هل من علاقة لرايس بضرب الاخوان واطاحة حماس؟
لندن ــ “القدس العربي” ـ من خالد الشامي:
كعادتها سارعت مصر امس الي ارسال وفد امني الي قطاع غزة للعمل علي احتواء التوتر الذي يتحول بالفعل الي بوادر مفزعة لحرب اهلية. اما علي الصعيد السياسي فكان ملفتا ان وزارة الخارجية المصرية اصدرت بيانا ادانت فيه اطلاق النار علي موكب رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية، رغم ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه قد تجاهل ذلك الحادث ولم يذكره في خطابه الذي دعا فيه الي اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.
ويبعث بيان الخارجية المصرية باشارة هامة تفيد بأن الدعم المصري الكامل لمؤسسة الرئاسة الفلسطينية لا يمكن ان يشمل اعمالا من شأنها دفع الوضع الامني الهش اصلا الي حافة الهاوية، وان دعم ابو مازن يأتي اصلا في اطار دعم اوسع للاستقرار، ولا يمتد تلقائيا الي كل مغامرات حركة فتح سواء علي الصعيد الامني او السياسي، وخاصة تلك التي تبدو مصممة خصيصا لإطاحة حكومة حماس بأي وسيلة ومهما كان الثمن مثل محاولة اغتيال اسماعيل هنية.
ولعل هذا يفسر احجام مصر، في العلن علي الاقل، عن التدخل في قضية اجراء الانتخابات المبكرة من عدمها. الا ان الاحداث المؤسفة والمتلاحقة التي تشهدها الاراضي الفلسطينية هذه المرة تجعل محتما ان يعيد النظام المصري حساباته وبسرعة قبل ان تصل المواجهات الامنية والسياسية والغليان في الشارع الفلسطيني الي نقطة اللاعودة.
وكان ابو مازن اشار في خطابه الي ان الاتصالات مع مصر ساهمت في ان يخرج رئيس الوزراء الفلسطيني من معبر رفح كريما وان يعود عبره كريما، متجاهلا فترة الانتظار المهينة لساعات طويلة التي جلس خلالها علي مصطبة حجرية في الجانب المصري، وهو ما اعتبره مراقبون اهانة للحكومة المصرية وليس الفلسطينية باعتبار ان هنية كان ضيفها وما زال من الناحية التقنية موجودا علي اراضيها عندما رفضت اسرائيل عودته.
صحيح ان اللواء عمر سليمان اجري اتصالات سمحت اخيرا بحل مشكلة الاموال التي كانت بحوزة هنية، ووصفها ابو مازن في سقطة رئاسية جديدة بـ المهربة، الا ان التجربة برمتها اثبتت بما لا يدع مجالا للشك ان قطاع غزة ما زال واقعا تحت الاحتلال، رغم ما اسماه ابو مازن انسحابا اسرائيليا كاملا منه في مغالطة وتبن للمنطق الاسرائيلي.
ويبدو الموقف المصري خاضعا لمحددات سياسية وامنية تتطلب الحفاظ علي توازنات دقيقة تفرضها الحقائق علي الارض من جهة، وعدم تجاوز خطوط حمراء رسمتها الولايات المتحدة لضمان تحييد الثقل المصري في المواجهة الاقليمية مع ايران من جهة اخري.
وهكذا كان استقبال رئيس الوزراء المصري الدكتور احمد نظيف لنظيره الفلسطيني حلا وسطا يعفي الحكومة من الحرج البروتوكولي دون ان يخل بالموقف السياسي الالزامي، الا ان هذا قد تطور من التهرب من لقاء وزير الخارجية محمود الزهار لشهور بعد تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة.
ويري مراقبون ان الرئيس مبارك فوت فرصة نادرة عندما لم يستقبل هنية بينما سمح وقته باستقبل عضو في الكونغرس ونائب وزير الدفاع السعودي.
ويعتبرون ان حماس سواء الحركة او الحكومة، استطاعت فرض نفسها سياسيا وامنيا علي الاجندة المصرية بعد اصبحت رفاهية تجاهلها غير متاحة في ظل معطيات جديدة لا يفهمها بالضرورة من جعلوا التعامل مع حماس خطا احمر.
ومن هذا المنطلق تبدو مصر اكثر الاطراف العربية تأهلا للقيام بوساطة سياسية هذه المرة بين الرئيس الفلسطيني ورئيس وزرائه، بل انها الوسيط الطبيعي الوحيد القادر علي احتواء هذا الوضع المتفجر خاصة وان الاردن رفض استقبال هنية اصلا، بينما لاتستطيع السعودية التلاعب في خريطة المعتدلين والمتطرفين التي اعلنتها رايس للمنطقة.
وحيث ان الامن القومي المصري سيدفع الثمن الاكبر من تحول غزة الي عراق او جزائر فان المطلوب هذه المرة وساطة علي اسس وطنية وقومية بغض النظر عن ما يمكن ان تثيره من استياء لدي الولايات المتحدة واسرائيل والدول العربية المتحالفة معهما في مواجهة ما يعرف بـ المشروع الايراني في المنطقة.
ولعل هكذا وساطة ستكون الرد العملي علي اتهامات بأن زيارة وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس الاخيرة للمنطقة قد اعطت الضوء الاخضر لاطاحة حكومة حماس والتصعيد مع جماعة الاخوان الذين تعرضوا مؤخرا لاكبر حملة اعتقالات منذ زمن.
واذا كانت الولايات المتحدة نفسها مستعدة لاقامة حوار مشروط مع ايران، واذا كانت رايس عقدت مباحثات علنية مع وزير الخارجية اللبناني فوزي صلوخ وهو ينتمي لحزب الله الذي تعتبره واشنطن تنظيما ارهابيا، فهل يتحمل الوضع استمرار الهواجس السياسية التي تعوق اعادة النظر في حسابات القاهرة الاقليمية.
وحتي اذا كان النظام في مصر يحتاج لاسباب كثيرة ومعقدة الي ان يدعم شعبيته في الداخل فقد كان من الصعب تفهم تقديم التلفزيون الرسمي امس خبر التهنئة التي بعث بها الرئيس مبارك الي النادي الاهلي بمناسبة فوزه في بطولة لكرة القدم علي الاحداث الفلسطينية التي تمس صميم امن مصر القومي، ناهيك عن مكانتها التاريخية في هذا الملف الذي هو اهم الاوراق المصرية الاقليمية، فهل ستدرك القيادة المصرية خطورة هذا الشرر الفلسطيني المتطاير الذي ينذر بحريق كبير يتجاوز الحدود والخطوط بكل الوانها؟