أصبح المشهد أمامنا في غاية الصفاء والوضوح ومنذ بداية الإنفجار الشعبي التونسي وصولا إلى اللحظة الراهنة وبعد المرور على جميع العواصم التي هبت، ونهضت لكي تبدأ رحلتها الجديدة نحو مستقبل مشرق، على أمل أن تجد فيه كل ما حرمت منه على مدى العقود الزمنية الماضية التي عاشتها وهي صابرة على ظلم الحكام، واستبدادهم، وقهرهم، وتعسفهم، وبغض النظر عن المسافات التي تم قطعها هنا أو هناك، فإننا نؤكد على أن الكل وبلا إستثناء لا يزال في البدايات، فهذا المستقبل لا يزال بحاجة إلى ظروف ومناخات ذاتية وموضوعية هي في أمس الحاجة إلى المزيد من العمل وبذل الجهد والعطاء.
وفي الوقت الذي يصاحب هذا الربيع العربي تحاليل وأحاديث واسعة ومتشعبة عن التغيير والتحرير السياسي، والإقتصادي، والأمني، والإجتماعي، والإنساني، فإن ما نشعر بأهميته يكمن بالأساس في ضرورة الإنتباه والإنشداد إلى تحرير العقول أولا وعاشرا، وقبل التفكير بأية أشياء أخرى، وإن كنا لا نقلل من أهميتها ولا ندير الظهر أبدا لحاجة الشعوب إليها وذلك على درجات سلم الأولوية وعلى قاعدة المهم فالأهم. تحرير العقول هو المدخل الرئيس للوصول إلى الأهداف، والغايات التي قام من أجلها هذا الربيع العربي واجتمع عليها وحولها وضمن القواسم المشتركة التي تحتاج إليها جميع العواصم وبغض النظر عن الخصوصيات التي قد تظهر هنا، وقد تتلاشى وتختفي هناك لأنها ليست على ذات القدر من الأهمية والحاجة. القديم المستبد والظلامي لن يستسلم بشربة ماء، ولن يرفع الرايات البيضاء ويرحل بالسهولة التي قد يتخيلها البعض، فهذه مصالح مصيرية سوف يقاتل من أجلها وحتى الرمق الأخير الذي سيبقى بحوزته، وعليه فإن مواجهته بالعواطف والمشاعر الطيبة وحسن النوايا، والتعامل معه بالقفازات البيضاء الناعمة لا يجدي، ويعيق الثورة ويؤخرها، ولن يأخذ أبدا بيدها خطوة واحدة إلى الأمام، ولا أعني هنا اللجوء إلى قوانين وسلوكيات الثأر والانتقام، لا، فليس هذا هو المقصود، المطلوب هو الهدم الكامل والجذري لهذا الماضي الأسود وبلا شفقة أو رحمة، حتى تتم عملية إعادة البناء على أساس إنساني إجتماعي حر، وديمقراطي، وبما يفتح المجال لإعادة القيمة المفقودة ماديا وحياتيا ومعنويا لهذا المواطن العربي المظلوم والمقهور. كل القوى والأدوات والمؤسسات وحتى أصغر الأفراد الذين كان لهم شرف المساهمة بصناعة مكونات هذا الربيع العربي هم في حاجة شديدة إلى الغسيل التام من كل الموروث السابق الذي علق على أجسادهم طول حقبة الإستبداد والتعسف الماضية، ولكي يصبحوا بعد ذلك طلائع وقدوة نظيفة أمام شعوبهم، وهذا هو الأساس الذي سيجعل منهم بديلا سياسيا ووطنيا طبيعيا ومقنعا بالمقارنة مع ما كان يسود في فترات الماضي الذي انتهى وزال، هذا هو التحدي المصيري الذي ستبنى عليه ركائز ودعامات البناء المستقبلي القادم، فلا مجال للإقتتال على ‘القمصان’ إذا ما اتفق الجميع على أن ‘عثمان’ ونقصد به الوطن وخيراته هو واحد ويجب أن يكون للجميع! وإذا كنا نتغنى بسقوط الأنظمة والحكام المستبدين، فلم يعد مقبولا على الإطلاق أن نسمح لأدوات مشابهة وفي ثياب جديدة أن تكون هي البديل لهذا الذي تهاوى ورحل وسقط، لا مجال بعد اليوم للسرقة والفساد والمحسوبية، ولا مكان للإنتهازية والتملق والنفاق، فالوطن وبكل خيراته يجب أن يكون للجميع بالتساوي، وبالقانون النزيه الذي لا يحابي أحد على حساب المصلحة الوطنية العامة، نحن لا ننادي بالمثاليات وإن كان لا يعيبنا أبدا الوصول إليها، نحن لا نطلب المستحيل والمعجزات، ولكننا قادرون ونمتلك الحد المطلوب والمعقول من الإمكانيات والقدرات الكفيلة بوضعنا على شواطىء النهوض لتلبية احتياجات عملية البناء الجديدة التي نحلم بها ونطمح في الوصول إليها. على سبيل المثال ففي الأحزاب والمؤسسات التابعة لها يجب أن يكون التفكير عندها منصب على تحرير عقول الأعضاء وإعادة ضخهم إلى الحياة العامة بدماء جديدة وبغض النظر عن النظري والفكري والمعتقد الديني. مؤسسات التعليم الإبتدائية، والأساسية، والجامعية، هي مواقع البناء الهامة التي يجب أن تتم عملية تنقيتها من كل شوائب وأتربة الماضي الفاسد، ومن داخلها يجب أن يتم البناء الجديد للفرد الذي يجب أن يرفع يده بالتحية للوطن وليس لصورة الزعيم، وزوجته، وأبناؤه، هذه هي الطريقة والآلية التي يمكن من خلالها ضخ الأجيال الجديدة التي لن يكون لديها خوف في ثقافتها الوطنية العامة من رجل الأمن الذي ينظم عملية المرور في الشارع! المأمول لن يرى النور ما لم تتحرر العقول لكي تلتقي على معادلة صحيحة من الحقوق والواجبات التي يجمع بينها الإنتماء الصادق للوطن، والقائم على العدالة، والحرية، والديمقراطية التي يحميها الدستور الذي لا تشوبه شائبة، الربيع كان بذرة في تراب الوطن، لكن براعمه تفتحت، وسيقانه ستنمو، وأوراقه لا بد أن تكون خضراء زاهية وثماره طيبة، وهذا كله مجتمعا هو الذي سيعيد لهذه الأمة مكانها المرموق الذي يليق بها بين بقية الأمم، فتحرير العقول هو السلاح الذي لا قبله ولا بعده، وهذا ما سوف يحرر فلسطين وبعيدا عن تمثيليات أيلول الهزلية وهذا على سبيل المثال أيضا!
د. امديرس القادري