تحذيرات من السقوط في “الوحل الأفغاني”.. حسابات تركيا السياسية والعسكرية المعقّدة للبقاء في كابول 

إسماعيل جمال
حجم الخط
7

إسطنبول- “القدس العربي”:  فتح طرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على قادة حلف شمال الأطلسي (ناتو) بقاء القوات التركية لحماية مطار كابول الدولي، الباب واسعاً أمام المداولات السياسية الساخنة بين أنقرة وواشنطن ودول هامة بالناتو، وأعاد الزخم بشكل هو الأكبر في السنوات الأخيرة لدور تركيا وأهميتها داخل أطر الحلف والحديث عن استعادة الثقة بين الحلفاء، والدور الفاعل لأنقرة بعد اتهامها بالابتعاد عن مبادئ الحلف بسبب تقاربها الكبير مع روسيا في السنوات الأخيرة.

لكن هذا الطرح فتح الباب بشكل أوسع أمام النقاشات الداخلية في تركيا، حيث بدأت الأوساط المختلفة بإعداد تقديرات وإجراء حسابات لاحتمال تولي تركيا مهمة حماية مطار كابول، وما قد يترتب على ذلك من تبعات سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية وتشابكات سياسية وعسكرية معقدة على الصعيدين الإقليمي والدولي، وسط حذر كبير دفع الكثيرين في تركيا للتحذير من “السقوط في الوحل الأفغاني”.

من شأن البقاء في مطار كابول أن يساعد تركيا في فرض نفسها كلاعب أساسي ومنافس للقوى العالمية التي ترى نفسها أحق وأجدر لملء الفراغ الذي ستتركه قوات الناتو عقب انسحابها من أفغانستان

دور إقليمي ودولي  

على الصعيد الإيجابي، يُجمع كثيرون على أن العرض التركي بخلافة الناتو وتولي مهمة حماية مطار كابول عقب انسحاب قوات الحلف من أفغانستان، خطوةٌ من شأنها تعزيز مكانة تركيا داخل الحلف، وتعيد الزخم إلى حضور تركيا، وتؤسس لمرحلة جديدة من إعادة بناء الثقة بين أنقرة والكثير من العواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن، التي أبدت اهتماماً كبيراً بالعرض التركي، كما من شأن هذه الخطوة في حال نجاحها أن تعزز موقع أنقرة داخل أطر الحلف.

من جانب آخر، يعتبر نجاح تركيا في هذه المهمة ولعب دور كبير في بناء مستقبل أفغانستان بمثابة فتح ساحة جديدة لمناطق النفوذ التركي المتعاظم خارجياً في السنوات الأخيرة، على غرار ما جرى في سوريا والعراق وليبيا وأذربيجان، وهو ما يعطي زخماً جديداً للمعادلة التي يعمل الرئيس التركي على تحقيقها والتي تستند إلى دفع العالم للتسليم بحقيقة أن تركيا باتت “أكبر من مجرد دولة إقليمية”.

ومن شأن هذه الخطوة أن تساعد تركيا في فرض نفسها كلاعب أساسي ومنافس للقوى العالمية التي ترى نفسها أحق وأجدر لملء الفراغ الذي ستتركه قوات الناتو عقب انسحابها، وبالتالي تحولها إلى ورقة مهمة في المباحثات والمقايضات مع الدول الكبرى لا سيما روسيا والصين اللتين يعتقد أنهما أبرز الراغبين في سد فراغ الناتو، وهي فرصة مهمة على الصعيد الدولي على الرغم مما تحمله من مخاطر المواجهة مع الكبار في ظل مسارعة روسيا للتعبير عن رفضها لبقاء القوات التركية في أفغانستان.

معضلة مشاركة باكستان  

على الرغم من مناقشة قمة زعماء الناتو التي عقدت الاثنين الماضي الطرح التركي، والحديث عقب القمة على الاتفاق على إبقاء حماية لمطار كابول، إلا أن معالم اتفاق نهائي لم تظهر بعد باستثناء الحديث عن توافق أولي جرى بين أردوغان والرئيس الأمريكي جو بايدن في اللقاء الذي جمعهما على هامش القمة، واستمرار المباحثات التفصيلية بين الجانبين، والتي كان آخرها اتصال هاتفي بين وزيري دفاع البلدين جرى السبت وركّز على بحث الملف الأفغاني.

وفي أكثر من تصريح، شدد كبار المسؤولين الأتراك على ضرورة الاتفاق حول الكثير من الجوانب مع واشنطن وقيادة الناتو بشكل عام، وخاصة حول ما يتعلق بحجم الدعم الذي ستقدمه الولايات المتحدة وقيادة الحلف إلى تركيا بما في ذلك الدعم السياسي والمالي والعسكري.

وبينما طرح أردوغان احتمال مشاركة باكستان والمجر في مهمة حماية مطار كابول إلى جانب تركيا، لم يصدر أي موقف من الحلف بعد، لكن محللين يجمعون على أن الطرح التركي مقبول ومنطقي فيما يتعلق بالمجر كونها عضو بالناتو وتنتمي للمعسكر الغربي بوضوح.

لكن فيما يتعلق بباكستان، وعلى الرغم من كون الطرح التركي “منطقيا” من جانب أن باكستان دولة إسلامية ومقبولة إلى حد ما كما تركيا في الداخل الأفغاني ولديها خبرة وقرب سياسي وجغرافي وثقل عسكري، إلا أن قبول الناتو لهذا العرض يبدو -شبه مستحيل- بسبب التقارب الباكستاني الكبير والاستراتيجي منذ عام 2008 مع الصين التي يعتبرها الناتو أكثر دولة مهتمة بدخول أفغانستان لتحقيق مشاريعها الاستراتيجية المتعلقة بطرق النقل (طريق الحرير) التي استثمرت فيها بقوة في باكستان وتسعى لإتمامها مروراً بالأراضي الأفغانية.

الوحل الأفغاني  

طرح بقاء القوات التركية في أفغانستان، فتح الباب أمام الكثير من الأسئلة التي لم تحصل على إجابات بعد، وجرى طرحها بقوة من قبل خبراء ومختصين والأهم، من قبل خبراء عسكريين وقادة سابقين في الجيش التركي. وتركزت الأسئلة حول طبيعة المهمة التي ستقوم بها تركيا، وطبيعة الدعم الذي ستحصل عليه من الناتو، وما إن كانت هذه المهمة ستتحول إلى مهمة قتالية وصدام عسكري مع حركة طالبان أو جماعات مسلحة أخرى، وهي أسئلة تنبع في مجملها من الخشية في التورط بـ”الوحل الأفغاني”.

تشير الكثير من المقالات والتحليلات وحتى الكتابات على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن الرأي العام في تركيا يضغط باتجاه أن يتجنب الجيش التركي الخوض في أعمال قتالية بأفغانستان

وتتمحور التساؤلات الأساسية حول طبيعة المهمة، حيث اقتصرت مهمة الجيش التركي طوال عقدين في إطار الناتو بأفغانستان على أعمال الحماية والخدمات الإنسانية وتدريب القوات الأفغانية، حيث نجحت تركيا في تثبيت مبدأ أن قواتها لم ولن تشارك في أي أعمال قتالية على الإطلاق، ولن تدخل في أي صدام مع أي من شرائح الشعب الأفغاني والحفاظ على الروابط التاريخية والدينية والاجتماعية التي تربط الشعبين منذ أكثر من 100 عام.

لكن المهمة المقبلة تبدو أنها تحمل مخاطر المواجهة العسكرية، فمن شأن انسحاب قوات الناتو وترك القوات الأفغانية بدون غطاء جوي تواجه مصيرها أمام حركة طالبان التي ما زالت تواصل تقدمها العسكري وتسيطر على محافظات جديدة حتى الأيام الماضية، يعني أن تتحول القوات التركية إلى هدف لهجمات طالبان التي قد تطال العاصمة كابول ومطارها، وهو ما يضع القوات التركية أمام استحقاق المواجهة العسكرية أو الانسحاب المفاجئ الذي يعتبر بمثابة هزيمة وفشل وقتها.

وفي هذا الإطار، تسعى تركيا للحصول على ضمانات من الناتو بطبيعة الدعم الذي سيقدم لها في مهمتها، لا سيما فيما يتعلق بالدعم العسكري والغطاء الجوي والإسناد السريع والمشاركة الفاعلة في حال تدهور الأوضاع وتعرض جنودها لخطر الهجمات إذا تصاعدت. وجميعها أسئلة كبيرة وصعبة لم تحصل أنقرة على إجابات قطعية حولها بعد. كما أن هذه الاحتمالات تضع أمام تركيا احتمال أن يتحول تعريف طبيعة عمل قواتها هناك إلى قوات حماية وقتال بالحد الأدنى، وهو ما دفع المعارضة التركية للتلميح للحكومة مبكراً بأن عليها أن تحصل على تفويض جديد من البرلمان لطبيعة المهمة الجديدة في أفغانستان.

وتشير الكثير من المقالات والتحليلات وحتى الكتابات على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن الرأي العام في تركيا يضغط باتجاه أن يتجنب الجيش التركي الخوض في أعمال قتالية بأفغانستان، والميل إلى مهمة سلمية كما كان عليه الأمر طوال العقدين الماضيين أو الانسحاب، مع التأكيد على مبدأ أهمية الحفاظ على العلاقات التاريخية والسياسية والاجتماعية مع كافة مكونات الشعب الأفغاني وتجنب أي صدام مع أي مكون.

معضلة التنسيق مع طالبان  

يبدو أن السيناريو الوحيد الذي قد يضمن تقليل مخاطر الصدام وتنفيذ مهمة سلمية في مطار كابول هو توصل تركيا إلى اتفاق مع حركة طالبان تقبل بموجبه الأخيرة المهمة التركية. لكنّ الحركة التي تتحدث من موقع “المنتصر” أكدت في أول تعقيب لها على الطرح التركي بأنها لن تقبل ببقاء أي قوات أجنبية، وأن على تركيا أن تنسحب إلى جانب قوات الناتو بموجب اتفاق الدوحة، ولمّحت إلى “مقاومة” أي قوات أجنبية تبقى في أفغانستان.

طالبان أكدت في أول تعقيب لها على الطرح التركي بأنها لن تقبل ببقاء أي قوات أجنبية، وأن على تركيا أن تنسحب إلى جانب قوات الناتو بموجب اتفاق الدوحة

وعلى الرغم من العلاقات “غير الصدامية” بين تركيا وطالبان والتي تجلت أخيراً بتنسيق أنقرة لاستضافة جلسات الحوار بين الحركة والحكومة الأفغانية في مؤشر على قبول الأولى، إلا أن الحركة التي تصر على التفاوض بالسلاح، ومن منطلق القوة رفضت حتى الآن عقد جلسة الحوار فعلياً في أحدث مؤشر على أنها حركة متمردة لا يمكن لأي طرف احتواؤها بسهولة، وهو ما يفرض مزيدا من التحديات على تركيا.

وفي تحد آخر يُظهر حجم التعقيد في هذه القضية، أعلنت طالبان أنها مصرة على إقامة حكومة “تطبق الشريعة الإسلامية” وهو ما يعني أن تركيا التي وإن نجحت في التوافق مع طالبان على بقائها ودعم الحكومة في الفترة المقبلة، ستكون أمام خطر التعامل مع حكومة متهمة بـ”التشدد والراديكالية” وهو ما يتنافى مع أسس الجمهورية التركية “العلمانية”.

هذا المشهد المعقد يحتاج الكثير من التفكيك على الصعيدين الداخلي والخارجي، إلا أن أردوغان الذي قدّم العرض محاولاً من خلاله “صيد أكثر من عصفور بحجر واحد” والذي اعتاد على الجمع بين المتناقضات، ربما يكون بمقدوره أيضاً هذه المرة إيجاد حلول مبتكرة لإنجاح هذه المهمة وتحقيق مكاسب بعيداً عن خطر الصدام العسكري وشبح “الوحل الأفغاني” وإن كان ذلك حتى الآن صعبا من الناحية النظرية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية