تحليل: الكونغرس الامريكي لا يريد استمرار الحرب في العراق ولا يريد وقفها
تحليل: الكونغرس الامريكي لا يريد استمرار الحرب في العراق ولا يريد وقفها واشنطن ـ من مارتن ووكر: في جلسة نقاش استثنائية عقدها مجلس النواب الامريكي علي مدي ثلاثة أيام، وفي جلسة غير عادية السبت الماضي لمجلس الشيوخ الامريكي، توصل المجلسان الي نتيجة محبطة وغير حاسمة. والمعني الحقيقي لهذا النقاش كان اظهار مدي برودة الجمهوريين لمتابعة الحرب علي العراق، ومدي برودة الديمقراطيين لانهائها.وموضوع النقاش كان مشروع قانون ينص علي اعلان عدم موافقة الكونغرس علي قرار الرئيس جورج بوش الذي أعلنه في العاشر من كانون الثاني (يناير) الماضي لنشر أكثر من 20 ألف جندي اضافي في العراق .وقد مر المشروع في مجلس النواب بغالبية 246 صوتاً من بينهم أصوات 17 نائباً جمهورياً مقابل معارضة 182 صوتاً. لكن المشروع لم يصل حتي الي درج مجلس الشيوخ للتصويت عليه لأن الديمقراطيين لم يكونوا قادرين علي حشد الأصوات الـ 60 اللازمة لقطع النقاش حول ما اذا كان يجب دراسة المشروع والانتقال مباشرة الي التصويت عليه.وأكثر من ذلك، فان هذا القرار غير ملزم ما يعني أن له قيمة رمزية فقط، ولا يمكن أن يقيّد الرئيس أو تصرفاته في الحرب بأي شكل من الأشكال. واذا كان الكونغرس يريد حقاً انهاء الحرب في العراق، كان بامكانه القيام بما قام به في فيتنام عبر وقف تمويل العمليات الحربية. وحتي في فيتنام، انتظر الكونغرس عودة الجنود الامريكيين الي البلاد لاصدار قرار انهاء الحرب.غير أن الديمقراطيين يخشون أن يكون تصويتهم علي قرار وقف التمويل سبباً في غضب أنصارهم الذين قد يعتبرونه قراراً ضد الجنود الامريكيين، الأمر الذي قد يتسبب أيضاً باطلاق الحملة الجمهورية التقليدية ضد الديمقراطيين بحجة أنهم مرنون في قضايا الأمن القومي.وبالمقابل، يخشي الجمهوريون أن يكون التصويت الي جانب الحرب أو علي الأقل التصويت لدعم قرار الرئيس نشر قوات اضافية في العراق، سبباً في ارتداد الناخبين عليهم في الانتخابات المقبلة الذين يرغبون في معاقبة المرشحين المرتبطين أو المقربين من الرئيس بوش ومغامرته الفاشلة في العراق. والملفت أن خمسة من أصل سبعة شيوخ جمهوريين صوتوا الي جانب الديمقراطيين يواجهون حملة اعادة انتخابهم في العام المقبل.وقرر مجلس الشيوخ في نهاية الأمر عدم مناقشة المشروع وعدم التصويت عليه.وقرر المجلس ذلك علي الرغم من تصويت 56 شيخاً الي جانب مناقشته ومعارضة 34 شيخاً، لأنه وفقاً لقانون مجلس الشيوخ المؤلف من 100 عضو، فان 60 صوتاً هي الضرورية لاجبار مجلس الشيوخ علي مناقشة أي مشروع قرار يقدم اليه. لذا فالدراما الكبيرة التي كانت أمام المجلس السبت الماضي، حول ما اذا كان يجب عليه أن يدرس أو يتجاهل قرارا رمزيا، ولم تكن المسألة حول مناقشة المشروع أو عدم التصويت عليه خاصة وأنه لن تترتب عنه أي نتائج.وفي أوقات كهذه، من المفيد العودة الي التحليل الذي قدّمه المنظر السياسي البريطاني ومؤسس مجلة ايكونوميست والتر باغيهوت حول الملكية الفيكتورية في بريطانيا نسبة الي الملكة فيكتوريا التي حكمت بريطانيا بين العامين 1837 و1901.ونظرية باغيهوت تشير الي وجود دورين مختلفين علي الملك أو الملكة ممارستهما، والتمييز بوضوح بين المهام المفيدة والأخري الصورية .فعلي سبيل المثال، فان توقيع الملكة كان ضرورياً في الممارسة لوضع القوانين التي تصدر عن البرلمان موضع التنفيذ، وموافقتها من حيث المبدأ علي قرارات الحكومة لتعيين القضاة وكبار الضباط ومجلس اللوردات والي ما هنالك.وفي الواقع، فان هذه القرارات تتخذها الحكومة التي أبقت علي خرافة أنها تحكم باسم الملكة. وهذه الخرافة مستمرة حتي يومنا هذا واللقب الرسمي لرئيس الحكومة البريطانية توني بلير هو اللورد الأول لخزينة جلالة الملكة .وهذه الخرافة مفيدة اذ أنها ترسم خطاً واضحاً بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة، الأدوار التي تتناقض في الرئاسة الامريكية. وهذا يعني أنه في حين أن بريطانيا قادرة علي التخلّص من رئيس حكومة دون أن يؤدي ذلك الي التأثير علي سفينة الدولة بالاجمال، لأن الملك أو الملكة يضمن استمراريتها، ففي الولايات المتحدة من الصعب والمروع التخلّص من رأس الحكومة لأن ذلك يعني التخلّص من رأس الدولة. ان المعاناة الامريكية نتيجة ووترغيت وحول كيفية التخلّص من سياسي فاسد مع المحافظة في الوقت نفسه علي كرامة الرئاسة، تلقي الضوء علي هذه المسألة.لقد ذكرتنا ادارة الرئيس بوش تكراراً بأن الرئيس ليس مجرد رأس الدولة، بل أيضاً القائد الأعلي للقوات المسلحة. وقد تم التشديد علي هذه الناحية لأنها تتيح لمناصري الرئيس الزعم بأن أي انتقاد له في حالة الحرب تقوّض من قدرة القائد الأعلي للقوات المسلحة وهذا الأمر بالتالي غير وطني ويحبط الجنود.غــــير أن الدستور الامريكي الذي ينص بوضوح علي أن صلاحية اعــــلان الحرب وتوقــيع اتفاقية سلام هي مسؤولية مشتركة بين الرئيس والكونغرس، ويتطلب موافقة الكونغرس علي ميزانيات الانفاق لدفع أموال القوات المسلحة وشراء الذخائر في أوقات الحرب الحقيقية.وكان الكونغرس قد قال انه سيجيز صرف الأموال الي القوات حتي لو أنه لا يحب الرئيس، وسياسته في العراق، أو طبيعة ونتائج الحرب التي يساعدون علي استمرارها. ان أعضاء الكونغرس يتقاضون أموالهم لاتخاذ قرارات صعبة تتعلق بالسياسة الوطنية، لكن تنقصهم الشجاعة والقناعة لممارسة ما يريدون، فقرروا التهرّب من هذه المسؤولية في هذه القضية.وباختصار، انهم يفشلون اختبار باغيهوت. انهم في هذه الحالة ليسوا صوريين ولا مفيدين. وفي حين أن واجباتهم الدستورية تنص علي أن يكونوا المحاسبين والمراقبين في النظام السياسي المنحوت بعناية والذي يسعي لمنع أي ذراع من الأذرع الثلاث للحكم – التنفيذية والتشريعية والقضائية ـ من الحصول علي المزيد من السلطة، فانهم جعلوا من أنفسهم عاجزين من خلال محاسبة ومراقبة أنفسهم.هذه ليست طريقة لخوض الحروب ولا هي طريقة لانهائها. (يو بي آي)