يتهم سياسيون مفوضية الانتخابات بارتكاب مخالفات أبرزها حرمان ملايين العراقيين في الخارج من المشاركة من دون سند قانوني، وعدم قيامها بتحديث كل بطاقات الناخبين، ومجاملة أحزاب السلطة.
بغداد-»القدس العربي»: جهود متسارعة يبذلها المجتمع الدولي لإصلاح الأوضاع في العراق، عبر انقاذ العملية الانتخابية فيه من محاولات التزوير والتلاعب التي بدأت معالمها تلوح بقوة ووضوح من القوى المهيمنة على العملية السياسية والإدارة الفاسدة والفاشلة للبلاد.
وادراكا من الأمم المتحدة لمخاطر وتداعيات عزوف الشعب عن المشاركة في الانتخابات المقررة بعد نحو شهر من الآن، وللحد من تحكم أحزاب السلطة، بنتائجها وتكرار التزوير الذي وقع في انتخابات 2018 فقد وجهت جنين بلاسخارت، مبعوثة الأمين العام للأمم المتحدة إلى العراق، تحذيرات من مقاطعة الانتخابات البرلمانية العراقية المبكرة، ومن محاولات تزوير نتائجها والتلاعب بإرادة الشعب.
وقالت بلاسخارت خلال مؤتمر صحافي في بغداد، إن «الأمم المتحدة تدعم إجراء انتخابات ذات مصداقية عالية، وأن المجتمع الدولي سيقوم بمحاسبة المزورين» مشددة: «لن نسمح بتكرار سيناريو 2018» في إشارة إلى الانتخابات السابقة التي شهدت تزويرا واسعا من أحزاب السلطة ومقاطعة شعبية واسعة وأسفرت عن احتجاجات وتظاهرات غاضبة وسقوط ضحايا.
وحذرت مبعوثة الأمين العام للأمم المتحدة العراقيين من «مقاطعة الانتخابات البرلمانية المبكرة، المقرر إجراؤها في الشهر المقبل» لأنها «ستبقي الأوضاع الحالية كما هي بدون تغيير» حسب قولها. فيما أشارت إلى اتخاذ العديد من الإجراءات لمنع التزوير أبرزها وجود مراقبين دوليين.
ولم يكن الاتحاد الأوروبي بعيدا عن الانتخابات، حيث وصل إلى العراق، نائب رئيسة المفوضية الأوروبية ومسؤول السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد جوزيب بوريل، الذي أجرى لقاءات مع المسؤولين في بغداد وأربيل لبحث الاستعدادات لانجاح الانتخابات، ومشاركة المراقبين الدوليين في متابعتها، إضافة إلى تقديم الخبرات والدعم المالي للعملية الانتخابية.
ومن جانبها كشفت المفوضية العليا للانتخابات في العراق، إن «76 منظمة ودولة عربية وأجنبية ستشارك في مراقبة الانتخابات البرلمانية» وأن 100 مراقب وصلوا بالفعل من دول الاتحاد الأوروبي، والتقوا مع المفوضية للإطلاع على سير التحضيرات للانتخابات. أما بخصوص مراقبي الأمم المتحدة، فقد ذكرت المفوضية إن 130 مراقباً دولياً سيتولون مراقبة عملية الاقتراع في جميع محافظات البلاد.
ورغم إعلان مفوضية الانتخابات، الاستقلالية وعدم السماح بالتزوير والتلاعب، إلا ان سياسيين اتهموها بارتكاب مخالفات أبرزها حرمان ملايين العراقيين في الخارج من المشاركة في الانتخابات من دون سند أو مبرر قانوني، وعدم قيامها بتحديث كل بطاقات الناخبين، مع اتهامات للمفوضية بمجاملة أحزاب السلطة.
ويرى العراقيون ان الرقابة الدولية على الانتخابات، قد تساهم ولو جزئيا في تقليل التزوير والتلاعب الذي اعتادت عليه أحزاب السلطة، إلا انهم يعولون في هذا الصدد على المراقبة المحلية عبر الأحزاب والمرشحين المشاركين في الانتخابات والمعارضة ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالأمر.
وكان إجراء الانتخابات العراقية المبكرة باشراف دولي، أبرز مطالب التظاهرات الغاضبة التي عمت مدن العراق منذ تشرين الأول/اكتوبر 2019 مطالبة بالإصلاح وتغيير رموز العملية السياسية الفاشلة، والتي سقط خلالها أكثر من 700 شهيد ونحو 25 ألف جريح.
ويعكس الاهتمام الدولي بالانتخابات العراقية، مخاوف جدية من نتائج فشل الانتخابات المقبلة في حالة عزوف الشعب عن المشاركة فيها، بسبب وجود مؤشرات تكرار استخدام أحزاب السلطة، مختلف الوسائل والسبل ومنها التزوير واستخدام المال السياسي بشكل واسع جدا إضافة إلى اللجوء للتهديد بالفصائل المسلحة التي تعجز الحكومة عن لجمها، وبالتالي فالخوف وارد من ان تؤدي نتائج الانتخابات المعاكسة لإرادة الشعب، إلى انهيار الأوضاع وانتشار النزاعات المسلحة بين القوى السياسية المتصارعة وربما عودة التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش إلى العراق والمنطقة.
وفي المقابل تقوم الحكومة باستعدادات وإجراءات لإقناع الشعب والمجتمع الدولي، بجهودها لتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات شفافة، حيث أكد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الوصول إلى «الجاهزية التامة» لإقامة الانتخابات النيابية في موعدها. وشدّد الكاظمي خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، «أن الحكومة أوفت بالتزاماتها، وأنهت جميع متطلبات العملية الانتخابية الفنية والأمنية» داعياً القوى السياسية والإعلام والفعاليات الاجتماعية إلى الدفع باتجاه حثّ المواطنين على المشاركة الواسعة في الانتخابات.
ومن أجل حث نشطاء التظاهرات على المشاركة في الانتخابات، استقبل الكاظمي، جرحى الاحتجاجات في البلاد، مقرا «خرجتم من أجل مطالب واقعية، من أجل حياة كريمة، لكن للأسف تعرضتم لاعتداءات بسبب ابتعاد الحكام عن الإحساس بالمسؤولية تجاه بلدهم وشعبهم» داعيا المتظاهرين والناشطين إلى عدم الاستسلام للضغوط. وكانت معظم قوى تشرين هددت بعدم المشاركة في الانتخابات بسبب استخدام أحزاب السلطة المال السياسي والسلاح المنفلت والتزوير فيها.
والحقيقة ان موقف بعثة الأمم المتحدة «يونامي» من الانتخابات السابقة، كان محط انتقاد العراقيين الذين اتهموها بمجاملة الأحزاب الفاسدة ومنح الغطاء الشرعي لنتائج الانتخابات رغم وجود الكثير من الثغرات والمخالفات والتزوير، إضافة إلى تدني نسبة المشاركة الشعبية فيها، والتي بلغت في انتخابات 2018 أقل من 20 في المئة. ولذا يتفق المراقبون على ان إعلان «يونامي» نيتها حماية الانتخابات من التزوير وتهديد المزورين من الأحزاب السياسية، رغم انها رسالة دولية لا يجوز إهمالها من أحزاب السلطة في العراق، إلا انها تبقى محاولة سياسية وإعلامية أكثر من كونها ذات تأثير رادع حقيقي لتلك الأحزاب، التي اعتادت توجيه نتائج الانتخابات بما يخدم مصالحها عبر استخدام مختلف أدوات التزوير لحرف إرادة الشعب، مع إدراكها بعدم قدرة المجتمع الدولي على ردعها، لكونها تستقوي بأذرعها المسلحة وهيمنتها على أجهزة الدولة والدعم الإقليمي، وبالتالي فإن الإجراءات الحكومية والدولية، تبدو محدودة التأثير حتى الآن، عن ضبط العملية الانتخابية أو إعادة جسور الثقة المهدمة بين العراقيين والعملية السياسية والانتخابية التي أثبتت فشلها.