تحركات سعودية إماراتية لدفع الولايات المتحدة نحو حرب ضد إيران

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة –”القدس العربي”: يسجل منسوب التوتر بين دول الخليج وحلفائها في المنطقة، منحا تصاعدياً بوتيرة متسارعة، تقودها نحو حافة الانفجار في أي لحظة، تزامنا مع تهديدات البيت الأبيض لإيران بضربات تشل قدراتها، بإيعاز من الإمارات والسعودية إذ تدفعان نحو مواجهة مباشرة مع غريمتهما.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دوخ مؤخرا كلا من الرياض وأبو ظبي، بتصريحاته المتناقضة والمتضاربة، حيال تفاصيل خطته تجاه طهران، وللحظة خيب آمالها، بعدما رفع معنوياتها فجأة بجعله مشروع الضربة أمراً وشيكاً، وتحصيل حاصل بين عشية وضحاها.

محاولات محمد بن سلمان وحليفه محمد بن زايد، دفعت ترامب للمضي قدماً في مساعيه التصعيدية، ضد طهران لم تؤت بعد أكلها، بالرغم من كل الإغراءات بسبب تردد عدد من الفاعلين في واشنطن حيال المغامرة.

هذه التصريحات والتحركات دفعت برئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني للقول إن طرفاً ثالثاً يدفع نحو تأزيم الوضع بين بلاده وواشنطن، وهي إشارة ضمنية مباشرة نحو جارته أبو ظبي، وحليفتها الرياض.

الأزمة الأخيرة جعلت الانقسام واضحا وبيّنا، بين دول مجلس التعاون الخليجي، تقف على طرفه الإمارات والسعودية، ومعهما البحرين التي تتناغم سياساتها الخارجية معهما مهما كان الموقف.

على الطرف الثاني تقف الدوحة، ومسقط، والكويت، التي تدعو جميعها إلى ضبط النفس، وتلافي لغة التصعيد، ونبذ الخلاف لإدراكها أن الحرب أو المواجهة، لن تجلب سوى الخراب والدمار، لدول المنطقة جميعها، من دون استثناء.

محددات مواقف هذه الدول تتضح من خلال خطاباتها الرسمية، أو التي تغذيها الشخصيات المحسوبة على صناع القرار لدى هذه العواصم.

ومحور التصعيد الذي تتزعمه خلف المشهد الإمارات، بسياساتها وخططها، التي ترمي جميعاً نحو المواجهة، لكنها في الوقت نفسه تنحو نحو اعتماد نهج مرن وسلس، في الرسائل المعلنة نحو طهران، بعد حادثة ناقلات الفجيرة، حيث تلعب على أكثر من حبل.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، قالها صراحة أن بلاده ملتزمة بخفض التصعيد في منطقة الخليج بعد واقعة تعرض أربع سفن لعمليات تخريبية.

ومن دون لف أعلن قرقاش في لقاء مع صحافيين “نحن ملتزمون بخفض التصعيد، وبالسلام والاستقرار، وعلينا أن نلزم الحذر وألا نطلق الاتهامات”. مضيفا “لقد دعونا دائما لضبط النفس وسنبقى ندعو إلى ذلك”.

وفي المقابل شدد ولي عهد أبو ظبي الحاكم الفعلي في الإمارات محمد بن زايد، على أن التنسيق العربي ضروري لوقف التدخلات التي تزعزع أمن المنطقة.

وجاءت هذه التصريحات تعقيبا على حادثة تعرض سفن إماراتية لانفجارات في عرض مياهها الإقليمية.

تعامل أبو ظبي مع الواقعة اتسم بالغموض، ففي وقت أعلنت فيه وزارة الخارجية في بيان نشرته وكالة أنبائها الرسمية تعرض أربع سفن شحن تجارية مدنية من عدة جنسيات لما وصفته عمليات تخريبية في المياه الإقليمية على بعد حوالي 115 كلم من إيران. جاء مخالفاً لنفي رسمي للمكتب الإعلامي لحكومة إمارة الفجيرة صحة التقارير المنتشرة حول الحادثة.

ونشرت وكالة الأنباء الرسمية للإمارة أن “المكتب الإعلامي لحكومة الفجيرة ينفي صحة التقارير الإعلامية التي تتحدث عن انفجارات قوية هزت ميناء الفجيرة الإماراتي فجر اليوم، ويؤكد أن حركة العمل في الميناء تجري وفق المعتاد، ويدعو وسائل الإعلام إلى تحري الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية”.

وخلف التصريحات الرسمية تدفع شخصيات محسوبة على محمد بن زايد نحو المواجهة والتصعيد في الأزمة مع طهران.

الأكاديمي والباحث الإماراتي الدكتور عبد الخالق عبد الله، المقرب من محمد بن زياد كتب مغرداً “دول الخليج العربي مستعدة لكل الاحتمالات بما في ذلك اندلاع مواجهة عسكرية بين إيران وأمريكا”. واستطرد “أن دول الخليج لا تود حربا لكن إن اندلعت فهي محصنة بأفضل درع دفاعي يمكن تخيله وستكون مستفيدة من تحجيم طهران وتقزيمها وتقليع مخالبها وإن حدث انهيار لنظامها الكهنوتي التوسعي فأهلا به من انهيار”.

تصعيد سعودي نحو المواجهة

حمّلت السعودية المسؤولية الكاملة لإيران وجماعة الحوثي في الهجوم الذي استهدف منشآت نفطية قرب عاصمتها الرياض، وصعدت من حدة خطابها تجاه طهران.

وزير الدولة لشؤونها الخارجية، عادل الجبير، اعتبر أن الحوثي جزء لا يتجزأ من قوات الحرس الثوري الإيراني، مشيراً إلى أن هذه “الميليشيات تنفذ الأجندة الإيرانية”.

وأوضح الجبير، في تغريدتين على حسابه الرسمي في تويتر، “الحوثي يؤكد يوماً بعد يوم بأنه ينفذ الأجندة الإيرانية ويبيع مقدرات الشعب اليمني، وقراراته لصالح إيران”.

وتزامنت هذه التصريحات مع تكثيف السعودية لغاراتها في اليمن بزعم استهداف أنصار الله الحوثي وهي رسائل مباشرة توجهها نحو طهران.

سريعاً، دشن مغردون على مواقع التواصل وسم “سلسلة الحرب الأمريكية على إيران” وضمنوه مقطعاً مصورا لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال مؤتمر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نيسان/ابريل من العام الماضي.

وحذر الأمير محمد خلال المؤتمر من تكرار اتفاق تم توقيعه عام 1938 وتسبب الالتزام به بحرب عالمية ثانية، وهو ما وصفه النشطاء بانه أخطر تصريح. وكانت الإشارة في هذا الربط نحو الاتفاق النووي الذي وقعته مجموعة الدول الكبرى مع طهران.

والاتفاق الذي أشار إليه ولي العهد السعودي هو معاهدة ميونيخ، والتي وقعت عليها كل من ألمانيا النازية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا في 30 أيلول/سبتمبر 1938 وتمت بمقتضاها الموافقة على أطماع أدولف هتلر التوسعية في أوروبا بعد أن تذرع بحماية الألمان في المناطق الحدودية الفاصلة بين تشيكوسلوفاكيا وألمانيا، الأمر الذي سمح له لاحقا باجتياح هذا البلد ودول أوروبية أخرى.

وسابقا، اعتبر الأمير محمد بن سلمان في مقابلة مع مجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية” أن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يجعل من “هتلر” يبدو شخصا جيدا، يحاول احتلال العالم.

الدكتور زايد العمري المحسوب على القيادة السعودية الجديدة كتب أن “هذه حاملات الطائرات العملاقة أبراهام لينكولن عليها 90 طائرة مقاتلة وتستطيع أن تطلق 24 صاروخ توما هوك خلال مدة وجيزة، وبها مركز قيادة وسيطرة، وعلى متنها أكثر من 5000 عسكري”.

وأضاف هذه المؤشرات التي بنيت عليها تحليلي أن أمريكا سوف تضرب حكومة الظلام الملالي في طهران وأن لا رجعة عن استهداف طهران.

تركي الحمد المقرب من ولي العهد السعودي أشار بدوره: “أجواء الحرب تخيم على المنطقة، فأمريكا في عز قوتها، وترامب مرشح لفترة ثانية مع تحسن الأحوال الاقتصادية، فيما إيران وأذرعها في أسوأ الحالات. ما لم ترفع إيران الراية البيضاء، فهي الحرب لا محالة، ولا أظن الملالي يرفعونها بانتظار إمام آخر الزمان”.

دول على الحياد

سلطنة عمان، التي رعت الاتفاق النووي الموقع في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وتراجع عنه خلفه ترامب، دعت إلى “تجنب أي مسببات تمس أمن واستقرار المنطقة”.

وأعلنت في بيان صادر عن وزارة الخارجية، متابعتها باهتمام “الحوادث التي تعرضت لها عدد من السفن التجارية قبالة سواحل الإمارات”.

وأعربت الدولة الخليجية ذات العلاقة المحايدة مع إيران عن “أسفها البالغ ورفضها تلك الحوادث غير المسؤولة”.

الدوحة من جانبها كانت أحد الدول التي عبرت طهران عن ترحيبها لأي مفاوضات مع واشنطن لنزع فتيل الأزمة انطلاقا من مواقف قطر الإيجابية نحو حل القضايا الإقليمية العالقة بالحوار وبعيداً عن أي تهور.

وربط الشيخ حمد بن جاسم، رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها الأسبق، التصعيد الأمريكي الإيراني الحالي في المنطقة مع “القلق الإسرائيلي” من الوجود الإيراني في سوريا، معتبرا أن ذلك جزء من السبب.

وجاء ذلك في تغريدة للمسؤول القطري السابق على صفحته في تويتر، حيث قال: “إضافةً لما ذكرته من أيام قليلة أن جزءا من هذا التصعيد يرجع إلى التواجد الإيراني في سوريا لأنه أصبح مقلقاً لإسرائيل، هذا أيضاً سوف يكون حاضراً على طاولة المفاوضات المقبلة بين أمريكا وإيران وسوف يكون من أصعب الملفات”.

وكان الشيخ حمد بن جاسم قال في سلسلة تغريدات سابقة: “التصعيد الراهن في منطقة الخليج، الذي تدعمه بعض دول مجلس التعاون الخليجي، لن يؤدي، كما أرى، إلى نشوب صدام عسكري واسع مع إيران، بل الهدف منه هو إعادة الاتفاق النووي إلى مائدة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في المقام الأول”.

وتابع: “وللأسف فإن بعض دول مجلس التعاون الخليجي تراودها أحلام إلحاق هزيمة عسكرية بإيران، كما كانت تحلم قبل توقيع الاتفاق الذي انسحبت منه الولايات المتحدة، ووجدت هذه الدول نفسها مضطرة للإشادة بالاتفاق عند توقيعه آنذاك”. مضيفا: “فهدم مجلس التعاون الخليجي وتقويضه، كما يحدث اليوم يصب في مصلحة الغير ويدمر مصالح دول المجلس، ولا يخدم إلا مصالح من يريدون إبرام اتفاقيات جديدة مع إيران، أما نحن فسنطبل لتلك الاتفاقات كما فعلنا في المرة الأولى”.

نزع فتيل الأزمة

المفكر والسياسي الكويتي، الدكتور عبد الله النفيسي دعا من جانبه سلطنة عمان إلى التدخل لنزع فتيل التوتر في منطقة الخليج، وقال في تغريدة على حسابه بـ”تويتر”: “هذا وقت سلطنة عُمان للتدخل وذلك لنزع فتيل التوتر في الخليج، فالسلطنة بالذات تحتفظ بعلاقات سالكة مع الجميع وهي كانت مطبخ الاتفاق النووي بين إيران والغرب”.

تردد أمريكي

حتى الآن لا يبدو أن الإدارة الأمريكية متحمسة تجاه عمل متهور ضد طهران، وقرأت المؤسسات المتخصصة التي تملك سلطة تقدير الموقف العمليات التي نفذتها الطائرات الحوثية جيدا وفهمت الرسالة وفحواها أن الأذرع الإيرانية المنتشرة في كل مكان يمكنها قلب المعادلات في أي لحظة.

وستكون الأيام المقبلة حبلى بمزيد من التحركات بين الصقور ومن يقرع طبول الحرب في أمريكا والإمارات والرياض، وأصوات العقل التي تطلقها مؤسسات وشخصيات تدرك جيدا أن ذلك لن يحقق أي حسم لأي طرف وأن الحرب لن تجر سوى الوبال والخيبات، وستكون أي عملية متهورة محكومة بالفشل إذا خضعت لميزان الربح والخسارة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية