تحليل: هل تتعلم أمريكا قواعد بيروت لمواجهة حرب أهلية في العراق؟
تحليل: هل تتعلم أمريكا قواعد بيروت لمواجهة حرب أهلية في العراق؟واشنطن ـ من مارتن سيف: لم تدرك إدارة الرئيس الامريكي جورج بوش أن الحرب في العراق قد تغيرت، ليس فقط في كثافتها القتالية، لكن في طبيعتها أيضا. قواعد بلفاست وبيروت تطبق الآن في بغداد.نظمت وزارة الدفاع في وقت سابق من هذا الشهر مؤتمرا للتخطيط بمشاركة ضباط كبار لبحث الحرب في العراق، وتم البحث في أساليب جديدة لكبح الهجمات التي يشنها المتمردون بواسطة العبوات الناسفة.لكن المشاركين قالوا ليونايتد برس إنترناشونال إنه لم يتم التطرق إلي احتمال حصول انتفاضة شيعية ضد القوات الامريكية في العراق.ويستمر المخططون الأمريكيون في اعتبار الحرب في العراق علي أنها صراع مباشر بين قبعات بيضاء وقبعات سوداء أي بين قوات الائتلاف التي تقودها الولايات المتحدة ومعها القوات العراقية الجديدة، من جهة، والتمرد السني الذي يقوده المتطرفون الإسلاميون وأنصار نظام البعث البائد، من جهة أخري.ولكن منذ تفجير مقام العسكرية الشيعي بمدينة سامراء في 22 شباط (فبرار) تبدلت طبيعة النزاع كليا. فقد بدأت الميليشيات الشيعية بقتل السنة، الأبرياء غالبا، بنسبة تفوق بأربعة أضعاف عدد قتلي الشيعة في العمليات التي تشنها التنظيمات الإرهابية السنية.والأسوأ في الأمر هو أن الميليشيات الشيعية لا تعمل باستقلالية عن الحكومة العراقية الجديدة، بل من ضمن أجهزتها وقواتها. فقد تسربت الميليشيات الشيعية إلي القوات العراقية الجديدة، العسكرية والأمنية، لتنفذ مهام لحساب قياداتها الحزبية. ويسيطر الشيعة علي المناصب الأمنية والعسكرية في الحكومة العراقية.ما حصل في العراق منذ 22 شباط (فبراير) الماضي هو تفكك المجتمع مذهبيا، ودخوله في حالة نزاع أهلي. ويشبه ذلك كثيرا ما عاني منه المواطنون في بلفاست، عاصمة إيرلندا، والعديد من مدن العالم التي تقسمت إلي جيوب مذهبية متقاتلة.وأدي ذلك إلي تغيير جذري في دينامية الصراع في العراق علي طريقة بيروت وبلفاست. تفقد الحكومة المركزية السيطرة ضمن الجيوب الطائفية أو المذهبية، وتتحول الميليشيات إلي سلطة أمر واقع في المناطق التي تسيطر عليها. فتتحول الميليشيات إلي مصدر للأمن ومشرف علي الخدمات الاجتماعية كتأمين الرعاية الصحية والمياه والكهرباء.وقد لاحظت القوة البريطانية التي لا يزيد عديدها عن 8.000 شخص في جنوب العراق هذه التغيرات بسرعة أكبر من القوة الامريكية التي تنشر 130.000 جندي في وسط وشمال الدولة العربية المضطربة. والسبب في ذلك هو أنه لدي الجيش البريطاني خبرة في التعامل مع الحرب الأهلية في إيرلندا.وإذا فقدت الحكومة المركزية ثقة المجموعات السكانية، كما حصل في بلفاست في العام 1969 وفي بيروت في العام 1975، فإنها ستحتاج إلي عقود لاستعادتها. أما المهمة الأولي لأي قوة حفظ سلام، محلية أو دولية، فستكون محاولة السيطرة علي عمليات القتل والقتل المضاد كي لا تتحول إلي حمام دم. وإذا تم تحقيق ذلك، فلا بد من إدخال الميليشيات المتقاتلة في منظومة مفاوضات وحوار تسووية لإدارة الأزمة وتأمين المتطلبات الحياتية للمجتمع بانتظار التوصل إلي حلول سياسية استراتيجية.نجح البريطانيون في تحقيق ذلك في إيرلندا الشمالية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. أما الجيش الفرنسي، وعلي الرغم من انتصاره علي قوات جبهة التحرير الوطنية الجزائرية في خمسينات القرن الماضي، فلم يتمكن من تحقيق مثل هذا التطور.أما نموذج الصراع الطائفي الأكثر خطورة، وخوفا، بالنسبة للعراق، فهو اللبننة. حيث تفكك المجتمع إلي معسكرات ميليشيوية مسيحية وفلسطينية وشيعية متقاتلة وسط تدخل مباشر من قبل سورية وإسرائيل لتذكية النزاع ورفع عدد الضحايا.ويبدو أن إيران في العراق تؤدي دور سورية وطموحاتها في لبنان في السيطرة علي الجار الأصغر المزدهر بعد إنهاك الخصم، الذي كان إسرائيل في لبنان وهو أمريكا في العراق، وإجباره علي الانسحاب.وتفرض النزاعات المركبة علي القوة الخارجية الساعية إلي فرض الاستقرار عقد تحالفات تكتيكية مع بعض الميليشيات المحلية علي حساب غيرها. لكن يجب أن تفعل ذلك بحذر، لا بتسرع كما فعلت إسرائيل بتحالفها مع المسيحيين عندما غزت لبنان في العام 1982، لأن تحالف القوة الخارجية مع قوة محلية يقود بقية القوي إلي تشكيل تحالف ضدها.قوانين بلفاست وبيروت ليست مبسطة. ليست مجرد أسود وأبيض. ولكن اتباعها يمكن أن ينقذ مئات الآلاف من الأرواح.القوات الامريكية في العراق تواجه الآن تحدي تعلم قوانين بيروت وبلفاست بسرعة . (يو بي آي)