منظمات حقوقية عراقية تتوجه للمجتمع الدولي لحماية ناشطي تظاهرات البصرة

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: تتواصل الفعاليات الاحتجاجية لناشطي التظاهرات المطالبة بالإصلاحات في جنوب العراق وإيقاف اعتقال المتظاهرين وإطلاق سراح الموجودين منهم في السجون، إضافة إلى المطالبة بتنفيذ الوعود التي أطلقتها الحكومة عقب التظاهرات. وخفت زخم التظاهرات في الآونة الأخيرة بعض الشيء، في انتظار ما ستتمخض عنه مساعي تشكيل الحكومة الجديدة، التي تعهدت بمعالجة الكثير من الأزمات والمشاكل الملحة المزمنة، ومنها أزمة نقص الخدمات والفساد في مدن العراق التي أدت إلى اندلاع تظاهرات احتجاجية حاشدة منذ ثلاث أشهر.
ففي محافظة البصرة أقصى جنوب العراق، أقام حشد من الناشطين المدنيين وتنسيقيات التظاهرات ومنظمات المجتمع المدني والشعراء ومواطنين، حفلاً تأبينياً استذكاراً للذين سقطوا خلال التظاهرات التي شهدتها المحافظة الشهر الماضي، وللمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين من المتظاهرين ومحاسبة المسؤولين الذين أصدروا الأوامر للأجهزة الأمنية بإطلاق النار على المتظاهرين المسالمين، إضافة إلى دعوة الحكومتين المحلية والمركزية للإسراع في تنفيذ مطالب التظاهرات التي عمت المحافظة منذ نحو ثلاث أشهر.
وتضمن الحفل التأبيني الذي أقيم في ساحة الزعيم عبد الكريم قاسم، وبحضور جمع غفير من المواطنين، كلمات وقصائد شعرية استذكرت بطولات الشهداء الذين سقطوا أثناء المشاركة في التظاهرات وأكدت الوفاء لتضحياتهم مع الاعتزاز بدورهم في المطالبة بحقوق سكان المحافظة رغم المخاطر التي كانت تواجههم.
وقد تعرض العديد من النشطاء والمتظاهرين في البصرة إلى حملة اعتقالات واغتيالات كان آخرها اغتيال الناشطة سعاد العلي، وسط محافظة البصرة من قبل مسلحين مجهولين، في موقف اعتبره المراقبون يندرج ضمن محاولات إسكات الأصوات الشريفة المطالبة بالخدمات ومحاربة الفساد. وهو ما دعا بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” للمطالبة بإجراء تحقيق شامل في ملابسات حادثة قتل الناشطة العلي.
وفي السياق، عقد نواب ووجهاء وناشطو محافظة البصرة، ندوة ناقشوا خلالها استمرار تأخر الحكومة في تقديم الخدمات الأساسية للمحافظة وخاصة عدم توفير مياه الشرب والكهرباء والعجز عن مكافحة الفساد المستشري هناك، وسط استمرار ظاهرة تسمم مواطنيها بالماء الملوث، الذي تجاوزت الإصابات به 100 ألف حتى الآن.
ويذكر ان رئيس الجمهورية الجديد، برهم صالح، أكد عزمه تنظيم حوار وطني، لمعالجة مشاكل البصرة، مشيرا إلى انه بحث الموضوع مع رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة عادل عبد المهدي. وذكر، في مؤتمر صحافي خلال استقباله وفدا من البصرة يضم محافظها وأعضاء مجلس النواب، ضرورة تفعيل القوانين الصادرة بشأن البصرة، منوها إلى أهمية المدينة التي وصفها بـ”عاصمة العراق الاقتصادية وضمانة ازدهاره” داعيا إلى “تقديم الخدمات لها والمحافظة على بيئتها وضمان سلامة سكانها من مخاطر التلوث البيئي”. يأتي ذلك متزامنا مع إحصائيات المنظمات المعنية التي كشفت عن تجاوز الإصابات جراء تناول مياه الشرب الملوثة في البصرة لمئة ألف مواطن ممن نقلوا إلى المستشفيات للعلاج.
ودعا النائب عن كتلة سائرون، عدي عواد، محافظ البصرة ومجلس المحافظة، إلى ترك الخلافات السياسية والاهتمام بالمواطن البصري الذي يعاني من مشاكل كبيرة بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة.
وقال في بيان صحافي، ان “البصرة تعاني من خلل إداري واضح والمواطن يميز قبل المسؤول ما يحصل في الساحة البصرية من مشاكل خدمية متردية”. وأضاف ان “هذا الأمر يستدعي من أعضاء مجلس المحافظة تفعيل دورهم الرقابي بعيداً عن المناكفات والصراعات السياسية الحاصلة في داخل المجلس بشأن تغيير مدراء الدوائر، فضلاً عن انشغالهم باختيار رئيس لهم”.

أصدرت 15 منظمة حقوقية بياناً شديد اللهجة للاحتجاج على “حملة اعتقالات عشوائية” تمارسها وزارة الداخلية ضد الناشطين في البصرة

وفي محافظة المثنى جنوب العراق، نظم عدد من الناشطين والمواطنين، وقفةً احتجاجية للمطالبة بغلق الدعاوى القضائية المقامة ضد المتظاهرين.
وشهدت الوقفة التي جرت في كورنيش مدينة السماوة مركز المحافظة، كلمات وهتافات من المشاركين الذين رفعوا لافتات طالبت الحكومة بغلق الدعاوى القضائية المقامة ضد المشاركين في التظاهرات وإطلاق سراح المعتقلين منهم، مؤكدين على استمرار مطالباتهم لحين إغلاق جميع الدعاوى وإيقاف ملاحقة المتظاهرين قانونيا. وأفادت مصادر في المثنى ان التظاهرات والضغوط المستمرة أدت إلى إطلاق سراح عدد من المعتقلين لدى الأجهزة الأمنية من المشاركين في التظاهرات، وآخرها إطلاق سراح الناشط أحمد رضا من سكان منطقة الرميثة.
وشهدت مدينة السماوة، تنظيم وقفة احتجاجية لناشطي التظاهرات وحقوقيين ومواطنين، أمام مبنى محكمة استئناف المثنى للاحتجاج على إصدار الجهات الأمنية في المحافظة، مذكرات إلقاء القبض بحق عدد من المشاركين في التظاهرات المطالبة بالخدمات، والتي أسفرت عن اندلاع أعمال عنف وحرق عدد من الدوائر الحكومية ومقرات الأحزاب المتنفذة في المحافظة.
ويذكر أن مكتب مفوضية حقوق الإنسان في محافظة المثنى، أعلن الأسبوع الماضي عن صدور مذكرات اعتقال قضائية جديدة بحق عدد من المشاركين في التظاهرات التي شهدتها المحافظة خلال الشهرين الماضيين.
وفي صورة لتنوع الضغوط التي تمارسها الأحزاب والقوى على ناشطي التظاهرات والرأي، ذكرت مصادر من محافظة ذي قار جنوب العراق، ان بعض السياسيين أخذ يستعين بالعشائر لإرهاب المنتقدين واسكاتهم.
وبينت المصادر، ان التهديد العشائري جاء بعد انتقادات وجهها أحد الناشطين عبر شبكة التواصل الاجتماعي، إلى النائبة أجيال الموسوي التي تنتمي إلى تيار الحكمة بقيادة عمار الحكيم، وذلك على خلفية انتقالها للعيش في العاصمة بغداد.

أكثر من 40 ناشطا من المتظاهرين تم اعتقالهم مؤخرا من قبل الأجهزة الأمنية وجماعات مسلحة غير معروفة، وبعضهم لا تعرف أماكن احتجازهم

وفي إطار مواجهة الاعتقالات التي تعرض لها الناشطون والمشاركون في التظاهرات المطالبة بالإصلاحات، استنكر نواب ومنظمات حقوقية وناشطون، حملة اعتقالات ومداهمات واسعة تشنها الأجهزة الأمنية الحكومية وغير الحكومية، ضد المشاركين في التظاهرات المستمرة في جنوب العراق، والمطالبة بالخدمات الأساسية وضرب الفاسدين، متوعدين بالتوجه نحو المجتمع الدولي لوقف الملاحقات بحق المتظاهرين.
ففي العاصمة العراقية بغداد، أصدرت 15 منظمة حقوقية بياناً مشتركا شديد اللهجة للاحتجاج على “حملة اعتقالات عشوائية” تمارسها قوات تابعة لوزارة الداخلية ضد الناشطين الشباب في البصرة، مشيرة إلى قيامها بـ “رفع مذكرة احتجاج إلى المجتمع الدولي” ضد الانتهاكات الحكومية.
ونقل بيان المنظمات، شهادات أدلى بها ناشطون ومواطنون من البصرة، عن قيام “خلية استخبارات الصقور التابعة لوزارة الداخلية بتنفيذ الاعتقالات، وإجراء التحقيقات، وتعذيب المعتقلين لإجبارهم على توقيع إفادات منافية للواقع”. كما أشار إلى أن “القوات الأمنية وبهدف التغطية على أعمال الاعتقال باتت تداهم المنازل ليلاً وفجراً، وتقتاد الناشطين المدنيين إلى أماكن مجهولة”. وأضاف البيان “نرفع احتجاجنا العلني على حالات الاعتقالات العشوائية التي تطال شباب البصرة، وندين هذا التصرف اللادستوري من قبل وزارة الداخلية، كونه يجري دون مذكرات قضائية”.
وكشفت المنظمات المعنية بحقوق الإنسان والمجتمع المدني، عن تحركها دوليا لوقف الانتهاكات في البصرة، حيث ناشدت المنظمات، المجتمع الدولي والمنظمات المعنية والأمم المتحدة، تقديم المساندة والتضامن لحماية الشباب والناشطين من الاعتقالات.
هناء أدور، الناشطة المعروفة، أكدت في لقاء تلفزيوني ان أكثر من 40 ناشطا من المتظاهرين تم اعتقالهم مؤخرا من قبل الأجهزة الأمنية وجماعات مسلحة غير معروفة، وهم محتجزون في القصور الرئاسية ودائرة العلاقات العامة التابعة لوزارة الداخلية وبعضهم لا تعرف أماكن احتجازهم. وأشارت إلى ان الأجهزة الأمنية تقوم بحملات دهم في أوقات متأخرة من الليل وتعتقل المشاركين في التظاهرات وتسحب هواتفهم المحمولة وتلغي منها صور التظاهرات.
أما النائب الجديد عن البصرة رامي السكيني، فقد استنكر حملة الاعتقالات العشوائية المبنية على الوشايات الكيدية ضد الناشطين والمشاركين في التظاهرات التي تجري في البصرة، والتي لا تستند لأوامر قضائية، مؤكدا ان أهالي المعتقلين لا يعرفون أماكن اعتقال أبناءهم ولا التهمة القانونية الموجهة لهم.
وأبدى السكيني، في لقاء تلفزيوني، استغرابه لهذا الاستخفاف بدماء المتظاهرين الأبرياء، مشددا انه لا يجوز استخدام هذه الطريقة التي وصفها بـ”البربرية” ضد متظاهرين يطالبون بحقوقهم الأساسية، ومتسائلا من يتحمل مسؤولية الدماء البريئة التي سقطت في التظاهرات؟

تعرض العديد من النشطاء والمتظاهرين في البصرة إلى حملة اغتيالات كان آخرها اغتيال الناشطة سعاد العلي

ورغم الإجراءات الأمنية ومخاوف الاعتقال، فقد تجددت المظاهرات الاحتجاجية وسط البصرة، حيث قام المئات من المتسممين بمياه الشرب بتنظيم تظاهرة وسط المدينة، كما دعت تنسيقيات التظاهرات، أبناء المحافظة إلى المشاركة، للتعبير عن الغضب لتأخر الحكومة عن تنفيذ وعودها بالإصلاحات وتوفير الخدمات الأساسية وخاصة مياه الشرب، إضافة إلى المطالبة بإطلاق سراح الناشطين والمعتقلين.
وكشف ناشطون عن ان حملات الاعتقالات والتحقيقات التي تطال المشاركين في التظاهرات، تقوم بها جهات أمنية عدة، من بينها “خلية الصقور الاستخبارية” التابعة لوزارة الداخلية، والاستخبارات في البصرة، وقيادة عمليات المحافظة، إضافة إلى جهات مسلحة تابعة لبعض الأحزاب والميليشيات.
وكانت خلية استخبارات الصقور في البصرة التابعة لوزارة الداخلية، أصدرت بيانا أعلنت فيه اعتقال متهمين بارتكاب “جرائم قتل ضد المواطنين والعناصر الأمنية وحرق ممتلكات ومنشآت عامة وخاصة” داعية وسائل الإعلام والناشطين إلى عدم التدخل في عملها.

البصرة تعاني من خلل إداري واضح والمواطن يميز قبل المسؤول ما يحصل في الساحة

ويشير ناشطون إلى ان حملة الاعتقالات ضد الناشطين ازدادت مؤخرا بعد نشر وسائل إعلام إيرانية، أسماء عراقيين قالت انهم قاموا بإحراق القنصلية الإيرانية في البصرة بتوجيه من السفارة الأمريكية، وبعد تهديدات محافظ البصرة أسعد العيداني بملاحقة الذين أحرقوا قنصلية إيران في المحافظة.
وسبق ان نفت القنصلية الأمريكية في البصرة الأنباء التي تتهمها بتحريض المتظاهرين. وقال بيانها ان بعض الجهات استغلت نشر القنصلية الأمريكية لصور لقاءات مواطنين بصريين مع موظفي القنصلية، من أجل توجيه الاتهام لهم بالتورط في تخريب المدينة أثناء التظاهرات. مؤكدة ان نشر هذه الصور والاتهامات هي محاولة لتضليل الرأي العام.
وفي تداعيات أحداث البصرة، أيضا عبر الناشطون وقوى سياسية وبعض السكان، عن القلق من إعلان مكتب “هيئة الحشد الشعبي” في البصرة عن تشكيل “قوات التعبئة الاحتياطية الطوعية” التي تضم آلافا من عناصر الأحزاب، معتبرين هذا الإجراء يهدف لإجهاض حراك المتظاهرين للمطالبة بحقوق المحافظة.
وكان بيان مكتب “تعبئة الحشد” في البصرة، أعلن مؤخرا عن تشكيل قوات التعبئة الاحتياطية الطوعية؛ المكونة من عشرة ألوية في مختلف مناطق البصرة كوجبة أولى لمساندة (الحشد الشعبي) والقوات الأمنية في مواجهة ما اسماه “استغلال مطالب المتظاهرين، من قبل المخربين المدعومين من جهات خارجية لزعزعة استقرار البصرة ومحاولة المساس بالحشد الشعبي”. وأبدى المراقبون استغرابهم لتشكيل فصائل مسلحة جديدة في المحافظة من عناصر الأحزاب والميليشيات دون سند قانوني وسط صمت الحكومة المحلية وحكومة بغداد، مما يثير المخاوف من تدهور أوضاع حقوق الإنسان في المحافظة.
ويؤكد المراقبون ان التظاهرات الاحتجاجية التي بدأت في محافظات العراق الجنوبية منذ تموز/ايلول الماضي، قد انتقلت من المطالبة بالخدمات الأساسية كالماء والكهرباء، إلى الدعوة لمحاسبة الفاسدين وابعادهم عن مواقع المسؤولية، وذلك بعد التأكد من ان الأحزاب والمافيات منشغلة بالصراع على الاستحواذ على خيرات الدولة مثل ميزانيات المحافظات وموارد المنافذ الحدودية والميناء إضافة إلى تجارة السلاح والمخدرات، دون الاهتمام بتوفير الخدمات للمواطنين، مما جعل الأمل في أي إصلاحات في تلك المحافظات غير ممكن تحققها بوجود مثل هذه الإدارات الفاشلة والفاسدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية