تحليل: تراجع العائدات النفطية يمهد لتآكل الاحتياطيات النقدية لدول الشرق الأوسط وشمال افريقيا

حجم الخط
0

أنقرة/إسطنبول- الأناضول: تواجه اقتصادات الشرق الأوسط خطر تآكل احتياطاتها النقدية، التي تراكمت خلال أكثر من عقدين من التحسن المتزايد في أسعار النفط الخام، بسبب زيادة الطلب العالمي. لكن أسعار النفط الرخيصة منذ بدء ظهور تداعيات انتشار وباء كورونا دفعت اقتصادات البلدان المنتجة للنفط في الشرق الأوسط، التي تعتمد بشكل كبير على العائدات المالية لصادراته، نحو الركود، مما يدفعها إما إلى الاستدانة، أو السحب من احتياطياتها النقدية، أو كليهما معا.
وتحتاج معظم البلدان المنتجة للنفط في الشرق الأوسط وشمال افريقيا إلى أسعار نفط بين 60 إلى 85 دولارا وربما أكثر بكثير، لتحقيق التوازن في ميزانياتها. فنيجيريا مثلا تحتاج إلى سعر 144 دولارا لبرميل خام برنت في المتوسط، لتحقيق توازن في ميزانيتها لهذا العام، بحيث تتساوى الإيرادات مع النفقات. أما البحرين فتحتاج إلى سعر 96 دولارا للبرميل، وفقا لبيانات وكالة التصنيف العالمية «فيتش».
ومع أن السعودية، صاحبة الوزن الثقيل في منظمة الدول المُصَدِّرة للنفط «أوبك»، وأكبر مُصدِّر للنفط الخام في العالم، لا تفصح عن سعر البرميل الذي يحقق التوازن في ميزانيتها، إلا ان الخبراء يُقدِّرون ذلك بـ91 دولارا للبرميل، في حين تحتاج عُمان إلى 82 دولارا للبرميل، والإمارات إلى 65 دولارا للبرميل، وقطر إلى 55 دولارا للبرميل. أما الجزائر فتحتاج إلى سعر قدره 109 دولارات للبرميل، وأنغولا 55 دولارا للبرميل، وفقا لبيانات «صندوق النقد الدولي». وتظهر البيانات أن فنزويلا وليبيا يحتاج كل منهما إلى سعر يبلغ 100 دولارا للبرميل الواحد لتحقيق التوازن في ميزانيتيهما هذا العام، كذلك العراق يحتاج لسعر لا يقل عن 60 دولارا للبرميل وإيران 195 دولارا للبرميل الواحد. وبالنسبة للدول غير الأعضاء في «أوبك» مثل روسيا والمكسيك وكازاخستان، فإنها على التوالي تحتاج إلى متوسط سعر 42 دولارا، و49 دولارا، و 58 دولارا هذا العام لتحقيق التوازن في ميزانياتها، ما يجعلها أقل تضررا من انهيار أسعار النفط.
ووفقا لـ»معهد التمويل الدولي»، فإن من المتوقع أن تشهد البلدان المنتجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا انخفاضا في معدلات النمو الاقتصادي عام 2020، بسبب انهيار أسعار النفط. وتشير التقديرات إلى أن معدل النمو الاقتصادي للسعودية سيبلغ 0.7 في المئة فقط هذا العام، بانخفاض عن التوقعات السابقة البالغة 2 في المئة. كذلك انخفضت توقعات النمو الاقتصادي في الكويت من 2.8 في المئة إلى 0.8 في المئة، بينما تنتظر الإمارات نموا بنسبة 0.6 في المئة، بعد أن كانت 1.9 في المئة. ومن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد العراقي بنسبة 0.3 في المئة، بدلا من أن ينمو بنسبة 3.2 في المئة؛ ويتوقع ايضا أن يتقلص الاقتصاد الإيراني بنسبة 8.4 في المئة هذا العام، بدلا من 5.1 في المئة. وإذا بلغ متوسط أسعار النفط 40 دولارا للبرميل هذا العام، فقد تشهد 9 بلدان مصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا انخفاضا في إيرادات تصدير المنتجات الهيدروكربونية ما مجموعه 192 مليار دولار، حسب تقديرات «معهد التمويل الدولي».
ويقول مارك روسانو، محلل الطاقة في شركة «برايمَري فيجِن» الأمريكية «الفائض في المعروض يتزايد بشكل كبير مع بقاء المصافي في حالة ركود، لدينا انخفاض في الطلب بنحو 38 مليون برميل في أمس».
ويشير إلى أن الصين ألغت بالفعل 10 شحنات نفطية من السعودية كانت مقررة للشهرين الحالي والمقبل، ويبدو أن هناك إلغاءات أخرى لشحنات من نيجيريا وأنغولا وروسيا والعراق. ويضيف أنه مع انخفاض الطلب على النفط، ووفرة المعروض منه في سوق النفط العالمية، فإن أسعار النفط قد تبقى دون 30 دولارا للبرميل. ووفقا لروسانو، فإن انخفاض أسعار النفط سيكون أشَدّ إضراراً بالسعودية والعراق وإيران ونيجيريا وأنغولا. ويوضح أن الإمارات وقطر والكويت محميات أكثر بفضل صناديق الثروة السيادية لديها. ويضيف «لن تتضرر قطر بنفس قدر تضرر بقية الدول الخليجية، رغم أن 2020 سيكون عاما خاسرا بالنسبة للغاز الطبيعي المسال. ومع ذلك، فإن المسار ما زال في صالحها على المدى الطويل». من جهة ثانية يقول علي الصفار، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال افريقيا في وكالة الطاقة الدولية، أن بعض الدول ستكون مجهزة بشكل أفضل للتعامل مع فترة انخفاض أسعار النفط من غيرها.
ويضيف «بالنسبة للمنتجين الكبار نسبيا ولديهم أحجام سكانية متواضعة، مثل الكويت والإمارات وقطر، ستوفر المدخرات المالية الكبيرة بعض الحماية من الضغوط المالية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط». ويرى أن الدول المصدرة للنفط والغاز ستحتاج من أجل تجاوز أصعب أزمة تواجهها إلى الاستعمال الرشيد للاحتياطيات وإدارة العجز الناجم عن تراكم الديون. ويضيف «لكن على المدى الطويل، هناك حاجة إلى إعادة النظر في الهيكل الاقتصادي، بما العمل على تحفيز القطاع الخاص للعب دور أكبر في اقتصاداتها للحد من اعتمادها الكلي على عائدات النفط والغاز».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية