تحذير (آخر) من الإرهاب

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي

(1) في الأسبوع الماضي أصدرت الحكومة البريطانية تحذيراً لرعاياها من زيارة الخرطوم بسبب ما وصف بأنه تهديد إرهابي ماثل. ومثل هذه الإنذارات أصبحت تصدر بكثرة من الدول الغربية، غالباً بعد وصول معلومات مخابراتية غير محددة عن وجود مخططات إرهابية. وغالباً ما لا يعقب هذه الإنذارات حدوث شيء، حتي أصبحت مثل صرخة الصبي: النمر! النمر! في الحكاية المعروفة.(2)أنا بدوري أصدر بهذه المناسبة تحذيراً من خطر إرهابي غير وشيك، يتعدي حدود أي بلد واحد، وتكون له تداعيات قد تفوق التهديدات السابقة. ولا بد أن أنوه هنا بأن سجلي في صدقية التنبؤات بالأخطار القادمة أفضل بكثير من سجل وزارة الأمن الوطني الأمريكية وغيرها من الجهات الرسمية.(3)في عام 1985 كتبت أول إنذار في هذا الخصوص تعليقاً علي تنبؤات أمريكية شبه رسمية تقول بأن المد الإسلامي الذي ارتفع مع الثورة الإسلامية في إيران قد بدأ في الانحسار. وقد كان تعليقي الذي نشر في مجلة آرابيا في لندن أن الذي سيبدأ في الانحسار هو المد الإسلامي المعتدل الذي يؤيد التقارب مع الغرب. ولكن هذا الانحسار سيقابله تزايد في التوجهات الإسلامية المتشددة المعادية للغرب. وختمت تلك النبوءة بالقول بأن الوقت قد فات بالنسبة للحكومات الغربية لاتخاذ أي إجراءات لتجنب الخطر، سوي ربط الأحزمة استعداداً للموجة العاتية التي ستضرب السفينة.(4)بالنسبة لكثير من المراقبين وقتها بدا هذا التوقع عصياً علي التصديق. فقد كانت تلك الفترة هي ربيع التعاون بين الحكومات الغربية والحركات والحكومات الإسلامية السنية، سواء في أفغانستان حيث كان بن لادن وصحبه يخطون خطواتهم الجهادية الأولي كتفاً بكتف مع الحركات المدعومة من قبل السي آي أي، أو في باكستان ضياء الحق وسودان النميري وسعودية الملك فهد. وقد كان لهذه الأطراف أعداء مشتركون بدءاً من الاتحاد السوفييتي الملحد، مروراً بإيران الشيعية، وانتهاءً بالحركات الراديكالية الثورية مثل منظمة التحرير الفلسطينية. ولكن كان هنا ما يكفي أيضاً للقارئ المتمعن ليدرك هشاشة هذه التحالفات.(5)كان من الواضح وقتها أن الحركات المعتدلة أو المتحالفة مع حكومات تخدم الأجندة الغربية قد أخذت تفقد مصداقيتها أمام الشعوب، خاصة في ظل الانحياز الغربي المتزايد للعدوانية التوسعية الإسرائيلية. وقد تعمق هذا الاتجاه بعد دخول بعض التيارات السلفية في تحالف مكشوف مع الأجندة الأمريكية ـ الإسرائيلية في المنطقة أثناء الحرب العراقية الإيرانية تحت ستار الحرب ضد الخطر الشيعي القادم من إيران.(6)في أعقاب غزو الكويت والقرار الانتهازي الأمريكي باتخاذ الأزمة ذريعة لتعزيز الوجود الأجنبي في الخليج بدعوي تأمين منابع النفط، وما تلا ذلك من حصار لا إنساني ضد العراق، كان هناك سبب إضافي لإصدار تحذيرات من الحصار الإرهابي الذي كان يقتل آلاف الأطفال كل شهر في ظل عجز وتواطؤ رسمي عربي، وفي تزامن مع القصف ضد الأبرياء في لبنان وغزة وغيرها سيؤدي بالضرورة إلي قيام جماعات تري أن من حقها التصرف كما تشاء لرد هذا العدوان المكشوف. والطريف أن عدداً من المسؤولين الغربيين الكبار اعتبروا تأخر ردة الفعل العنيفة تكذيباً لهذه التحذيرات المبالغ فيها. والأطرف أن خلفاء هؤلاء المسؤولين كانوا أول من استغرب الهجمات حينما وقعت وتساءل من أين أتت؟ وما هو مبررها؟(7)مناط تحذيرنا الحالي هو ما يجري في غزة من حصار للأبرياء يكرر بصورة مطابقة ما شهدناه في عراق التسعينات، وعلي مرأي ومسمع من العالم، وبمبررات أقل، حيث أن سكان غزة العزل لا يشكلون تهديداً لأي أمن دولي كما كان يزعم حول أسلحة الدمار الشامل العراقية الأسطورية. وتتضاعف لا أخلاقية هذا السلوك كون أهل غزة هم أصلاً ضحايا عدوان واقتلاع هجر أكثرهم من ديارهم. وما يجري في غزة من معاقبة ثانية للضحايا هو أشبه بالقبض علي الناجين من معسكرات الاعتقال النازية ومطالبتهم بتعويضات لمعذبيهم النازيين الذين يعانون من أضرار نفسية بسبب اضطرارهم لتعذيب المعتقلين!!(8)هنا أيضاً نري تواطؤاً غاية في الوقاحة من جهات عربية وفلسطينية فــي هــذا الحـــصار كما كان الشأن في العــراق الـــذي لم ينجح الحصار ضده إلا لأن جيرانه، وكلهم مسلمون ومعظمهم عرب، ساهموا في ذلك. (9)نكون أغبياء إذا لم نرجح أن هذا الحصار المتلفز سيدفع العديد من الشباب إلي الخروج من طورهم، والتصدي لما يرونه عدواناً أجنبياً سافراً غير مبرر، وعجز رسمي هو للتواطؤ أقرب. وما حدث في السودان من قيام مجموعة (اكتشفت بمحض الصدفة) من الشباب (هم حسب المعلومات الأولية من الشباب الجامعي ومن أسر ميسورة الحال) كانت تخطط لأعمال عنف تستهدف الأجانب، لن يكون سوي قطرة في بحر من الطوفان القادم إذا لم يسارع أهل الشأن بالتصدي لجذور المسألة. وقد أعذر من أنذر، خاصة حين يكون هذا هو الإنذار السادس أو السابع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية