تحليل: تمديد الطوارئ في مصر انتكاسة ديمقراطية ونذير بمزيد من التصعيد الأمني ضد المعارضة
سياسة الحكومة تنسج مقدمة للتوريث وتمنع ظهور منافس للاخوان تحليل: تمديد الطوارئ في مصر انتكاسة ديمقراطية ونذير بمزيد من التصعيد الأمني ضد المعارضةلندن ـ القدس العربي ـ من خالد الشامي:اعتبر محللون ان قرار الحكومة المصرية بتمديد قانون الطوارئ لمدة عامين يشير الي انتكاسة في الاصلاحات الديمقراطية التي تعهد بها النظام مع اعلانه تعديل الدستور العام الماضي لاجراء اول انتخابات رئاسية متعددة في تاريخ البلاد.ويري المعارضون ان التمديد يمثل خرقا لوعد انتخابي قطعه الرئيس حسني مبارك في برنامجه الذي خاض به الانتخابات الرئاسية.ويأتي التمديد وسط ما يصفونه بحالة تشنج يعاني منها النظام في مواجهة ما اصبح يعرف بـ انتفاضة القضاة التي اعادت توحيد صفوف المعارضة المصرية وسط استياء شعبي، ما استنفر تصعيدا امنيا حكوميا تمثل في اعتقال العشرات من حركة كفاية وحزب الغد والمئات من جماعة الاخوان المسلمون الي جانب اربعة صحافيين.وتشكل الاسبوع الماضي اول تكتل برلماني اغلبه من نواب الاخوان الي جانب نواب يساريين وناصريين ووفديين ومستقلين يرفض تمديد قانون الارهاب، ما خلق اجماعا سياسيا ضد التمديد. وكانت خلافات بين الاخوان واحزاب المعارضة حالت دون تشكيل جبهة موحدة للمعارضة في الانتخابات البرلمانية الاخيرة.وقالت الحكومة ان سبب التمديد هو تمكين اجهزة الأمن من مكافحة الارهاب حتي استصدار قانون خاص لهذا الغرض. الا ان احد المعارضين يري ان تمديد الطوارئ لمدة سنتين وليس لشهرين او ستة شهور يدحض هذه الحجة، مذكرا بأن الحكومة تتحدث منذ سنوات طويلة عن استصدار هذا القانون الخاص بمكافحة الارهاب، ولم تفعل شيئا بهذا الصدد، رغم انها قامت في مرات عديدة باعداد قوانين مهمة تم تمريرها في مجلس الشعب خلال ايام او اسابيع، ما يؤكد وجود اسباب اخري للتشبث بالطوارئ تتعلق اساسا بأمن النظام نفسه وقدرته علي قمع المعارضة وليس علي حفظ أمن البلاد كما يزعم.واستخدمت الحكومة قانون الطوارئ مؤخرا في اعتقال عدد كبير من المعارضين، وقامت بعرضهم علي نيابة أمن الدولة التي هي كيان استثنائي بدلا من القاضي الطبيعي، بينما يبقي الاف المعتقلين السياسيين بموجب الطوارئ دون محاكمة منذ سنوات طويلة. وقال رئيس هيئة السجون المصرية اللواء محمود وجدي مؤخرا ان عدد المعتقلين لا يتجاوز اربعة الاف شخص، الا ان منظمات حقوقية مصرية ودولية تؤكد ان العدد يصل الي 15 الفا.واتهمت الحكومة 15 من اعضاء حركة كفاية قبل يومين بـ اهانة رئيس الجمهورية وهذه تهمة لم توجه الي اي شخص منذ نهاية العهد الملكي في 1952، وكانت تسمي قبل ذلك بـ العيب في الذات الملكية .وتجاهلت الحكومة اعتراضات واسعة من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية الرئيسية في البلاد علي تمديد الطوارئ، بينهم شخصيات مثل الاديب نجيب محفوظ الفائز بجائزة نوبل، الذي قال في حديث لصحيفة الاهرام قبل عدة ايام ان قانون الطوارئ اثبت فشله في حماية امن البلاد، وتمديده لأكثر من ربع قرن غير جائز في دولة ديمقراطية .وربط مراقبون تمديد الطوارئ لعامين تحديدا بقرار تأجيل الانتخابات المحلية الذي اتخذته الحكومة مؤخرا ولمدة عامين ايضا، ما يعني انها ستجري في ظل حالة الطوارئ التي قد تكون حاسمة في منع جماعة الاخوان بشكل خاص من الفوز بالعدد الضروري من المقاعد في المجالس المحلية لتقديم مرشح لرئاسة الجمهورية. ويجمع كثير من المعارضين علي ان النظام ما زال يعمل علي تأمين عملية توريث السلطة، رغم اعلان جمال مبارك اكثر من مرة عن عدم رغبته او عزمه علي الترشح للرئاسة.ويبدو ان منع الاخوان من تقديم مرشح رئاسي شرط ضروري لضمان نجاح مرشح الحزب الحاكم. وحسب الاوضاع الحالية في الحزب فان جمال مبارك يبدو المرشح الوحيد المحتمل خاصة بعد تصعيده مؤخرا الي منصب الأمين العام المساعد بالاضافة لمنصبه كأمين عام للجنة السياسات العامة التي هي الرأس المفكر للحزب والحكومة في آن.وهكذا فان كل هذه الخيوط لا يمكن ان تنسج مقدمة لتوريث السلطة في استخفاف اخر مستفز لمشاعر المصريين والشارع السياسي بكافة اطيافه، حسب وجهة نظر المعارضة.الا ان بعض المراقبين يستبعدون مخاطرة النظام بمواجهة مفتوحة مع الشارع والقوي السياسية في ظل هكذا اجواء متوترة مع الداخل والخارج اصلا بسبب ما تعتبره المعارضة قمعا امنيا غير مسبوق لفرض سياسة شراء الوقت بالمماطلة في الاصلاحات.ويستشهدون علي ذلك بسعي الحكومة حاليا الي انهاء المواجهة مع القضاء عبر التوصل الي تسوية تضمن الغاء محاكمة القاضيين هشام البسطاويسي ومحمود مكي الي مجلس تأديب، وتأجيل البت في موضوع اصدار قانون جديد يضمن استقلال القضاء، وهو ما يطالب به القضاة منذ نحو 15 عاما.واعتمدت الحكومة علي الهجوم الارهابي الاخير في دهب، والاحداث الطائفية الاخيرة في الاسكندرية لتمديد الطوارئ، الا ان الرئيس مبارك كان اشار في حديثه الشهير مع قناة العربية قبل وقوع تلك الحوادث باسبوعين الي نيته تمديد قانون الطوارئ لمدة عامين تفاديا لفراغ تشريعي بخصوص الارهاب ، وهو ما يعتبره معارضون دليلا علي عزم النظام علي التمديد علي اية حال.ومن المتوقع ان يصعد التمديد حالة الاحتقان السياسي التي تشهدها البلاد، خاصة مع دخول النظام في مواجهات مع كافة القوي السياسية والشعبية في البلاد تقريبا. فالي جانب القضاة، يعتزم الصحافيون تصعيد احتجاجهم علي عدم تنفيذ وعد الرئيس باستبعاد عقوبة الحبس من قانون النشر. ويشيرون الي ان نحو 149 صحافيا تعرضوا للحبس في ظل هذا النظام ما يناقض شعاراته حول ضمان حرية الصحافة وعدم قصف الاقلام .كما تحركت النقابات المهنية وخاصة نقابتي المحامين والاطباء مؤخرا للتضامن مع انتفاضة القضاة وقامت بمظاهرات نادرة مطالبة بالاصلاحات.وتكاثرت خلال العام الماضي في مصر الحركات الشعبية المطالبة بالاصلاحات والتغيير، فالي جانب كفاية قامت حركات مثل ادباء من اجل التغيير و 9 مارس و الحملة الشعبية من اجل التغيير وغيرها.ولكن دبلوماسيين يعتبرون ان النظام قد لا يستطيع الذهــاب بعيدا في تصعيده الامني نظرا لعوامل داخلية وخارجية ايضا تتصل اساسا بعلاقاته المتوترة بالفعل مع الولايات المتحدة، والفاترة الي حد بعيد مع الاتحاد الاوروبي بسبب تقاعسه عن تطبيق الاصلاحات الديمقراطية. ويشيرون الي ان فوز حماس لم يعد يشكل عذرا، من وجهة نظر واشنطن واوروبا، للتراجع عن الاصلاحات في مصر كما يعتقد البعض، حيث ان اصرار النظام علي قمع المعارضة يمنع ظهور بديل علماني يتمتع بشعبية حقيقية وقادر علي منافسة الاخوان ، وهذا الحال يؤدي الي تقويتهم بدلا من اضعافهم، الي جانب ان الاخوان يتميزون عن حماس في التزامهم المعلن بعدم اللجوء الي العنف، واحترام قواعد اللعبة الديمقراطية وحقوق المرأة، بالاضافة الي وجود تكهنات بتعهدهم الالتزام بمعاهدة السلام مع اسرائيل في حال وصولهم للحكم.واشار مسؤول امريكي الي ان النظام لا يخدم مصالحه بالاستمرار في قمع الاحزاب المدنية، وخاصة الليبرالية منها، كما اشارت وزيرة الخارجية الامريكية في شهادة امام الكونغرس قبل اسبوعين الي ان واشنطن ستواصل توجيه رسائل قوية للحكومة المصرية بشأن الاصلاحات معتبرة ان ذلك ضروري في التعامل معها. وكانت رايس ترد علي انتقادات من بعض الاعضاء لعدم قطع المساعدات الامريكية عن مصر ردا علي الانتهاكات التي شهدتها الانتخابات الاخيرة.ويبقي المشهد السياسي في مصر مفتوحا علي كافة الاحتمالات والمفاجآت، مع تأكيد البعض علي ان بوادر التغيير لم تكن اقوي مما هي عليه حاليا، ويبقي السؤال حول آلية التغيير، وماهية الأوضاع التي سيفضي اليها عالقا دون اجابة حاسمة.