خط مباشر يربط بين كل الأحداث التي تهز إسرائيل في الأسبوع الأخير: التصعيد المتزايد في الضفة، وفي مركزه حملة “مخيمات صيفية” في “السامرة”؛ والمواجهة المتواصلة في الساحة الشمالية، التي سجلت ذروة في إحباط هجمة ثأر لدى حزب الله؛ والمعركة “الاعتيادية” في غزة التي تجري على خلفية التمسك الإسرائيلي بمحور فيلادلفيا، وفي مركزه قتل ستة مخطوفين على أيدي حماس في منطقة رفح.
تنعكس من عموم هذه الأحداث صورة دولة بدون استراتيجية تحركها قوة منطق جمع إنجازات عسكرية، وبدون شرح كيف يمكن تراكمها لتحسين الوضع العام الآخذ في التدهور. هذه الصيغة معروفة لحروب استنزاف يرفرف فوقها إعلام رئيس الوزراء النابع في معظمه من اعتبارات سياسية، وبموجبه سيتحقق أخيراً “النصر المطلق” لكن الأمر يتطلب وقتاً، وأساساً المزيد من التضحية من جانب الجمهور.
في الضفة دفعت إسرائيل قدمها لأكبر الحملات منذ “السور الواقي” في 2002. ومن خلف التباهي “المبرر” بالمس بمحافل الإرهاب، ثمة واقع بشع: تهديدات متزايدة، وضفة “جنينية” مع “معقل إرهاب وفوضى” تنتقل إلى بؤر أخرى، في ظل ضعف السلطة وتعزز حماس التي تسعى لفتح جبهة مواجهة أخرى بالتوازي مع غزة. إن الخروج إلى حملة جديدة بقوة وعلى نطاق أوسع من النطاق الحالي، هو مسألة وقت. استيقاظ منطقة الخليل التي قتل فيها أول أمس ثلاثة من أفراد الشرطة وخرجت منها عملية التفجير في “غوش عصيون”، والمعروفة كمعقل حماس، ها هي تلمح ببؤرة المواجهة التالية.
التحدي الذي في الضفة لا يقتصر على الأمن الجاري، بل هو تحد استراتيجي بعيد المدى. فبرعاية “جز العشب” الأمني، يجري الدفع قدماً بتغيير عميق للواقع في المنطقة، مدفوع من الوزير سموتريتش. فقد وصف السلطة قبل 7 أكتوبر بالعدو، وحماس بالذخر، ويعلن بأن تطلعه هو انهيار الحكم في رام الله. وكما يشهد هو عن نفسه، نشأت فرصة تغيير دي.ان.ايه الضفة (بتأييد من رئيس الوزراء) في ظل الحرب، وهو ما يتم ضمن أمور أخرى من خلال السيطرة على مراكز في الإدارة المدنية، ما يسمح بتوسيع الاستيطان. على حد قوله، حتى لو سقطت الحكومة، فهو واقع لا مرد له، ولن يكون ممكناً تحقيق شيء باستثناء “خطة الحسم” التي وضعها في 2017 وغايتها – دمج الضفة بإسرائيل.
لغياب استراتيجية في غزة تداعيات مأساوية. تبرز إسرائيل نجاحات عسكرية واسعة، وفي مركزها تصفية كبار رجالات حماس وضرب البنى التحتية للمنظمة، لكن بدون شرح كيف تؤدي كل هذه إلى تقويض حكمها لتحرير المخطوفين. ومرة أخرى، الحساب يفشل بدلاً من أن يكشف الواقع أو في يستهدف حلاً. من خلف الضربات التي تتلقاها حماس حقيقة بشعة، وبموجبها لا تزال هي الجهة السائدة في غزة، ومواقفها لا تلين إزاء الصفقة. بخلاف الصورة السائدة في إسرائيل حول منظمة أساس قوتها عسكري، فالحديث يدور عن كيان أيديولوجي ذي سيطرة جماهيرية عميقة. والمطلوب لتقويضها احتلال كل غزة والبقاء فيها، وهو سيناريو لا تريده إسرائيل أو تعجز عن تحقيقه الآن.
الاستنزاف في ساحة لبنان يجبي ثمناً استراتيجياً محملاً بالمصيبة. هذه معركة يتمسك فيها الطرفان بمعادلات خطيرة تتمثل بعدم الوصول إلى تصعيد، وهو وضع في تناقض تام مع اصطلاح الحسم. برعاية تلك المعركة – وتلك في غزة والضفة – يتعاظم نفوذ إيران الإقليمي، وهي تقترب من مكانة دولة حافة نووية. ومن خلال إشعال وتغذية ساحات الاستنزاف المختلفة، تضمن طهران أن تواصل إسرائيل الإنهاك في مواجهات قريبة ولا تركز على التهديد الوجودي الحقيقي عليها.
إن الحرب المتواصلة منذ 11 شهراً أدت إلى تغييرات جغرافية وديمغرافية بين البحر والنهر. وشطبت في غزة معظم الحدود، والسكان الفلسطينيون في المنطقة باتوا الآن أقل بنحو 8 في المئة مما كانوا في 7 أكتوبر (أساساً بسبب هروب السكان)؛ وهجرت بلدات ونزح جموع المواطنين من بيوتهم في الغلاف وحدود الشمال. وفي الضفة، كما أسلفنا، يتسع البناء وحجم السكان اليهود بقوة هدف أيديولوجي لجهة في الائتلاف ليست الحزب الحاكم، والتي مشكوك بأن أحداثها تحظى بتأييد أغلبية الشعب.
في نهاية الحرب الحالية – التي لا تبدو في الأفق – قد تجد إسرائيل نفسها في واقع استراتيجي صعب: في ظل تهديد إيراني متعاظم، وفيما هي قريبة أكثر من أي وقت مضى من وضع دولة واحدة، أي بدون فاصل مادي بين شعبين بلغ العداء بينهما ذروة تاريخية عقب المواجهة الحالية. في مثل هذا الوضع، بات الوصل إلى استراتيجية مرتبة للمدى البعيد ضرورة وجودية. ولن تتحقق خطوة كهذه إلا من خلال تحطيم تكرار معارك الاستنزاف في عموم الجبهات، وبخاصة في غزة والشمال.
الاستنزاف ليس مرحلة في الطريق إلى النصر المطلق، الذي يبتعد عن متناول اليد. وبديل الغرق في معارك ساحقة وضارة وعديمة النهاية المحددة هو صفقة رغم أثمانها الأليمة. الصفقة ستسمح بتحرير المخطوفين والتفرغ لترميم وطني متعدد الأبعاد، بما في ذلك إنعاش القيادات في عموم المستويات التي فشلت في 7 أكتوبر، ومحظور أن تواصل تصميم الواقع والمستقبل.
ميخائيل ميلشتاين
يديعوت أحرونوت 3/9/2024