إسطنبول – الأناضول: من بين 17 دولة في العالم تعاني من الإجهاد المائي توجد 11 منها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
هذا الوضع دفع عدداً من البلدان العربية إلى اللجوء إلى تحلية مياه البحر لسد العجز المائي المتفاقم بسبب زيادة عدد السكان والجفاف الناتج عن التغير المناخي.
ووفقاً لتقرير صدر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “إسكوا” في مارس/آذار الماضي فإن 90 في المئة من سكان الوطن العربي يعانون من ندرة المياه.
يتوقع علماء المناخ أن يرتفع متوسط درجات الحرارة في الشرق الأوسط بمقدار 5 درجات مئوية مع نهاية القرن الحالي، ما سيجعل أجزاء من هذه المنطقة غير صالحة للعيش البشري، إذا لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة لمواجهة الفقر المائي وتجنب نشوء حروب على مصادر المياه.
وإذا كان رئيس الحكومة الفرنسي جورج كيلومنصو تنبأ خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) بأن “كل قطرة نفط تعادل قطرة دم”، فإنه إذا لم تسارع الدول العربية لإيجاد حلول لأزمة المياه فإن “كل قطرة ماء ستعادل قطرة دم” في السنوات المقبلة.
والاحتقان بين مصر وإثيوبيا حول أزمة سد النهضة وتقاسم مياه النيل، والتلويح بالخيار العسكري، يمثل إشارة إنذار لما قد تؤول إليه الأوضاع في المنطقة العربية بسبب الإجهاد المائي.
ويمثل متوسط نصيب الفرد العربي من المياه 10 في المئة من المتوسط العالمي، مقابل زيادة سكانية سنوية تقدر بـ2 في المئة، وهو ضعف معدل متوسط الزيادة السكانية على مستوى العالم.
وهذه الأرقام تعني أن نصيب الفرد العربي يتراجع سنوياً بسبب الزيادة السكانية، وأيضاً بسبب تغير المناخ وتراجع الهطولات المطرية، واستنزاف المياه السطحية والجوفية.
وعلى سبيل المثال، فإن دول مجلس التعاون الخليجي بحاجة إلى زيادة مواردها المائية بنسبة 77 في المئة بحلول عام 2050، لتلبية متطلبات سكانها.
حالياً تمثل محطات تحلية مياه البحر أبرز الحلول التي لجأت إليها الدول العربية لمواجهة الجفاف وعدم كفاية المياه السطحية والجوفية لسكان المنطقة.
تستحوذ الدول العربية مجتمعة على نحو 50 في المئة من عمليات تحلية مياه البحر والمحيطات في العالم، وحصة السعودية لوحدها تقدر بـ22.2 في المئة من المجموع العالمي.
ويبلغ إنتاج السعودية مياه البحر المُحلاة أكثر من 7.9 مليون متر مكعب يومياً (70% من استهلاكها)، وفق بيانات “المؤسسة العامة للمياه المحلاة” التي تنتج نحو 75 في المئة من إجمالي إنتاج المملكة.
وتأتي الإمارات بنحو 14 في المئة من الإنتاج العالمي، أي أن بلدين عربيين فقط يستحوذان على أكثر من ثلث الإنتاج العالمي.
لكن الكويت هي أكثر الدول العربية اعتماداً على التحلية بنسبة 90 في المئة، ذلك لأن مياه الأمطار والمياه الجوفية لا تغطي سوى 10 في المئة من احتياجات السكان، والاستخدامات الصناعية والزراعية.
ولا تختلف سلطنة عمان كثيرا عن الكويت، إذ تعتمد بنسبة 86 في المئة على تحلية مياه البحر.
أما قطر فقد ضاعفت إنتاجها من تحلية مياه البحر أربعة أضعاف خلال العشرين سنة الماضية.
ومنذ بداية القرن الحالي أنفقت الدول الخليجية مجتمعة 33 مليار يورو لإنشاء 550 محطة لتحلية مياه البحر، ما ساهم في ازدهار العمران والمساحات الخضراء المروية في منطقة يسود أغلب أرجائها مناخ صحراوي قاس.
ولكن الأمر لم يقتصر على دول الخليج، فمصر إحدى الدول التي تعاني من فقر مائي قد يتفاقم لأن حصتها التاريخية من مياه نهر النيل التي تفوق 55 مليار متر مكعب سنوياً قد تكون مهددة بعد اكتمال سد النهضة الإثيوبي، الذي يقام على نهر النيل الأزرق، أحد روافد النيل.
وحالياً تعاني مصر من عجز مائي شديد يصل إلى نحو 42 مليار متر مكعب سنوياً، وفق تصريح صحافي للدكتور نادر نور الدين، الأكاديمي المتخصص في كلية الزراعة في جامعة القاهرة.
هذا الوضع الحرج دفع البلاد للتوسع في مشاريع تحلية مياه البحر، حيث يبلغ عدد المحطات القائمة 63 محطة، بطاقة إنتاجية إجمالية تصل لـ 799 ألف متر مكعب يومياً، وفق وسائل الإعلام المحلية.
ووضعت البلاد خطة لمضاعفة قدراتها في تحلية مياه البحر لتبلغ 3.35 مليون متر مكعب يومياً بحلول عام 2025، ثم إلى 8.85 مليون متر مكعب يومياً بحلول عام 2050.
وفي الجزائر، التي تواجه حالياً موجة جفاف، أمر رئيسها عبد المجيد تبون في أبريل/نيسان الماضي بوضع مخطط إستراتيجي استعجالي لتعميم محطات تحلية مياه البحر على امتداد شريطها الساحلي، البالغ أكثر من 1600 كلم.
وتمتلك الجزائر حالياً 24 محطة تحلية مياه البحر، تنتج نحو 2.2 مليون متر مكعب يومياً، تمثل 18 في المئة من مياه الشرب المستهلكة سنوياً.
ومن المرتقب أن تدخل 7 محطات جديدة حيز الإنتاج مطلع 2024، ما سيرفع إنتاج محطات تحلية مياه البحر إلى 3.7 مليون متر مكعب يومياً.
إضافة إلى ذلك تعتزم إنشاء 5 محطات كبيرة لرفع الإنتاج إلى 5.5 ملايين متر مكعب يومياً.
وإلى جانب دول الخليج الستة ومصر والجزائر، فإن الأردن يعتزم تنفيذ مشروع لتحلية مياه البحر الأحمر عبر جر 300 مليون متر مكعب من خليج العقبة إلى محطات لمعالجة المياه في الشمال، بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 3 مليارات دولار، لكن إيجاد مصادر تمويل المشروع يواجه صعوبات.
ويسعى المغرب لإنجاز محطتين كبيرتين لتحلية مياه البحر، لتضاف إلى محطات صغيرة قائمة تنتج مجتمعة 147 مليون متر مكعب في السنة، أو ما يعادل نحو 400 ألف متر مكعب يومياً.
كذلك تخطط موريتانيا لدخول مجال تحلية مياه البحر.
غير أن أهم العقبات أمام التوسع في بناء محطات التحلية هي عقبة التكلفة المرتفعة لإنشاء المحطات وتشغيلها، رغم أن تكنولوجيا التحلية تطورت وقلصت سعر إنتاج المتر المكعب الواحد إلى 0.34 دولار، وهو سعر مرتفع للغاية.
كما تكلفة التشغيل غير مستقرة، ومن الممكن أن ترتفع خاصة إذا ارتفعت أسعار الطاقة، التي تستخدم في تشغيل محطات التحلية، ما يؤثر على تكلفة إنتاج المتر المكعب من المياه.
فدول غير نفطية مثل تونس والأردن، تجد صعوبة في تمويل مشاريع تحلية مياه البحر، التي تتطلب مليارات الدولارات.
كما التوسع في إنشاء محطات تحلية مياه البحر يطرح إشكالات بيئية، خاصة بالنسبة لتصريف مخلفات المياه المحلاة (محلول الملح)، والذي تفوق نسبة ملوحته ضعف ملوحة مياه البحر، ويمكنه قتل الحياة المائية القريبة.
كما يمكن لمحطات تحلية البحر قتل الأسماك عندما يتم حصرها أمام مصافي تحمي صمامات دخول المحطات، ويمكن أيضاً أن تمتص الكائنات الحية الصغيرة مثل البكتيريا والعوالق ما يهدد الحياة البحرية.
ووفق تحقيق لموقع “ذي كونفرسيشن” الأمريكي فإن لجنة كاليفورنيا الساحلية رفضت في مايو/أيار 2022 بالإجماع إنشاء محطة لتحلية مياه المحيط مقترحة بقيمة 1.4 مليار دولار في هنتنغتون بيتش، ويرجع ذلك جزئياً إلى تأثيرها المحتمل على الحياة البحرية.
وهذه الإشكالات البيئية، تتطلب إيجاد حلول من قبيل استخدام الطاقات المتجددة كأشعة الشمس وقوة الرياح في تشغيل محطات التحلية، وتصريف مياه البحر والمياه العادمة وفق شروط بيئية صارمة.