الناصرة-“القدس العربي”: تسود حالة ترقب قبيل تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة بعد ما قدم رامي الحمد الله استقالته وترافقها تكهنات حول دوافع الاستقالة وهوية الحكومة الجديدة. وأعرب رئيس الوزراء رامي الحمد الله خلال جلسة مجلس الوزراء الأسبوعية التي عقدها الثلاثاء الماضي برئاسته، عن تقديره، وتقدير أعضاء الحكومة لثقة ودعم سيادة الرئيس والقيادة الفلسطينية للحكومة طيلة فترة عملها. يشار إلى أن هذه كانت أول حكومة من نوعها يديرها رجل ليست له ارتباطات حزبية، بل ارتباطه الأول والأخير بالوطن فلسطين واستنهاض مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية في كل مكان وتطويرها لترتقي إلى مستوى مؤسسات الدولة. وقال الحمد الله إن الحكومة تضع استقالتها تحت تصرف سيادة الرئيس محمود عباس، وهي مستمرة في أداء مهامها وخدمة الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم وتحملها لجميع مسؤولياتها إلى حين تشكيل حكومة جديدة. وأعرب عن تمنياته بنجاح المشاورات لتشكيل حكومة جديدة في أسرع وقت ممكن، مشدداً على أن نجاح أي حكومة في إنجاز المهام التي تُكلف بها، يستدعي ثقة المواطن الفلسطيني بحكومته، ويستدعي جهداً وطنياً ودعماً صادقاً من القوى والفصائل وكافة مكونات المجتمع الفلسطيني حتى تتمكن من تجاوز الصعاب ومواجهة التحديات بإرادة وطنية صلبة، وإنجاز تطلعات الشعب الفلسطيني وطموحاته في إنهاء الانقسام، وتحقيق المصالحة الوطنية، وترسيخ بناء مؤسسات دولة فلسطين، وإنجاز الحقوق الوطنية المشروعة في إنهاء الاحتلال ونيل الاستقلال الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود عام 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس. واستعرض الإنجازات التي حققتها الحكومة في مختلف القطاعات بتوجيهات من الرئيس منذ تشكيلها بتاريخ 2/6/2014 وحتى الآن، النابعة من ضرورة تخطي أي عقبات رغم جسامتها، وبذل أقصى الجهود لإنجاز المهام، بما يعكس عمق المسؤولية الوطنية، والاهتمام البالغ، الذي أولته الحكومة لأبناء شعبنا في كافة أماكن تواجدهم على مختلف الأصعدة والمستويات، رغم الإشكالات المعقدة التي خلفتها سنوات الانقسام، وثلاث حروب مدمرة شنتها إسرائيل على شعبنا في قطاع غزة، ورغم التحديات الصعبة التي تواجهنا جراء ممارسات الاحتلال ومخططاته في الضفة الغربية بما فيها القدس. كما نوه إلى الأزمة المالية الخانقة نتيجة انخفاض الدعم الخارجي والتي استوجبت من الحكومة إعادة ترتيب أولوياتها، وإعادة توزيع مواردنا المالية المحدودة للاضطلاع بمسؤولياتها الوطنية تجاه شعبها في كافة أماكن تواجده، وتوفير مقومات الصمود والبقاء على أرض وطنه. وتابع “كذلك ومتابعة إنجاز برامج الحكومة الإصلاحية والتنموية على كافة الأصعدة، وتنفيذ سياساتها في كافة المجالات برؤية وعزيمة ابتداء من ضبط الإنفاق العام، وتعظيم الإيرادات، وتطوير قطاعات البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والتنمية والحماية الاجتماعية، والنهوض باقتصادنا الوطني، وتعزيز مبادئ الحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير والحريات العامة”.
واعتبر محللون استبدال حكومة الحمد الله بعد خمسة أعوام من عملها خطوة من عباس لتقوية سلطته، والضغط على حركة حماس لعزلها، لكن آخرين اعتبروها خطوة ستؤدي إلى تعزيز الانقسام عبر سيطرة فتح بالكامل على قيادة الضفة الغربية وحركة حماس على قطاع غزة، فيما قال آخرون إنها رغبة حركة “فتح” استجابة منها لرغبة الشارع الرافض لقانون الضمان الاجتماعي. ويرى المحلل السياسي خليل شاهين إنه ليس من الضرورة أن يقوم الرئيس عباس بتغيير الحمد الله، فالأمور لغاية الآن لم تحسم “ومن الممكن أن يتم تكليفه بتشكيل حكومة جديدة”. وعن سبب تغيير هذه الحكومة قال شاهين “الوضع الراهن لم يعد يحتمل، خاصة وأن هذه الحكومة اتخذت عدداً من القرارات، سواء فيما يخص تطبيق قانون الضمان الاجتماعي أو قرارات بشأن وقف رواتب موظفين من غزة، إضافة إلى وجود حالة من الاستوزار لدى مسؤولين”. ويرجح شاهين أن الرئيس عباس ينوي الضغط على حماس من خلال تشكيل حكومة سياسية جديدة، غير أنه أشار إلى أن هذا الأمر “يبقى مرهونا بموقف الفصائل الفلسطينية الأخرى التي أعلن بعضها رغبته في حكومة وحدة وطنية لا يغلب عليها اللون الواحد”. وكانت حركة فتح قد أعلنت أنها بدأت مشاوراتها مع الفصائل الفلسطينية، التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، لتشكيل حكومة فلسطينية جديدة، غير أن أسماء المرشحين لقيادة هذه الحكومة ما زالت غير واضحة.
ومنذ الإعلان عن الاستقالة ينشغل الرأي العام الفلسطيني بها وبالبديل المطروح، وينشغل الناس باستقالة حكومة الوفاق الوطني والمشاورات الجارية بين فصائل منظمة التحرير مع ترقب وحديث عن شكل الحكومة المقبلة وشخصياتها، وهل ستتمكن من القيام بما سيسند إليها من مهام، سواء على مستوى القضايا السياسية كما تريدها حركة فتح أو التحضير للانتخابات؟ وهل ستتمكن الحكومة المقبلة من تخطي الأزمات الداخلية وصولا إلى تحقيق أهدافها؟ حول هذا السؤال يرى الكاتب الفلسطيني ماجد سعيد إنه ورغم وجود من يرغب في القول إن الحكومة استنفدت مهامها بانهيار العلاقة مع حركة حماس وانسداد الأفق أمام المصالحة على الأقل في المدى المنظور باعتبارها حكومة وفاق وطني، إلا أن الحقيقة الجلية هي أن الجماهير الرافضة لقانون الضمان الاجتماعي هي التي أطاحت بهذه الحكومة، وأن حركة فتح عندما أوصت بتغييرها كانت تستجيب لصوت الشارع. مرجحا أن “الحكومة المقبلة التي حددت وظائفها بالتحضير للانتخابات والتصدي للمشروع الأمريكي الإسرائيلي، قد لا تبدو قادرة على إنجاز المهمة الصعبة في أي من هاتين الوظيفتين، فقضية إجراء الانتخابات تحتاج أولا إلى توافق وطني كي تتمكن من إجرائها في غزة فيما استبعاد حماس عن هذه الحكومة يمثل استبعادا لغزة من الانتخابات، وثانيا أعتقد انه لا يمكن لأي أحد أن يقبل إجراء الانتخابات دون القدس التي سيكون من الصعب اليوم الوصول إليها بعد ان اعترفت واشنطن بها كعاصمة لإسرائيل”.
ويرى الدكتور هاني العقاد أن مهمتين كبيرتين مثلتا أمام رامي الحمد الله، الأولى هي إنهاء الانقسام والعمل مع الكل الفلسطيني باتجاه تمكين الحكومة من العمل في الضفة وغزة والقدس في آن واحد وفي الوقت ذاته الانتقال بالفلسطينيين من السلطة إلى الدولة في أقرب وقت ممكن. ويقول إن الكثيرين يعيبون على الحمد الله ويختلقون السلبيات ويسجلونها ولا يتحدثون بالمطلق عن نزاهته وقدرته على قيادة الحكومة في أوقات صعبة ومحبطة. لافتا لتسلمه خزينة خاوية بعجز مالي يبلغ مليار و200 ألف دولار وفي خمس سنوات استطاع ان يقلص العجز المالي إلى 700 ألف دولار، وتابع ” شفافيته وقدرته على الوصول بمؤسسات السلطة إلى بوابة الدولة الفلسطينية ليس بشهادتي وإنما بشهادة الاتحاد الأوروبي والممثلين الدوليين الذين اطلعوا على انجازات الرجل وقدرته على إدارة مؤسسات الدولة دون تحيز ودون تميز بل أن الكل الفلسطيني تساوى أمام حكومته”.
وقالت حركة حماس على لسان الناطق باسمها فوزي برهوم “حكومة الحمد الله كان لها الدور الأكبر في ترسيخ وتعزيز الانقسام وتعطيل مصالح شعبنا، واستقالتها تأتي في إطار تبادل الأدوار مع حركة فتح ورئيسها محمود عباس من أجل ترك المجال لتشكيل حكومة انفصالية جديدة تخدم أجندة أبو مازن وحركة فتح”. وتأتي استقالة الحمد الله في ظل احتجاجات واسعة شهدتها الضفة الغربية على قانون الضمان الاجتماعي الذي حاولت حكومة الحمد الله تطبيقه على العاملين في القطاع الخاص، وهتف محتجون خلال تظاهرة ضد هذا القانون قبل أسبوعين: “ارحل … ارحل “، في إشارة إلى الحمد الله. غير أن الرئيس الفلسطيني وقبيل البدء بمشاورات تشكيل الحكومة أصدر مرسوما رئاسيا أوقف تنفيذ القانون، وفي الوقت ذاته عبرت كثير من الفصائل الفلسطينية عن تقديرها لهذا القرار. واحتفل المئات من العمال وسط مدينة رام الله في الضفة الغربية، الإثنين، بسبب إلغاء العمل بقانون الضمان الاجتماعي.