«تحرير الشام» تحاول استرضاء أنقرة عبر دعمها في شرقي الفرات لتحقيق توازن في إدلب

هبة محمد
حجم الخط
1

دمشق – «القدس العربي»: يسارع تنظيم هيئة تحرير الشام الخطى من أجل استرضاء الجانب التركي، بعد انتهاء الحملة التي شنها ضد تشكيلات المعارضة في الشمال السوري، انتهت بإنهاء تواجد عدد من الفصائل اهمها حركة نور الدين الزنكي واحرار الشام الاسلامية وصقور الشام في مناطق الغاب وريف حماة الشمالي المتصلة مع ريف إدلب الجنوبي، ما أدى الى تغير الخريطة العسكرية في المنطقة الملاصقة للحدود التركية، والتي باتت تشير الى سطوة شبه كاملة لهيئة تحرير الشام مع عدم استثناء الجبهة الوطنية للتحرير، وجيش العزة في ريف حماة وبعض الفصائل الاقرب للتوجه القاعدي، ما دفع زعيم تنظيم النصرة الى المسارعة الى محاولة تحقيق توازن بين الخطاب والفعل، وابداء رغبته بدعم التوجه التركي، في مرحلة صعبة من العلاقات المتوترة تعيشها انقرة مع الولايات المتحدة الامريكية وسط خلافات متجددة ومفوضات محمومة يرتقب ان تجمع الزعماء والوزراء ومجموعات العمل المشتركة، لبحث الملف السوري بعد تهديد الرئيس الأمريكي تدمير الاقتصاد التركي اذا ما هاجمت الأخيرة الميليشيات الكردية.
ويتحدث مراقبون عن حسم خلال الاجتماعات المقبلة ينهي الخلافات المتصاعدة بشأن التركة الامريكية شرقي الفرات، بإجراء تفاهم وشراكة تركية – أمريكية حول المنطقة مقابل ضمانات بعدم بطش الجانب التركي بالاحزاب الكردية المدعومة من واشنطن، وسط الحديث عن خيار آخر يذهب باتجاه اتفاق امريكي – روسي، يسمح لموسكو والنظام بدخول المنطقة مقابل ضمانات بمنع الميليشيات الايرانية من عبور الفرات من الضفة الغربية الى الشرقية.

«النظام أتى بالإرهابيين»

وأعلن زعيم هيئة تحرير الشام، أبو محمد الجولاني، أمس الاثنين، دعمه توجه تركيا للسيطرة على مناطق شرق الفرات، تزامناً مع حشد أنقرة قواتها العسكرية في الشريط الحدود الجنوبي بالقرب من ادلب، وتحميل وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، مسؤولية تحول محافظة إدلب إلى بؤرة للإرهاب، «للنظام السوري وداعميه».
تصريح تشاووش أوغلو جاء في مؤتمر صحافي مع وزير خارجية لوكسمبورغ جان أسيلبورن بمقر الخارجية التركية في العاصمة أنقرة، وأوضح تشاووش أوغلو أن النظام السوري وداعميه، سمحوا لإرهابيين بالانتقال من الغوطة الشرقية وحمص ودرعا مع أسلحتهم، إلى إدلب، وأنهم الآن يتحججون بتلك المجموعات الإرهابية للهجوم على هذه المحافظة، نافياً «صحة الشائعات التي تتحدث عن استيلاء هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة على 50 بالمئة من مساحة إدلب» وأشار الى أن الجزء الأكبر من هذه المحافظة باتت منطقة منزوعة من السلاح، يعيش فيها ملايين المدنيين.
وصرح تشاووش أوغلو بأن المجموعات المتطرفة مستاءة من التدابير المتخذة في إدلب، وتهاجم المعارضة المعتدلة هناك، لافتاً الى ضرورة التحدث الى البلدان التي جاء منها المقاتلون الأجانب داخل «المجموعات الإرهابية».

موقف «الهيئة»

وفي محاولة من زعيم تنظيم النصرة الذي يقود «هيئة تحرير الشام» لتطويع للظروف الراهنة، تمهيدا لما يمكن ان يلعبه تنظيمه خلال الفترة القادمة من ادوار، قد تبقي له موضع قدم في ادلب وسوريا مستقبلاً، قال «أبو محمد الجولاني»، عبر «وكالة أمجاد للإنتاج المرئي» التابعة له «نحن مع التوجه التركي لتحرير منطقة شرق الفرات معتبراً أن «حزب العُمال الكردستاني (ب ك ك) و(ب ي د) أعداء للثورة السورية، ويستوليان على مناطق فيها عدد كبير من العرب السُّنة، لذلك فنحن مع التوجه لتحرير منطقة شرق الفرات».
واضاف «أبو محمد الجولاني» أنه ليس لدى هيئة تحرير الشام رغبة في حكم المنطقة التي سيطرت عليها مؤخَّراً في ريف حلب الغربي، وأخرجت «حركة نور الدين الزنكي» منها، فاتحاً الخيار للأخير للانضمام لأيّ فصيل يريد» مشيراً الى أن الدور الروسي والإيراني ليس بحاجة إلى حجة لدخول أي منطقة من المناطق، فهذه درعا والغوطة وحمص لم تكن تسيطر عليها الهيئة بل كانت تحت سيطرة الفصائل المصنفة معتدلة. الباحث لدى مركز عمران للدراسات «بدر ملا رشيد» رأى ان الجولاني ظهر ليحاول إزالة «الابهام» لدى الداخل حول ما حدث مع تنظيم هيئة تحرير الشام في المواجهات الاخيرة، عبر وسم تنظيمه بالمستهدف «ظلماً»، وما يمكن ان يلعبه تنظيمه خلال الفترة القادمة، واستهل حديثه باعطاء الاسباب المباشرة والبعيدة، لقضائهم على الزنكي ويبدو ان الاسباب البعيدة بالنسبة لهم هي الاهم، وهي التشرذم، وتوزع السلطة، والسبب الأهم وفق الجولاني دخول الزنكي للعبة تهدف لانهاء تنظيم «هتش»، لينال رضا جهاتٍ معينة، وعبر هذا الاتهام يقوم الجولاني بتوجيه صورة للداخل بشكلٍ رئيسي يحاول من خلالها اثارة الشبهات حول نور الدين الزنكي، كما يحذر من يحاول ان يستهدف «هتش» مستقبلاً.
وروج حسب المتحدث لـ»القدس العربي»، لبسط سيطرة «تحرير الشام» بصورة غيرة مباشرة عبر تصويرها على انها الافضل للساحة الثورية، كما قام بالتأكيد على تمثيل «حكومة الانقاذ» لهم مدنياً، وعلى تقبل مشروعها ووضع إمكانياتهم تحت سيطرتها عبر ذكر كيفية تشكيلها وقبولهم لها، وعلى الهدف بتمثيلها للجانب الإداري في المنطقة، وهو ما شهدناه من اجبار الكثير من المجالس المحلية للقيام بإعلان تبعيتها لحكومة الانقاذ او القيام بحل نفسها.
قائد النصرة نفى خلال حديثه أي تزامن لقيام تنظيمه بانهاء وجود الفصائل في إدلب، مع ما يدور حول عملية تركية شرق الفرات، لكنه في المقابل اعطى الضوء الاخضر للعملية دون ان يذكر كلمة تشير الى قيام الطرف «التركي» بها، وهذا ما فسره «ملا رشيد» محاولة لتجنب الخلافات الموجودة ضمن تيارات النصرة ومنها الرافضة للعمل مع تركيا خصوصاً الامراء الاجانب، واوضح المتحدث ان الجولاني ارسل رسائل غير مباشرة بامكانية مشاركتهم في العملية عبر ذكر تواجدهم في المنطقة الشمالية قبل الان (تجنب ذكر خسارتهم لها لصالح تنظيم الدولة)، عبر قيامه بالاشارة لوجود عناصر من النصرة هم اهل المنطقة.
كما حاول زعيم هيئة تحرير الشام اللعب على الوتر العشائري، والوتر السني ايضاً، وهذا برأي الباحث السياسي «يُظهر النصرة بعد غيابٍ على انهم هم من سينصرون السنة في سوريا، وهي الحجة التي وجدت النصرة بها، ومن جهة اخرى تحمل هذه الكلمات إشارات خطيرة، عبر تركيزه على البُعد « العربي والسني» لأهل المنطقة بما يؤذن بدخول تنظيمه على خط التوتر الطائفي الموجود في المنطقة والذي ليس في حاجة لتنظيمٍ جهادي ذي صلاتٍ مع القاعدة العالمية ليأخذ فيها دوراً مُزيداً المخاوف من حدوث عمليات انتقام مبنية على الهوية».
التغيرات المتسارعة جعلت تركيا تبدو في موقف الدفاع عن مخاوفها الأمنية، وبرز ذلك من خلال خطاب وزير خارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، لوزير خارجية لوكسمبورغ جان أسيلبورن بمقر الخارجية التركية في أنقرة، قائلاً: «تعربون عن قلقكم حيال قيام تركيا بعملية في الشمال السوري، إذاً تعالوا لنكافح الإرهاب سويةً، فكفاح تركيا ضد الإرهاب في سوريا، أمر مهم جداً بالنسبة لأمن أوروبا أيضاً، مضيفاً ان تنظيم «بي كا كا / ي ب ك» يحتل 33 بالمئة من الأراضي السورية بهدف تقسيم البلاد، وأنتم تلتزمون الصمت حيال ذلك، تقولون إنكم تناهضون داعش، فلماذا لا تناهضون باقي التنظيمات الإرهابية، ومثل هذه المواقف تزعزع الثقة بمكافحة أوروبا للإرهاب».
وتسير تركيا على تنسيق عالي المستوى مع حليفها المحلي (الجبهة الوطنية) في الشمال السوري، من اجل أي عملية، أمنية كانت أم عسكرية، ضد التنظيمات التي تصنفها على قائمة الإرهاب، حيث تبدي انقرة استعداداتها، بينما تتجهز فصائل الجيش الحر للعودة الى مناطق سيطرتها، وفي هذا الاطار اعتبر مصطفى سيجري قيادي في الجيش الوطني أن «تنظيم جبهة النصرة، تنظيم إرهابي مجرم»، ولا يمكن أن استبدال الإرهاب الانفصالي بإرهاب قاعدي، وأضاف لـ«القدس العربي»، « النصرة لن تكون جزءاً من العمليات العسكرية المرتقبة في شمال شرقي سوريا، ومحاولة تقديم أوراق اعتماده لدى الحلفاء في تركيا وإبداء رغبته في قتال حزب العمال الكردستاني لن تنجح، فهي لم تكن جزءاً من الثورة السورية ولن تكون جزءاً من مستقبل سوريا، وبديلاً عن طردها ودحرها إلى خارج الحدود السورية».
وقال، ليس بالضرورة أن تحصل استجابة إقليمية أو دولية لا سيما من تركيا لهذه الخطوات، والتعاطي معها أصلاً يندرج ضمن سياق طبيعة السياسة المتبعة ضد التنظيم والأولويات لدى كل طرف.
واعتبر مراقبون ان تصريحات الجولاني تشير الى عدم موافقة الجانب التركي على عملياته الأخيرة، وتصب في اطار المحاولة لاعادة خيوط العلاقة بين الطرفين كون الاخيرة كان لها موقف رافض لتمدد النصرة، يرز عبر عنه وزير الخارجية الذي قال ان الوضع في ادلب لن يبقى على حاله وان تركيا سوف تتعاون مع روسيا لقتال التنظيمات الارهابية في ادلب والارياف المحيطة بها. الباحث في شؤون التنظيمات الجهادية سعد الشارع قال ان التصريحات التي ادلى بها الجولاني محاولة منه لاستلطاف الجانب التركي الذي لم يكن راضيا تماما عما قامت به هيئة تحرير الشام رغم الاتهامات الكبيرة التي وجهت لتركيا بأنها غضت الطرف على اقل تقدير ان لم تكون موافقة على ما قامت به الهيئة في عملها الأخير، لكن التصريحات الجولاني تشير بحسب المتحدث «الى عدم موافقة الموقف التركي ومحاولة لاعادة العلاقة بين تحرير الشام من جهة وتركيا من جهة أخرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية