رام الله/ “القدس العربي”:
طوال سنوات نظر الفلسطينيون، من مسؤولين وخبراء ونشطاء، إلى مسألة الإدارة المدنية الإسرائيلية على أنها كيان أو جسم إداري احتلالي يتضخم ويتوسع ليكون بديلا عن السلطة الفلسطينية.
ففي حوار مع صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير السابق مع القناة الثانية العبرية بتاريخ 20 شباط (فبراير) 2018 ذكر حرفيا ما نصه: “سأقول أموراً قد تغضب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أنا أعتقد أن الرئيس الحقيقي للشعب الفلسطيني هو وزير الجيش أفيغدور ليبرمان، أما رئيس الوزراء الفلسطيني فهو المنسق موردخاي” (في حينه).
وبعد تصريح عريقات الذي تكرر على لسانه في أكثر من منبر إعلامي، قال رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتيه ما يدعمه ويشبهه تماما.
استمرت سياسة الاحتلال في تعزيز الإدارة المدنية لتصبح فعليا جسما إداريا أخذ صلاحيات السلطة ومنحها ما يجعلها صاحبة اليد الطولى في عموم الضفة الغربية وقطاع غزة.
غير ان ما يرشح من تسويات بين الأحزاب الإسرائيلية التي ستشكل حكومة نتنياهو القادمة يشير إلى نقيض ذلك. فالاتفاقات الموقعة لتشكيل الحكومة الإسرائيلية تشير إلى أن المستوطن بتسلئيل سموتريتش هو من سيصبح رئيس السلطات المدنية للضفة الغربية، بينما المتطرف ايتمار بن غفير الحاكم العسكري لها.
فما هي الإدارة المدنية؟ وما طبيعة المهام الموكولة بها؟ وما دلالات ما يرشح من اتفاقات وتوزيع حصص وزارية بين الأحزاب الإسرائيلية التي ستشكل الحكومة الإسرائيلية الجديدة؟ وإلى ماذا يقود توقعات إضعافها وصولا إلى إغلاقها نهائيا وتوزيع صلاحياتها على الوزارات المختلفة؟
منذ عام 1981
وبحسب مركز مدار للدراسات الإسرائيلية فإن الإدارة المدنية هي عبارة عن جهازي إدارة منفصلين، واحد لقطاع غزة والآخر للضفة الغربية، أُنشئا في تشرين الثاني من العام 1981 بموجب أمر صادر عن وزير الدفاع الإسرائيلي انذاك ارئيل شارون، بهدف الاهتمام بالشؤون اليومية (للسكان المحليين في هاتين المنطقتين المحتلتين).
وكان الهدف من الادارة تحسين صورة إسرائيل أمام العالم واعطاء انطباع وكأن هناك (حالة سياسية) في الاراضي الفلسطينية، تبعد الأنظار عن حقيقة وجود احتلال مرفوض من قبل السكان، ووفق القانون الدولي.
وتقرّر في حينه بحسب مركز مدار أن يكون رئيس الإدارة المدنية خاضعاً لـ(منسق الأعمال في المناطق)، والأخير خاضعاً بدوره لسلطة وزير الدفاع. حيث نالت الإدارة المدنية كل الصلاحيات المدنية التي كانت إلى ذلك الوقت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي مباشرة. ورغم هذا التقسيم الجديد بقي للمستوى العسكري دوره الفعال في تحديد خطوط السياسة اليومية.
أمّا على صعيد المبنى الداخلي للإدارة المدنية، فقد أُقيمت ثلاث دوائر في كل إدارة من الإدارتين: اقتصادية وتضم التجارة والمواصلات والصناعة والتوظيف. والخدمات وتضم التربية والتعليم والداخلية والرفاه الاجتماعي والصحة. والأملاك وتضم الأراضي العامة والثروات الطبيعية وأملاك الغائبين حيث عُين في منصب رئيس الادارة المدنية ضابط جيش.
وبحسب عوض مسحل في بحثه المعنون: “توسعة “الإدارة المدنية” الإسرائيلية.. استهداف السلطة الفلسطينية في إطار اقتصادي” حيث رأى فيها أنها ممارسات إسرائيلية تستهدف إضعاف دور السلطة الفلسطينية والحكومة الفلسطينية على المستويين الداخلي والخارجي، وتوسعة مساحة التواصل للمواطن الفلسطيني مع الجهاز الاحتلالي الإسرائيلي الذي يتولى الجزء الأكبر من شؤون الحياة اليومية في الضفة الغربية وقطاع غزة، سواء برغبة المواطن أو إذا كان مرغماً أو مضطراً لذلك، ومن خلال توسيع دور هذه الإدارة وخدماتها، وربطها بحاجاته اليومية.
وجاء في البحث أن الإدارة المدنية منذ نشأتها، عملت بوتيرة متصاعدة على تصميم جسم تمثيلي فلسطيني تابع يعمل وفق السياسة الإسرائيلية، فعمدت حكومة الاحتلال لتشكيل روابط القرى، نهاية السبعينيات من القرن العشرين، لتكون حلقة وصل بين الفلسطينيين و”الإدارة المدنية”، وبغرض إحلالها بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، لكن الرفض الفلسطيني أفشل هذا المشروع.
وبحسب معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني “ماس” فإن الإدارة المدنية مرت منذ عام 1981 بتغييرات جوهرية طالت صلاحيات عملها وحجمها وأجنداتها:
في عام 1995 تم إعادة هيكلة الإدارة في أعقاب التوقيع على اتفاق أوسلو حيث نقل العديد من صلاحياتها إلى السلطة الفلسطينية ووزاراتها المختلفة، حيث عدلت خلال نفس الفترة مهام الإدارة المدنية في لوائحها التنظيمية لتصبح تنفيذ سياسة الحكومة في الضفة الغربية وإحراز تقدم في المجالات المدنية بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية وتشكيل ذراع تنفيذية للبنية التحتية والتخطيط والبناء في مناطق “ج”.
في الانتفاضة الثانية (2002) حصلت تغييرات جوهريات عُبر عنها عن نية الحكومة الإسرائيلية للتدخل بشكل فعال في الشؤون الفلسطينية وفي المناطق “أ” و”ب” حيث ألغت إسرائيل بشكل أحادي أحد بنود اتفاقية أوسلو الذي كان يحظر عليها القيام بعمليات عسكرية داخل مناطق السلطة، أما التغيير الثاني فحصل عام 2003 عندما نقلت التنسيق والارتباط من قيادة الجيش الإسرائيلي ودمجته بوحدة تنسيق اعمال الحكومة وتركيز عملها داخل الإدارة المدنية.
ومنذ تعيين الجنرال يوآف موردخاي خلال الفترة ما بين عامي (2014-2018)، بات يمارس دوره بشكل مباشر وأوسع، خصوصاً بعد ما أنشئ موقع إلكتروني باسم وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (باللغة العربية)، ويشار لها على الموقع باسم (المنسق)، تستقبل طلبات السكان عبر نماذج إلكترونية متعددة الأغراض وتبرز دورها في عمليات التطوير والتدشين والنهوض بمشاريع متعددة، كما سيلي توضيحه لاحقاً.
والملاحظ أنه ومنذ سنوات أوسلو الأولى تعاظم المستوطنين داخل الإدارة المدنية ففي كل احتفالات تسليم منصب رئيس الإدارة كان هناك حضور قوي لقادة المستوطنين، لتكون خطابات من يتسلمون زمام الإدارة فيها مركزة على شرح سبل خدمتهم ورعاية مصالحهم وصولا إلى قرار بنيامين نتنياهو منح حزب الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش المسؤولية عن هذه الإدارة.
وفي نص الاتفاق الائتلافي تكون المسؤولية عن الإدارة المدنية تابعة لمسؤول من حزب سموتريتش يعمل داخل وزارة الجيش ويكون تابعًا لرئيس الحكومة مباشرة، وأن يتم توزيع جزءٍ من صلاحيات الإدارة المدنية لوزارات أخرى.
وكان بتسلئيل سموتريتش قد دعا خلال حملته الانتخابية إلى تفكيك الإدارة المدنية، معتبرًا أن اتفاق أوسلو وفك الارتباط كانا كارثة على “إسرائيل”.
وبحسب ترجمة المحلل السياسي محمد علان دراغمــة نقلا عن “يديعوت أحرنوت” فإن السيطرة على تراخيص البناء في المستوطنات، وإلغاء استقلالية المستشار القضائي، والرد على المحكمة العليا من جانب الدولة، والتأثير على التعينات الحساسة، وضعت الإدارة المدنية تحت سلطة الصهيونية الدينية وتمكن سموترش من السيطرة الواسعة على الضفة الغربية.
وأضاف أن لجنة التخطيط العليا ليست الوحيدة التي تصادق على البناء في مناطق “ج”، وبشكل خاص للمستوطنين وللفلسطينيين أيضاً، فاللجنة هي جزء من الإدارة المدنية التي ستكون تحت سلطة سموتريش، والسيطرة عليها تعتبر بالنسبة له ولحزبه مسألة استراتيجية وسياسية مهمة.
ويرى دراغمة أنه في الوضع القائم حالياً، فإن كل كرفان أو سقيفة أو حتى خيمة يريدون أن يقيموها في المستوطنات فإنها تحتاج لمصادقة اللجنة، وكل خطة بناء معروضة تحتاج لموافقة سياسية، لكن في اللحظة التي سيتسلم سموتريش صلاحيات اللجنة، فإن مصادقة الجهات المهنية تصبح أقل أهمية.
وبحسب دراغمة فإن التغيير الجوهري في الاتفاق مع سموتريش هو نقل المستشار القضائي للإدارة المدنية والذي هو جزء من الجيش الإسرائيلي وخاضع لمسؤولية النيابة العسكرية، كما أن تعيين منسق الحكومة ورئيس الإدارة المدنية سيكون لسموتريش تأثير على تعيينهم.
ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي معين شديد في تصريحات خاصة أن ما يجري من خطط وتصورات سيكون لها نصيب كبير في إضعاف الإدارة المدنية وذلك على طريق إنهاء دورها بشكل نهائي.
وبحسب شديد فإن إغلاق الادارة المدنية ونقل صلاحياتها ومسؤولياتها وخاصة الأراضي والمستوطنين للوزارات الإسرائيلية المختلفة يعني الضم الفعلي لمناطق في الضفة الغربية.
ويصف شديد القرار الإسرائيلي بالجوهري، فهو يعني أن إسرائيل قررت فرض وتطبيق الضم على الأرض الفلسطينية دون تمرير قانون خاص بذلك.
والسبب بحسب شديد هو أن ذلك أمر لا يقود لحالة من الصدام مع الإدارة الأمريكية والأوروبيين، إضافة إلى أن تلك السياسة تعمل على إبقاء وتبرير دور وظيفي وأمني خدماتي للسلطة الفلسطينية.
ويتوقع أن هذه السياسة والمخططات الحالية تسير باتجاه “فكفكة” السلطة الفلسطينية لتصبح سلطة ذات سلطات وظيفية على شكل بلديات.
وحول خيارات السلطة في مواجهة المشروع فأكد شديد ان السلطة الفلسطينية لا تمتلك تصورات وخططا استراتيجية، أما الرهان على الموقف الأمريكي الرافض للإجراءات الجديدة فيصفه بـ”الموقف الفارغ”.
وبحسب المحلل السياسي هاني المصري فقد تم الهبوط بسقف السلطة لتصبح أقل من حكم ذاتي محدود، كما يظهر بعد إعادة احتلال الضفة والقطاع بعد عملية “السور الواقي” في العام 2002، وفك السلطة، وإعادة تركيبها، ونزع جزء كبير من صلاحياتها واقتحام قوات الاحتلال لمختلف مناطقها أينما تشاء ووقتما تشاء، وإعادة تشكيل “الإدارة المدنية” ذراع الحكم العسكري الاحتلالي؛ أي أن برنامج السلطة الفعلي بات أقل من برنامج الدولة على حدود 67، بل أقل من الحكم الذاتي وفق أوسلو، وأصبح مجرد بقاء السلطة.
وبرأي الباحث رازي نابلسي فإن حصيلة التطورات الإسرائيلية الأخيرة ليس فيها ما يفاجئ من حيث المسار الذي تسير عليه إسرائيل منذ سنوات، فكل الأبحاث والدراسات التي أنجزت سابقا كانت تؤشر إلى أن إسرائيل تتجه نحو التدين واليمين الديني وتسعى لحسم الصراع على الضفة الغربية.
ويرى نابلسي في حديث صحفي أن الحكومة الأخيرة كانت استثناء ومحاولة لوقف المسار العنجهي الديني لكنها محاولة فشلت، وها هو المسار يعود من جديد وتحت ذات المضامين من ناحية التطبيع من دون ثمن واستهداف السلطة الفلسطينية.
وأضاف: “سيغدو سموترتش الحاكم الفعلي للضفة الغربية والمسؤول عن تعيين المنسق والإدارة المدنية وهو أمر سيقود إلى حسم الصراع على الضفة الغربية وهو جانب من محاولة حسم الصراع على هوية الدولة اليهودية.
ويشدد نابلسي أن مصير الضفة الغربية عليه اجماع من كل القوى السياسية الإسرائيلية حيث ينظر إلى السلطة الفلسطينية على أنها مصلحة أمنية إسرائيلية لكنها بذات الوقت تعتبر أزمة في سبيل تحقيق الحسم النهائي وهو أمر سينعكس عليها بحيث تصبح هيئات إدارية على نمط روابط القرى بحيث تمثل سكان منطقة ومحافظة أمام الإدارة المدنية وهو التفسير الحرفي لمقولة حسم الصراع.
ويختم ان هناك عودة لما قبل أوسلو، أي لسياسة صفرية في الصراع إما نحن أو هم، وهو أمر يعزز من المكان الذي وصل إليه الفلسطينيون من حيث فقدان الايمان بالحلول التي تطرحها القيادة الفلسطينية.