تحطم المروحية يكشف عن تقادم “الرقابة العسكرية” وعن كسور في المعايير الأخلاقية لدى القيادات الإسرائيلية

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”:

أثارت حادثة سقوط مروحية عسكرية في عرض البحر مقابل ساحل حيفا ليلة الإثنين موجة انتقادات إسرائيلية واسعة في وسائل الإعلام وفي منتديات التواصل الاجتماعي بعدما أقدم عدد من المسؤولين الإسرائيليين على الكشف عن بعض تفاصيل وملابسات الحادثة قبل أن يصدر الناطق العسكري بيانا حولها وفيما كانت الرقابة العسكرية تحظر النشر.

وكانت مروحية إسرائيلية قد اشتعلت في الجو وسقطت في البحر وفق شهود عيان كانوا في موقع قريب على الساحل مما أدى لمقتل ضابطين برتبتي مقدم ورائد وإصابة ضابط ثالث برتبة نقيب بجراح متوسطة وما زال يتلقى العلاج في مستشفى “رمبام” في حيفا.

وبعد وقوع الحادثة سرت شائعات حول تحطم مروحية عسكرية عند الساعة الثامنة من مساء الإثنين فيما اشتعلت منتديات التواصل الاجتماعية العبرية بالحديث عنها بتفاصيل صحيحة وغير صحيحة فيما كانت وسائل الإعلام الرسمية تلتزم الصمت في البداية قبل أن تنتقل للنشر بالتلميح وبصورة مجتزأة في محاولة للالتفاف على الرقابة العسكرية. وبعد الكشف عن تحطم الطائرة ومقتل ملاحيها الاثنين وإصابة ثالث جددت وسائل الإعلام الإسرائيلية انتقاداتها لمؤسسة الرقيب العسكري وللناطق بلسان جيش الاحتلال ووجهت اتهامات لهما بالتقادم وعدم مواءمة وسائل عملهما لعصر الإعلام الرقمي.

وتساءلت الإذاعة العبرية العامة في هذا السياق كيف يمكن أن يبقى الرقيب العسكري يحظر نشر ما بات معروفا عند الجميع من خلال منتديات التواصل الاجتماعي؟ كما تساءلت لماذا لا تسمح الرقابة العسكرية بنشر المواد بالتدريج ولماذا لا يخرج الناطق العسكري ببيان أولي يتبعه بيانات أخرى تضع الإسرائيليين بالصورة الحقيقية لما حدث من خلال ما يمكن من معلومات ولو أساسية بدلا من الإبقاء على حالة عبثية وعقيمة فيما الإسرائيليون يعلمون بما جرى دون تفاصيل دقيقة بواسطة الوسائل الرقمية بينما تمنع وسائل الإعلام من ذلك.

وتكررت التساؤلات حول جدوى عمل الناطق بلسان الجيش وطريقة عمل الرقابة العسكرية وفرضها منع النشر على وسائل الإعلام ريثما يتم الانتهاء من استكمال الاطلاع على صورة ما جرى ولكن منتديات التواصل الاجتماعي محررة من هذه القيود فكل شخص تواجد ساعة الحادثة عند ساحل البحر ومعه جهاز هاتف بوسعه أن يتحول إلى “صحافي” دون الالتزام بمعايير المهنة وبالتالي نشر معلومات مغلوطة أو حساسة ومضرة.

تقادم عمل مؤسستي الناطق العسكري والرقابة العسكرية

وهكذا انتشر النبأ بينما وسائل الإعلام العبرية بقيت في تغطياتها متلعثمة وتنشر تلميحات ومواد مجتزأة وغير مفهومة أحيانا وهذه برأي كثير ممن وجهوا الانتقادات صورة غير منطقية وعقيمة وعبثية تتسبب ببلبلة وقلق زائد لدى جمهور الهدف. والأنكى من ذلك هو سماع عائلات الضحايا بحادثة سقوط مروحية دون معرفة إذا ما كان أبناؤهم هم من تورطوا بالحادثة حتى جاء التبليغ الرسمي في ساعة متأخرة ليلة أمس وهذا ما اعتبرته أوساط إسرائيلية استخفافا بالموت وبتضحيات العسكريين وقلة مسؤولية مريعة.

وقد روى والد الضابط القتيل من حيفا أنه وعائلته علموا بالحادثة بعد دقائق من وقوعها عبر منصات التواصل الاجتماعي وكشف في حديث للإذاعة العبرية العامة أن هناك عددا قليلا جدا يعلمون الكثير عن المروحية التي يقودها نجله وهي من طراز “الوطواط” أو “الخفاش” مما أدخل العائلة بحالة ضغط شديد وكذلك بقية عائلات الملاحين الذين يقودون مثل هذه المروحيات المستخدمة عادة في سلاح البحرية للقيام بجولات تفقدية فوق السواحل.

 فقدان القوة والاقتداء

بالإضافة إلى الفوضى في منتديات التواصل الاجتماعي الإسرائيلية برز فقدان القدوة والاقتداء لدى المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين مما أجج الانتقادات حجما وحدة بعدما قام النائب رام بن براك (حزب “هناك مستقبل”) رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست ونائب سابق للموساد بالقول من على منصة الكنيست وقبل السماح بالنشر إن مروحية قد تحطمت وإن كافة قادتها نجوا وهم بحالة جيدة ليتضح لاحقا أن اثنين قتلا وأصيب الثالث.

ولم يتوقف بن براك عن الحديث إلا بعد مقاطعات وتوبيخات من نواب إسرائيليين دعوه للكف عن الحديث لأنه ينتهك تعليمات الرقابة العسكرية. كما تبعه عضو المعارضة عن حزب “الليكود” النائب دودي امسالم الذي كشف خلال اعتلائه منصة الكنيست بعد ساعة من الحادثة وقبل السماح بالنشر عن موت الضابطين بالقول “وصلني الآن نبأ مقتل ضابطين.. إلخ”. وقبلهما كان جنرال إسرائيلي في الاحتياط أيضا قد سارع للكشف عن معلومات حول الحادثة قبل السماح الرسمي بالنشر عنها.

رحلة استجمامية

لا يمكن التمعن بذلك بمعزل عن سلوكيات مشابهة في الحلبة السياسية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة آخرها تورط رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت نفسه بدعوة الإسرائيليين لعدم السفر لخارج البلاد بسبب تفشي متحور جديد من وباء الكورونا وفي اليوم التالي سافرت زوجته وأولاده الأربعة معها إلى بحر الكاريبي في رحلة استجمامية.

يدلل مثل هذا السلوك على قلة المسؤولية وفقدان القدوة لدى القيادات الإسرائيلية في الفترة الأخيرة بعكس الماضي علاوة على تورطهم غير المسبوق بخلط الحابل بالنابل، خلط بين مصالح عليا وبين مصالح حزبية وشخصية وتجلت مثل هذه السلوكيات بفظاظة لدى رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو الذي سمح لألمانيا ببيع غواصات متطورة جدا للجيش المصري واقتناء غواصات أخرى لسلاح البحرية الإسرائيلية رغم عدم حاجته لها ورغم أن المؤسسة الأمنية وقتها استغربت موقف نتنياهو.

ولاحقا كشف تحقيق تلفزيوني للقناة 13 أن نتنياهو سمح للشركة الألمانية بكسر تفاهم سابق يحظر بيع غواصات لجيش عربي دون موافقة إسرائيل وكذلك أمر الجيش الإسرائيلي باقتناء ثلاث بوارج متطورة رغم عدم حاجته لها وتبين أيضا أن المحامي الوسيط في صفقتي البيع هو ابن عمه مما يثير شبهات بوجود فساد مالي، وعلى خلفية ذلك طالبت جهات إسرائيلية كثيرة بلجنة تحقيق رسمية بـ”المساس بقدس أقداس الأمن الإسرائيلي” كما قالت هذه الجهات الإسرائيلية.

بحالة نفسية صعبة

ويستدل من التغطيات الإسرائيلية لحادثة المروحية أن الجيش لا يكتفي بشهادة الضابط الجريح الناجي من التحطم خاصة أنه بحالة نفسية صعبة كما قال مدير مستشفى “رمبام” في حيفا الذي نقل عن الضابط قوله جملا قصيرة مفادها أنه نجح بالإفلات من داخل قمرة الطائرة وغاص أربع مرات رغم جراحه في محاولة لإنقاذ زميليه العالقين داخل المروحية الغارقة.

كما كشف أن القاعدة العسكرية التي تتبع لها المروحية تلقت مكالمة هاتفية قصيرة من الضابط الناجي من الحادثة يبلغ فيها عنها. وهذه المكالمة هي تلميح إلى أن خللا تقنيا حصل وأسقط المروحية العسكرية ودفع الضابط المذكور للتبليغ بها، كما قال قائد سلاح الجو الإسرائيلي سابقا إيتان بن إلياهو للقناة العبرية 12 مرجحا أنه بسبب العتمة انصرفت أنظار الثلاثة عن الاقتراب الخطير من سطح البحر في محاولة لتصليح العطل التقني وتابع “لكن هذه مجرد تخمينات وتقديرات فالجيش يمضي ببناء لوحة معلوماتية فسيفسائية وسيصل للحقيقة لاحقا خاصة بعد أن يتعافى الضابط الجريح الناجي من حادثة الارتطام بالبحر”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية