تحرروا من قاع السفينة

حجم الخط
0

حين التحقت بقسم أصول الحياة كطالب في جامعة الدنيا، شاهدت العديد من أصناف البشر واحتككت بهم بحكم عملي الهندسي والأدبي على اختلاف أنواعهم وطرائقهم، أكثر ما شدني ولفت انتباهي في هذه الدنيا أقوام بسطاء ضعفاء، وجدوا أنفسهم يقطنون في قاع سفينة الحياة، هناك في القعر المعتم المخيف، بعيدا جدا عن سطحها، وحين اختلطت بهم وسبرت أعماقهم وجدت أنفسهم على ثلاثة مشارب :
أما الصنف الأول فأناس خـُلقوا وتربوا في قاع السفينة المعتم المظلم منذ بدء خليقتهم، لكنهم يعلمون أن للسفينة سطحا مشرقا جميلا، يُرى من عليه زرقة البحر وصفاء السماء وروعة الكون الفسيح، فتمردوا على حياتهم البائسة، وبدأوا لا يألون جهدا في سبيل خلاصهم، فشرعوا بالتسلق والصعود نحو السطح، باذلين في ذلك جميع التضحيات، متحدين كل المصاعب والمهلكات، بعضهم وصل، وبعضهم فشل، لكن فشلهم مع شرف المحاولة كان وسام عزة على صدورهم.. هؤلاء هم أفاضل البشر، وعمالقة الناس .
أما الصنف الثاني فأناس ولدوا ونشأوا في قعر السفينة الرطب المميت المهلك، فكانوا كسابقيهم من الصنف الأول، يعلمون أن للسفينة سطحا صحيا نظيفا ممتعا، لكنهم تخاذلوا وتقاعسوا، ورضوا بعيشتهم المتعبة المزرية، فأقنعوا أنفسهم رغما عن عقولهم بأن حياتهم مقبولة، لا ضير فيها ولا سوء، فركنوا إلى ذلك، ولم يحاولوا تغييرها، وفزعوا حتى من المحاولة ورهبة التغيير وتقديم التضحيات، هؤلاء أدنى مستوى من الصنف الأول، وقد يرجى إصلاح حالهم بالتحفيز وشحذ الهمم وصقل العقول .
أما الصنف الأخير فهو أخس الأصناف وأحقرها، هابطوا الهمة، منعدموا العزيمة، ساقطوا الفكر، صنف عاش في قاع السفينة كابرا عن كابر ولا يعلم مطلقا بأن للسفينة سطحا، فكل ظنه أن لا عالم في هذا العالم سوى عالمه المعتم المقرف، فلم يفكر في غيره ولم يسأل عن سواه، ولم يبحث حتى عن أي مكان آخر سوى قبره الذي يعيش داخله حيا، حتى إن جئت تنصحه وتنبهه لفداحة خطأه، أشبعك سخرية وضحكا واستهزاء، ووصفك بالجنون والخبل، إذ كيف يعقل في نظره أن يكون للسفينة سطحا، السفينة في نظره قاع وقعر وعتمة وظلمة وفقط، لا نور لا إشراق لا حياة لا متعة .أنت يا عزيزي القارئ … أنت من أي صنف من هؤلاء .
ملاحظة : قعر السفينة مثال مجازي يمكن تعميمه على أي فكرة تشاؤون … دمتم
م. معاذ فراج الأردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية