تحذير الأحرار من مخاطر الطائفية

حجم الخط
0

الرؤساء المتقاعدون في البلدان الاوروبية وامريكا وزعماء الاحزاب ورؤساء المراكز الاستراتيجية والفلاسفة والسياسيون التاريخيون لهم شأن خاص ورأي مسموع، بغض النظر عن هوية النظام الحاكم اذا ما كان يساريا او يمينيا، محافظا او ليبراليا، اشتراكيا او جمهوريا او ملكيا، فكل هؤلاء يستشارون في الامور الاساسية للامة ويؤخذ برأيهم في اوقات المحن وايام الازمات التي تمر بها تلك البلدان. على العموم فان الرموز الوطنية في أي بلد تكون صمام الامان لوحدة البلد وخزينته الفكرية الرصينة، التي لا تنضب، خصوصا وقت المحن.
هذه الشخصيات ترى ما لا يراه الاخرون، سواء بتحليلاتها او برؤيتها المستقبلية لكل مرحلة مفصلية لمسار الاحدات التاريخية وما ستؤول اليه الامور. هنا في العراق ما احوجنا الى ان نسمع رأي الحكماء من السياسيين والزعماء الوطنيين ونستشيرهم، خصوصا في هذه الظروف التي اختلط فيه الحابل بالنابل حيث التكتلات السياسية التي لا ترى الحق الا وفق منظارها، وباتت مصالحها السلطوية الانانية الفئوية المذهبية من الاولويات. بعد ان تراجع عمليا الاهتمام بمصلحة المواطن العادي ووحدة اراضي الوطن، بات الهم الاساسي لكل كيان مصالحه الذاتية واضحى ‘كل حزب بما لديهم فرحون’.
لكن من حيث المبدأ فان حاجة قادة السلطة التنفيذية لسماع النصيحة اكثر اهمية من غيرهم لان بيدهم مفاتيح التغيير، ومن خلال تطبيق مناهجهم يمكن نشر العدالة او الظلم بين ابناء الشعب، لذلك حري بهم البحث عن الحقيقة. من البديهي ان المستشارين الذين تدفع لهم رواتب، وفي ظل ثقافة غير ديمقراطية سوف لن يصدقوا النصيحة ويخافون من مصارحة اولئك القادة بالحقائق. أما المعارضة السياسية في العراق فلم تتبلور رؤاها بعد، ومع الاسف نراها لا تنتفض الا لمصالحها الذاتية.
وهي لا تأبه بالمصالح العليا للوطن، وشغلها الشاغل كيفية الاستحواذ على السلطة ولا تحرك ساكنا لايقاف مسلسل الدمار والدماء والقتل والارهاب منذ اكثر من احد عشر عاما. لقد باتت مفاهيم اساسية لبناء اية دولة في الحفاظ على هويتها ووحدة اراضيها مجال شك وريبة. اما حقوق المواطن فان الدفاع عن حماية مقدساته الاربعة، الدين والنفس والعرض والمال، فوضعها السياسيون الجدد في اواخر اهتماماتهم. لقد اضحى خداع المواطنين والتلاعب بمشاعرهم الدينية والطائفية والمناطقية والعشائرية والحزبية، القاسم المشترك لهؤلاء واولئك.
وسط هذه الظلمات وضياع المبادئ والاهتمام بالفرعيات على حساب الاساسيات، اطل علينا عبدالاله النصراوي الامين العام للحركة الاشتراكية العربية في العراق على احدى الفضائيات ليضع النقاط على الحروف، لكنه هذه المرة، نظرا لخطورة الاوضاع الحالية، كان اكثر صراحة ووضوحا. اعتقد أن حديثه كان جرس انذار يقرع مسامع السياسيين وصناع القرار في العراق على الخصوص. لانه يعتقد بأن الطريق الذي يسيرون عليه ضيع هوية العراق، ويُخشى اليوم ان يبدأ العد التنازلي للتفريط بوحدة اراضيه. لقد تمكن قبل غيره ان يضع اصبعه على الجرح النازف الذي يشخصه ويراه بوضوح. ويتذكر السياسيون العراقيين أن عبدالاله النصراوي رفض مبدأ المكونات منذ طرحه عام 1991 وحذر السياسيين من تبني المحاصصة الطائفية عام 2003 ويعيد الكرة الان وفي هذه الظروف العصيبة من الاستمرار على هذا الطريق الشائك.. هناك الكثير من المخلصين والوطنيين كانوا مع تحليلاته التي بناها من الواقع المزري الذي يعيشه العراق منذ الاحتلال حتى هذه اللحظة. ان المثقفين والاحرار يرون معه ان العراق يسير باتجاه الهاوية ان استمرت العملية السياسية بهذا النهج وهذا الاتجاه. فلا يخفى على احد أن المواطنة تراجعت في مواطن كثيرة وتشتت اكثر من أي وقت مضى، فالهويات الفرعية تتقدم على الهوية الوطنية.. وبدأنا نسمع بمرور الايام الشيخ الفلاني والسيد العلاني والقبيلة والعشيرة والمشيخة والسيادة فهولاء يساندون هذا واولئك يقفون مع ذاك. اما الحديث عن السنة والشيعة والعرب والاكراد والتركمان والمسلمين والمسيحيين فانه يزداد تجذرا حتى وصل التمزق والتشظي والتمزق الطائفي ضمن المذهب الواحد، فهولاء يقلدون هذا العالم ويرون بان كتلتهم السياسية خير من غيرها، وأولئك يسيرون على نهج ذاك المرجع ويعتبرون انفسهم القادة المسددين والفريق الاخر يتبع هذا الامام او ذاك في سياسته وهكذا. أما من الجانب الاخر فنرى بان هناك سياسة خاصة لاتباع الصوفية او السلفية او الاخونجية او النقشبندية الخ. انها متاهات لا نهاية لها اعادتنا الى تاريخ ما قبل الدول الوطنية الحديثة.
صحيح ان حكومة الاغلبية السياسية او الشراكة الوطنية يعمل بهما في الدول الديمقراطية، فالاغلبية السياسية تعني ان الحزب الفائز او الكتلة الفائزة تؤلف مع كتل سياسية اخرى متوافقة على برنامج سياسي محدد حكومة اغلبية، أما حكومة الشراكة الوطنية او الوحدة الوطنية فيمكن العمل بها بصورة مؤقتة بين الاحزاب السياسية عندما تكون الدولة في حالة حرب، او في ظل ظروف عصيبة او ازمات سياسية خانقة. لكنه من الصحيح ايضا أن حكومة الاغلبية او الشراكة لا يمكن ولا تستطيع احزاب طائفية تكوينها على الاطلاق، لانها احزاب مكونات وطوائف تتحالف مع غيرها من احزاب المكونات والطوائف الاخرى ضمن محاصصات مقيتة مناقضة للعدالة والكفاءة والمتخصصين والفنيين. فالحديث اليوم في العراق عن حكومة اغلبية او شراكة وطنية كطاحونة تدور وتخرج اصواتا تصك الاذان بضجيجها لكنها بلا طحين. اذا اردنا ان نسمي الاسماء بمسمياتها الحقيقية فمن الواضح والجلي ان الحكومة القادمة المراد تشكيلها، وان اختلف التسميات، ستكون حكومة محاصصة طائفية عرقية لا تمت للديمقراطية بأي صلة. وعلى السياسيين الان الاعتراف بالخطأ الجسيم الذي ادخل العراق في طريق شائك ستكون نهايته مأساوية، بعد ان قبلوا مشاركة احزاب طائفية لتسيير العملية السياسية. علما بان الجميع يدرك ان النتائج على جميع الاصعدة كارثية ولا يمكن لاي عاقل ان يقبل اعادة التجارب الفاشلة مرارا وتكرارا.. نقول اليوم للسياسيين الذين يخافون الله ويحبون وطنهم ان يعودوا الى منطق العقل ويباشروا خطوات تدريجية ومعلنة ليحولوا احزابهم الى احزاب سياسية وطنية عراقية مفتوحة لجميع العراقيين بدون تمييز، هناك الكثير من العناصر الموحدة لهذا الشعب، كبناء الوطن والشروع بالتنمية واعطاء كل ذي حق حقه ونصرة الفقراء وبناء دولة لها هويتها الواضحة عندها سيهزم الارهاب والمليشيات وسنلحق بقطار التقدم والرفاه والسعادة. ان المدركين للاخطار التي تواجه العراق وعموم المخلصين والمتشبثين بوحدة العراق وشعبه يطالبون اليوم رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته السيد نوري المالكي وحزب الدعوة الاسلامية والمجلس الاسلامي الاعلى والتيار الصدري ومتحدون والعربية والتحالف الكردستاني وغيرهم ان يراجعوا انفسهم ويضعوا مصلحة البلاد والعباد فوق كل مصلحة. ان الفرصة لا تزال سانحة لهم للاحتكام الى الفضلاء والمجربين والسياسيين الوطنيين للتباحث معهم في حوار وطني حقيقي ينقذ العراق من التشرذم والضياع. لا بد اذن من اتخاذ قرارات ومواقف شجاعة لتغيير المسار قولا وفعلا لتأسيس قواعد جديدة للعملية السياسية قبل فوات الاوان. عندها ستكون لكم القيادة ايضا ولن ينسى الشعب صنيعكم وسوف يوفقكم الله كذلك واعلموا ايضا أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له حسب حديث المصطفى.

‘ كاتب عراقي

د. نصيف الجبوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية