تحولات الأثر الأدبي

في سياق اشتغالنا على أسئلة القراءة، من منطلقات ممارستنا الإبداعية والنظرية، سنتطرق وبصيغة مغايرة، إلى ظاهرة التنوع الدلالي التي يتميز بها العمل الإبداعي، على ضوء تعدد وتنوع قراءاته، باعتبار أن الأصل في تباين هذه الدلالة، يعود إلى تباين المرجعيات النظرية المعتمدة في قراءة الأثر، خاصة بعد تراجع سلطة المبدع الذي كان إلى حين هو صاحب القول الفصل في تحديد سياق المعنى، وأيضا بعد أن أصبح القارئ، طرفا محوريا ومركزيا في إبداع السياق، وفي تنزيل أسبابه ودواعيه، باعتبار أنه يلج فضاء الأثر الأدبي وقد أمسى معززا بأسئلته المستقاة من مساراته المعرفية، ومن جدل المقولات النقدية المتداولة في الفضاءات الثقافية والأكاديمية. وكلها عوامل ساهمت في تنويع طرائق القراءة، انسجاما مع تنوع القوانين المعرفية والجمالية، الموظفة في صياغة أحكامها.
غير أن ما يهمنا في السياق الذي نحن بصدده، هو التأكيد على ظاهرة تنوع الدلالات المتعلقة بأثر معين، والمستخلصة عن القارئ ذاته، عبر محطات زمنية متباعدة، قصد ضبط ما يطال استنتاجاته الجمالية والنقدية من تفاوتات. وهي تجربة لا تخلو من متعة ومن طرافة، بفعل ما تحفل به من مفارقات، تؤكد استحالة امتلاك الأثر الأدبي /الفني، لأفق دلالي ثابت يعرف به، أينما حل وارتحل.
وكما هو واضح، فإننا غير معنيين هنا بالقراءات ذات الطابع المزاجي الترفيهي، والمناسباتي، الذي لا صلة له من قريب أو بعيد بأي أرضية معرفية، أو أفق جمالي أو إبداعي مقصود، بقدر ما نحن مهتمون أساسا بسيرة القراءة النوعية، المتميزة بحسها المعرفي، والكفيلة بتبرير التحولات الدلالية التي تتميز بها سيرة الأثر. وهي في رأينا القراءة المنخرطة جماليا ومعرفيا في مشروع المقاربة الجمالية للنصوص، بوصفها الأداة المؤهلة لاستكناه ما يتخفى بين طياتها من أسرار، خاصة حينما ترقى القراءة بحيوية حركيتها، إلى مستوى إعادة إنتاج ماضي الأزمنة وحاضرها، بما يجعلها تبوح بما يصطخب فيها من اختبارات واجتراحات. وفي اعتقادنا إن هذه النماذج المتقدمة من القراءات، وبفعل تفاعلها مع نماذج متعددة من النصوص المدرجة في أرشيفها الشخصي، على امتداد مساحات زمنية، تستطيع أن تمدنا بتصور متكامل عن دلالة التباين الملموس، في ما تصدره من أحكام حول الأثر ذاته، انسجاما مع ما يطال مساراتها من تحولات فكرية وجمالية.
فالنص الذي سبق أن اكتشفه هذا القارئ في طفولته صدفة، على أحد رفوف مكتبته المدرسية، أو في إحدى الخزانات الموجودة قريبا من مقر سكناه، أو لربما على أحد الأرصفة المتخصصة في بيع الكتب القديمة. هذا النص تحديدا، الذي قد يكون شعريا، قصصيا أو روائيا، أو لربما فلسفيا، هو باستمرار عرضة لتغير الأحكام النقدية المؤطرة له، على ضوء تغير الشروط المعرفية التي تتميز بها الذات القارئة. ومن أغرب المفارقات التي تطالعنا في هذا السياق، انتباه قارئنا إلى السقوط المدوي لغير قليل من النصوص، التي كانت في مرحلة متقدمة من سيرة قراءاته تستأثر بافتتانه، إلى درجة القداسة. وإلحاحنا على عبارة السقوط المدوي لهذه النصوص، يعكس بشكل أو بآخر، حدة الصدمة التي تنتابه إثر اكتشافه في مرحلة تالية، وبفعل واقع معياري جديد، أن ما كان يستأثر بافتتانه في مرحلة خلت، ليس في الواقع سوى محاولات مغرقة في بؤسها الفكري والجمالي.

إن الأمر ينسحب على غير قليل من الأعمال العربية والغربية، التي مارست ولا تزال سلطتها المطلقة على القراءة، بفعل عوامل خارجية لا علاقة لها بجوهر الكتابة، حيث تقع أجيال متتالية من القراء، ضحية التمركز الصارخ لهذه العوامل في فضاء التلقي. والمقصود بها، مجموع تلك السرديات المتواطئة التي تستوطن فضاءات القراءات، ممارسة بذلك دورا أساسيا في استدراج القارئ إلى تبني مقولاتها جملة وتفصيلا. مع الأخذ بعين الاعتبار تعدد وتنوع هذه السرديات، انسجاما مع تعدد الحيثيات والملابسات الفاعلة في إنتاج وتسويق بضاعتها. وتحضرنا مباشرة في هذا السياق، مختلف مرجعيات الصور/البورتريهات، التي يتقمصها الشاعر /الروائي، أو الفيلسوف على سبيل الانتماء أو الانتحال، عبر استثماره الماكر لعائدات التسويق الأدبي.
وتحضرنا هنا أساسا الصورة ذات المرجعية الأيديولوجية، حيث يحرص المبدع على التمترس داخل ثكنتها، بدعوى ترويجه لشعاراتها وقيمها. ومع اعترافنا بالأهمية الكبرى التي تحظى بها بعض الأسماء المعروفة بانتمائها إلى إطار أيديولوجي معين، إلا أن الأغلبية الساحقة منها، تستند في فبركة صورتها الإشهارية إلى احتمائها المجاني والمحموم بهذه المرجعية، التي تضمن لها نسبة عالية من الحضور المشهدي. وغني عن القول، إن الغطاء الأيديولوجي هو في جميع الأحوال غطاء سلطوي بامتياز، سواء كان مصدره النظام الحاكم، أو أي تنظيم حزبي آخر يدور داخل أو خارج فلكه، سواء كان من منطلق المساندة أو المعارضة. فالتوجه الأيديولوجي عموما ومهما كانت مرجعياته وشعاراته، يعتبر من أرذل الوسائط المعتمدة في تسويق صورة المبدع، حيث يصبح إقرارها أمرا لازما ضدا على إرادة المتلقي، الذي لا يكون معنيا بالخوض في الإشكاليات الجمالية ذات الصلة بما تبدعه الصورة، بقدر ما يكون مطالبا بالوفاء لنذر ولائه وتبعيته لها، كما لو أننا بصدد طقس وثني، قوامه التسبيح العبودي واللامشروط بكل ما يصدر عن الصورة من ادعاءات. لكن خارج دائرة هذا الحماس المنقطع للوثن، لا يلبث المنتوج المفترى عليه، أن يكشف عن فقره المنقطع النظير، والذي لا يستحق من القارئ ذاته غير نظرة تأبينية أخيرة، تضع حدا نهائيا لخدعة ما يدعيه من البريق.
الشيء ذاته ينطبق على الأعمال التي تمكنت في أزمنة، بائدة من بسط سيطرتها على فضاءات القراءة، بفعل عوامل محايثة، نذكر منها ندرة التجارب الإبداعية، التي يمكن أن تمد الباحث بما يكفي من المعطيات النظرية، كي يمارس على ضوئها منهاجيات التصنيف، والحكم والتقويم. ذلك أن فراغ الساحة من فعل التنوع الإبداعي، يفضي في نهاية المطاف إلى حضور رؤية توحيدية للوثن، ما يمكنه من فعل الاستفراد المطلق بسلطة الحضور. أيضا إلى جانب محدودية الأسماء المكرسة، ينبغي التأكيد على إشكالية تواضع رصيد الخطاب النقدي المتداول وقتها، الشيء الذي يحول دون الكشف عن العاهات البنيوية، التي تتخلل أوصال كتابات هذه الأسماء، والتي تمكنت نتيجة ذلك من انتحال هوية روائية، شعرية أو قصصية. وبالتالي، فإن التتالي الحثيث للمراحل، بما يعنيه ذلك من خلخلة معرفية لسكونية المشهد من قبل التجارب الجديدة، وبما يعنيه أيضا من انقلابات جذرية تطال آليات اجتراح مناهج التأويل، حيث يؤثر بشكل فعال في تفكيك سلطة المرجعيات الأيديولوجية، مفسحا المجال لقراءات مضادة، تأخذ شكل مدافن، تحشر فيها القراءات المغايرة، أشلاء تلك الترهات التي طالما فرحت بتمركزها المجاني في قلب المشهد الإبداعي.
فمن هذا المنطلق إذن، يمكن القول، إن تحولات الزمن المعرفي، هي في حد ذاتها مكانس شرسة، متخصصة في تنظيف مسارات القراءة، كي تتمكن من رؤية ما ينبغي رؤيته، بعيدا عن البرمجيات المملاة من قبل سلط تسويقية، لا صلة لها من قريب أو بعيد بأزمنة الإبداع وأمكنته.

شاعر وكاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية