن يصدر من ردود فعل على الصعيدين العربي والفلسطيني: هل سيبادر الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على إسرائيل مثلما فعل ضد روسيا عقب ضمها شبه جزيرة القرم في عام 2014؟ بعض هذه العقوبات، يمكن أن يكون، بالاحتمال، تجميد أو إلغاء جزء من الاتفاقيات الثنائية، وقف التعاون المشترك في المجالات العلمية والتكنولوجية المختلفة، إلغاء الأفضلية الممنوحة للبضائع والمنتجات الإسرائيلية، مقاطعة جميع البضائع والمنتجات التي يجري إنتاجها وتصنيعها في المستوطنات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية المحتلة.
وهناك من يخشى أنها ربما تصل حدّ إعادة بعض الدول سفرائها في إسرائيل مقابل الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ومن هذه الأوساط معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب الذي حذر من تطبيق فكرة الضم، منبها لاحتمالات تسببها بفوضى أمنية وضرب العلاقات الهامة مع الأردن بصفته صاحب الحد الأطول في الجبهة الشرقية، ويحافظ على تعاون أمني حيوي مع دولة الاحتلال.
كذلك معهد “مِتافيم” (مسارات)، “المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية”، الذي أصدر تقارير تشير في صلبها إلى أنه “ليس من الواضح الآن ماذا كيف ستكون ردات الفعل هذه، لكن الواضح تماماً أن خطوة الضم الإسرائيلية ستلقى الكثير من الاستنكار والتنديد، إلى جانب اجتماعات عاجلة يعقدها مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية، وربما تصدر أيضاً بعض التهديدات”. ثم تخلص إلى التأكيد رغم أن خطوة حكومة نتنياهو ـ غانتس هذه ستكون تصريحية فقط، دون ترجمة عملية تتجسد في تغييرات على أرض الواقع، إلا أنها ستأتي بنتائج سلبية عينية على إسرائيل.
كما يحذر إفرايم هليفي، رئيس الموساد الأسبق وسفير إسرائيل لدى الاتحاد الأوروبي في الماضي، من اتخاذ “خطوات، أياً كانت، من شأنها إثارة غضب الأوروبيين”. موضحاً أن “العلاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي ليست محصورة في المجال السياسي فقط، وإنما تتعداه إلى مجالات أخرى عديدة، منها الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي”.
وتساءل في حديث لإذاعة جيش الاحتلال: “بالنظر إلى وضع إسرائيل الاقتصادي في الفترة الراهنة، إذ تقف على عتبة أزمتها الاقتصادية الأعمق والأخطر منذ إنشائها، فما الحكمة في إثارة غضب الأوروبيين الآن؟”. مرجحا أن “الأضرار الاقتصادية التي ستتكبدها إسرائيل، حتى لو لم يسارع الأوروبيون إلى إلغاء هذه الاتفاقيات الثنائية معها، بل وقفها مؤقتا فقط، ستكون أكبر وأعمق بكثير مما يمكن تخيله أو توقعه اليوم.
كما يتساءل هليفي: “مع أكثر من مليون عاطل عن العمل في إسرائيل اليوم، بتأثير أزمة كورونا، لماذا يخاطر قادة إسرائيل بتعميق التوترات وتصعيدها مع الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأكثر أهمية بالنسبة لإسرائيل؟”.
ويقول نمرود غورِن، رئيس معهد “متافيم” إن ردود الفعل تختلف من دولة إلى أخرى، لكن من غير الممكن في هذه المرحلة توقع الإسقاطات العينية والتفصيلية لقرار الضم “لأن نوع الضم الذي يختاره نتنياهو في نهاية الأمر سيؤثر على درجة خطورة ردات الفعل ويحددها.
وبرأيه في كل الأحوال، سيكون رد الفعل الفلسطيني الميداني، سواء كان عنيفاً أم لا، هو العامل الحاسم. وسبق أن أكدت دول عديدة أن الضم من جانب واحد يشكل انتهاكاً للقانون الدولي، وهو ما يستنتج منه غورن أن الخطوات التي ستتخذ رداً على الضم، في حال حصوله، لن تكون على صعيد ثنائي، بين كل دولة على حدة وإسرائيل فقط، وإنما ستكون على الصعيد القانوني الدولي أيضاً. لكنه يرى أنه على إسرائيل أن تتوقع ردات فعل سلبية جداً من بعض الدول الأوروبية، وخصوصاً فرنسا وألمانيا.
ويسند غورن في تقييمه هذا على التأكيدات الأمريكية المتكررة في الفترة الأخيرة، وعلى ألسن العديد من مسؤولي الإدارة الأمريكية الكبار، وفي مقدمتهم الرئيس دونالد ترامب، بشأن الدعم الأمريكي لخطوة الضم الإسرائيلية المتوقعة “طالما أن الضم يجري في إطار صفقة القرن”.
ومقابل ذلك، تفيد تسريبات إسرائيلية أن الولايات المتحدة باتت أقل حماسة حيال تطبيق مخطط الضم خارج “صفقة القرن” وربما على خلفية الردود القاسية المحتملة في العالم والانتخابات الأمريكية التي يخشى ترامب المساس بحظوظه فيها نتيجة حالة فوضى محتملة للإقدام على الضم رغم رغبته بإرضاء وإشباع رغبات المتجددين في بلاده، جمهور هدفه الأول.
وهناك معلقون في إسرائيل لا يستبعدون أن نتنياهو نفسه لن يسارع لتطبيق الضم رغم تصريحاته؛ بسبب خوفه من انفلات الأوضاع وفقدان السيطرة في الضفة الغربية المحتلة، منوهين إلى أن هذه المخاوف هي التي دفعته لعدم إخلاء الخان الأحمر شرقي القدس المحتلة.
يشار إلى أنه عقب نشر تفاصيل الاتفاق الائتلافي بين الليكود و”أزرق أبيض”، حذر مسؤولون رسميون من مختلف أنحاء العالم من مغبة تنفيذ عملية الضم، كما نص عليها اتفاق نتنياهو وغانتس لتشكيل حكومتهما المشتركة: “إمكانية طرح هذه المسألة للبحث في المجلس الوزاري المصغر وفي الحكومة، ثم في الحكومة والكنيست لإقرارها، ابتداء من مطلع تموز القادم؛ على أن الضم وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وغور الأردن ينفَّذان “بموافقة الولايات وبالحوار الدولي، فقط”.
وقد جاء هذا النص بناء على طلب غانتس و”أزرق أبيض” لتجنب حدوث أزمة سياسية حادة في العلاقات مع الأردن، قد تصل في نظرهم إلى حدّ إلغاء اتفاقية السلام بين البلدين في حال إصرار نتنياهو على تطبيق الضم على غور الأردن أيضاً، كما أعلن وتعهد مرات عديدة.
وقال المفوض الأعلى للشؤون الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، إن بروكسل “ستتابع الوضع عن كثب وسترصد إسقاطاته ثم ستتصرف بما يتلاءم معها”.
وفي فرنسا، حذر مسؤول حكومي رفيع من أن “الضم لن يمر دون ردة فعل ولن نتغاضى عنه بسبب علاقاتنا مع إسرائيل”، بينما قال مسؤول كبير في الحكومة الألمانية إنه “ستكون للضم انعكاسات جدية وسلبية على مكانة إسرائيل في العالم”. كما صدرت تصريحات مماثلة عن دول أوروبية أخرى، من بينها روسيا، بلجيكا، إسبانيا، إيرلندا، إيطاليا والنرويج.
وقال يغئال بلمور، الناطق السابق باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية والمسؤول الكبير في “الوكالة اليهودية” اليوم، إن “التجاهل الإسرائيلي للتحذيرات والتوبيخات الصادرة من دول عديدة في العالم هو تصرف غير حكيم ولا يعبر عن استقرار واتزان في السياسة الإسرائيلية، حتى لو كانت هذه التهديدات غير دقيقة وغير جدية تماما”.
إسرائيليا، اعتبر البروفيسور إيلي بودِيه، أستاذ الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في الجامعة العبرية، أنه “لا يمكن لقيادة مسؤولة أن لا ترى سوى الفرص من دون الأخذ في الحسبان المخاطر المحدقة نتيجة تحقيق الفرصة”، ثم يوضح أنه “بالإمكان تسجيل سبعة مخاطر، على الأقل تتهدد إسرائيل في الساحة الدولية والإقليمية إن هي قررت تنفيذ الضم.
وفي مقال نشرته “هآرتس” ساق بوديه هذه المخاطر، وأولها مرتبط بموقف الاتحاد الأوروبي ـ الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، وثانيها رد السلطة الفلسطينية، الثالث رد “حماس” في قطاع غزة و”حزب الله” في لبنان بدعم ومساعدة إيرانية ـ قد يختاران تصعيد الأوضاع على الحدود، الجنوبية والشمالية، بل والدفع نحو حرب جديدة. أما التهديد الرابع فيرتبط بردود الدول العربية بحزم وبطرق مختلفة، وسبق أن نشرت جامعة الدول العربية بيانا رسميا في نهاية الشهر الماضي تحذر فيه من أي ضم للمناطق الفلسطينية المحتلة منذ 1967 تعتبره “جريمة حرب جديدة”.
والتهديد الخامس يكمن بالتعاون القائم من وراء الكواليس بين إسرائيل والدول الخليجية والمرشح أن يتضرر بسبب الضم. والتهديد السادس حسب بوديه إذا ما خسر ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فقد يطرأ تدهور جدي على العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. والتهديد السابع هو بمثابة القضاء التام والنهائي على خيار حل الدولتين، وهو ما سيبقي فكرة الدولة الواحدة باعتبارها الخيار الأبرز والوحيد.
ويرى أن فكرة الدولة الواحدة تعني نهاية المشروع الصهيوني بشأن الدولة اليهودية الديمقراطية. وبعد تبيان المخاطر السبعة، يقول الكاتب إنه “في ضوء هذه الاعتبارات مجتمعة، يبدو الضم قرارا متسرعا وخاطئا وعلى زعماء إسرائيل أن يسألوا أنفسهم ما إذا كانت هذه الخطوة تستحق هذه المخاطرة الجسيمة. أما في الجواب، في نظري، فهو: لا كبيرة وأكيدة “.