تحصين لبنان ممكن… تحييده مستحيل

حجم الخط
0

في غمرة كل أزمة تعصف بلبنان منذ انفصاله عن سلطة الانتداب الفرنسي العام 1943، يطـرحُ سياسيٌ او مفكـر او حـزب او مرجعية مسـألة حيـاده او تحييده. آخر الطروحات في هذا المجال ‘مذكرة وطنية’ اطلقها في 5/2/2014 غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، باسم الكنيسة المارونية المشرقية.
المذكرة دعت الى حياد لبنان الايجابي ‘المرتكز على قوته الدفاعية بدعم الجيش وسائر القوى الامنية، والملتزم قضايا الاسرة العربية، خاصة القضية الفلسطينية، وتلك المتعلقة بالعدالة، والعيش معا، والتنوع في الوحدة، وحقوق المواطنة، وبناء السلام’. قالت: ‘كي يتمكّن لبنان المحايد من تأدية رسالته، يجب ان يكون قويا للدفاع عن نفسه ولخدمة محيطه. والى ان يستطيع استكمال مسيرة هذا الحياد، يجب العمل على تحييده عن الصراعات بين المحاور الاقليمية والدولية، كما نصّ عليه ‘اعلان بعبدا’ الذي يعتبر خطوة مهمة على هذا المسار، وعدم السماح باستعماله مقرا او ممرا او منطلقا لأي عمل من شأنه ان يورطه في هذه الصراعات او في أزمات تتنافى وخصوصيته، والتوصل الى الاستراتيجية الدفاعية الوطنية المنشودة التي تمكّن لبنان من استرجاع اراضيه وحماية حدوده’.
يتضح من نص المذكرة ان الحياد الايجابي الذي تدعو اليه مجرد رؤيةٍ تتطلب مسيرة تحقيقها جملةَ شروط وانجازات اهمها ‘ان يكون لبنان قويا للدفاع عن نفسه’.
لبنان ليس قويا للدفاع عن نفسه، وكيف له ان يكون قويا وقد كانت سياسة الشبكة السياسية المتحكمة بنظامه السياسي تقوم، ولعلها ما زالت، على دعوى ان ‘قوة لبنان في ضعفه’؟
ضعف لبنان المزمن، وطنيا وسياسيا وامنيا، لم يمكّنه من الدفاع عن نفسه منذ انفصاله عن سلطة الانتداب الفرنسي. فالانفصال لم يرافقه او يعقبه استقلال حقيقي. ذلك ان استقلاله كان يعني، ولعله ما زال بالنسبة الى فريق من اللبنانيين، الاستقلال عن سوريا فحسب.
لتجاوز هذا الواقع يقتضي ان تكون اولى اولويات اللبنانيين استكمال استقلال الوطن، ثم بناء دولة الاستقلال على اساس المواطنة وحكم القانون والديمقراطية والعدالة والتنمية ليتمكنوا، في رحاب وحدة وطنية حقيقية، من الدفاع عن الاستقلال والوجود الحر. بعبارة اخرى، تحقيقُ الاستقلال الوطني وحمايته وبناء دولته المدنية الديقراطية القادرة والعادلة اولويةٌ مطلقة تتقدم اي مطلب اخر.
اذ يبدو لبنان ضعيفا، متفككا وغير قادر على حماية استقلاله واسترجاع اراضيه والدفاع عن حدوده، فان كل دعوة لحياده او تحييده، ولاسيما مع استمرار الحرب في سوريا وعليها وتداعياتها المدمرة، تدخل في دائرة المحال او في باب التمنيات. فمن لا يقدر على الاقل لا يقدر على الاكثر. وعليه، يكون تحصين لبنان مطلوبا وممكنا لكن تحييده في وضعه الراهن مستحيل.
الحقيقة ان البطريرك الراعي واخوته المطارنة يدركون بعمق خطورة الازمة الراهنة وتداعياتها المصيرية، بدليل تضمينهم مذكرتهم الوطنية نداء حارا الى اللبنانيين بان ‘يعوا ان اي مشروع وطني لا يمكن ان يتجذر في الواقع الا اذا انتج دولة عادلة وقادرة ومنتجة في كيان مستقر يخدم الانسان… والا يكون المشروع الوطني غير قابل للتطبيق، والكيان دائم الاهتزاز، والمواطن في مهب الريح’. لذلك اعتبرت المذكرة ‘ان الخروج من الازمة الراهنة لا يكون الا بالعودة الى المصلحة الوطنية العليا على اسس الميثاق والدستور، لان لبنان (…) يحتاج الى حوار شفاف وصريح يُفضي الى سلام داخلي حقيقي، والى تحديد الاولويات للنهوض به. وهاتان المسؤوليتان ملقاتان على عاتق رئيس الجمهورية الجديد…’.
في تحديد الاولويات اكّدت المذكرة على ‘استكمال بناء سلطة الدولة داخليا وبسطها على كل الاراضي اللبنانية، ووضع قانون انتخابي جديد وفق الميثاقية اللبنانية، واقرار اللامركزية الادارية الموسعة وتطبيقها، واستكمال تطبيق اتفاق الطائف او النظر في ما يجب ايضاحه او تفسيره او تطويره في ضوء التجربة المعاشة، بما في ذلك صلاحيات رئيس الجمهورية، وتأليف حكومات كفيّة (…) تنهض بالاقتصاد الوطني وتحقق المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافح الفقر والبطالة…’.
للخروج من الازمة تدعو المذكرة، اذا، الى ‘حوار شفاف وصريح’، والى ‘تحديد الاولويات’. تقول: ‘ان هاتين المسؤوليتين ملقاتان على عاتق رئيس الجمهورية الجديد’. بعبارة اخرى، لا سبيل او لا فائدة من تأليف حكومة جديدة تخلف حكومة نجيب ميقاتي المستقيلة والقائمة بتصريف الاعمال، وان المصلحة الوطنية تقضي بمباشرة الحوار الوطني بالسرعة الممكنة للتوافق على رئيس جمهورية جديد او المبادرة الى وضع قانون انتخابي جديد لتجري على اساسه انتخابات نيابية، وليقوم المجلس النيابي الجديد بانتخاب رئيس الجمهورية، وبالتالي تأليف الحكومة بغية تنفيذ الاولويات المتفق عليها.
هذه المقاربة واقعية ومنطقية ويقتضي اعتمادها، فمن تراه يبادر الى وضعها موضع التنفيذ؟
الجواب: هي مهمة جميع المســـؤولين في السلطة، كما مهمة مسؤولي القوى الوطنية الحية خارجها. ولعل الخطوات العملية المطلوب اتخاذها في هذا السبيل هي الخمس الاتية:
اولا، الكفّ عن محاولة تأليف حكومة جديدة قبل انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في 25/5/2014 لاستحالة ذلك وفق موازين القوى البرلمانية الراهنة من جهة، ولاستمرار الازمة السورية وانعكاساتها على لبنان من جهة اخرى.
ثانيا، مبادرة الرئيس سليمان الى الدعوة لطاولة حوار وطني بتركيبة جديدة تضم، الى اعضاء الطاولة القديمة، ممثلَين اثنين عن كلٍ من: هيئة التنسيق النقابية، الاتحادات والجمعيات النسائية، الهيئات الاقتصادية، لقاء القوى والاحزاب الوطنية والحركة الوطنية للتغيير الديمقراطي والمؤتمر الوطني للانقاذ (مجتمعين)، واتحاد الكتاب اللبنانيين. واذا امتنع الرئيس سليمان عن تشكيل طاولة الحوار بصيغتها الجديدة ودعوتها الى الاجتماع، فان في وسع الرئيس نبيه بري ان يتولى هذه المهمة.
ثالثا، في حال انتخاب رئيس جمهورية جديد او عدم انعقاد طاولة الحوار او عدم صدور توصيات عنها، تقوم حكومة ميقاتي بحكم ايلولة السلطة اليها، بما في ذلك صلاحيات رئيس الجمهورية، بالمبادرة الى وضع قانون انتخابات جديد على اساس لبنان دائرة انتخابية واحدة واعتماد نظام التمثيل النسبي او نظام ‘لكل ناخب صوت واحد’، واحالته بصيغة المعجل على مجلس النواب وفق احكام المادة 58 من الدستور ليصار الى اصداره بمرسوم اذا تعذر على المجلس الانعقاد لاخذ العلمٍ به او لتعذر البت به خلال مدة الاربعين يوما المنصوص عليها.
رابعا، تقوم حكومة تصريف الاعمال خلال المدة التي يحددها القانون الجديد باجراء الانتخابات، وذلك باشراف المنظمات غير الحكومية العالمية المختصة بحقوق الانسان والحريات العامة، وحتى باشراف الامم المتحدة اذا اقتضى الامر.
خامسا، ينتخب المجـلس النــــيابي الجديد، وقد اضحى له طابع تأسيسي، رئيس الجمهورية الذي يقوم لاحقا باجراء الاستشارات النيابية اللازمة لتأليف حكومة جديدة تتولى تحصين الوطن والدولة بتنفيذ الاولويات المتفق عليها.
قد تبدو هذه المبادرات والاجراءات، في منظور تجارب الماضي التقليدية العقيمة، ثورية وصعبة التطبيق. لكنها ليست كذلك في منظور الظروف الاستثنائية التي تستوجب قرارات استثنائية وشرعية استثنائية.
اجل، للقرارات الاستثنائية في الظروف الاستثنائية مشروعية وحصانة نابعة من طبيعة المرحلة ومتطلباتها الاستراتيجية.
ثم، أليس لليل النظام الفاسد اخِر؟

‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية