تحولات الواقع ورمزيته في أصدقاء يغادرون حنجرتي
عمر العسريتحولات الواقع ورمزيته في أصدقاء يغادرون حنجرتي للغة قدرة خارقة علي تحويل الأشياء؛ أي أن تكون منوطة بعـناصر الوجود، والمقصود وصف الأشياء والاخبار عنها شعرا أم نـثرا، فان تعلق الأمر بالشعر وقعنا في التكـثيف والايجاز الي حد الابهام، وان تعلق الأمر بالنثر فان حدود الاخبار تصل الي درجة الاستطراد والتوسع، بيد أن الذي يهمنا في هذه القراءة، علي وجه التخصيص، الشعر ومـدي تفاعله مع رؤية الشاعر لأن كل شاعر يمتلك رؤية خاصة يبدع من خلالها عالمه الشعري باختيار عناصر الموضوع لتنضاف اليها مخيلته وسحره الذاتي عبر تحويل شعري يعيد للعناصر المنتقاة توازنها البيئنصي.ومن بين تلك التجارب الشعرية التي نود مقاربتها ديوان الشاعر المغربي بوجمعة العوفي أصدقاء يغادرون حنجرتي *، لأنه في اعتقادنا رؤية خاصة للواقع عبر تحويل شعري يمعن في الأشياء والوجود بألق يتبدي علي شكل مشاهد فيها من الأثر الواقعي والتصوير الفني ما يجعل النص امكانا آخر من امكانات الواقع.يعطي التفاعل الفني بين النص والواقع للقراءة خصيصتها، من هنا تـتبدي تلك التراتبية بين العالمين ليشتبك الخبر بالواقعي أو المشهد اليومي بالمشهد النصي، وهو تفاعل محير جدا، خاصة فيما يقوم به النص عند اعادة تكوين الواقع بمشهدية خاصة قوامها تصوير الكليات، وأيضا تعميق الرؤية تجاه الأشياء عبر جدلية المكان والزمان.1 ـ المكان تجربة نفسيةيتوحد المكان في أصدقاء يغادرون حنجرتي علي مستوي المناخ النفسي للكـتابة أكـثر من توحده علي المستوي الكرونولوجي، وهذا ما يفسر اختيار الشاعر (المدينة والبلاد) كمكانين يتداخلان عنوة مع (الغرفة والمنزه) في سياق مبعثر لكنه ينتظم عبر رصد الألم. يقول الشاعر:هلتطوي المدينةليلاأسوارهاكيتكتب سير العابرين؟ (ص 8)وفي قصيدة وسن يشبه الأرق. يقول:كل صباحألتقي بالبلاد عائدةمن ليلتها البيضاءكغانية (ص 11)ان اختزالات الشعر وتكـثيفاته لا تحتمل توسيع المشاهد المكانية وايفاءها حقها في الوصف، لكن مسألة اخضاع المكان لتيمة الألم متحققة علي مستوي عال من التمثل وبايهام أحيانا يترجم احساسا معبرا؛ انه يتجاوز وظيفة التعبير الي الحجاج والبوح وتقديم صورة محتملة عما يحدث مثل ما تبدي في قول الشاعر في قصيدة غرفة باردة:ربماليس لهذا المنزه من ألقسوي ما يجلبه الشعراء في الحقائبالمتواضعة (ص 12)تفسر حظوة المكان والتفكير فيه شعرا توقيع النص بواقعية خاصة لكنها مقنعة بصور الايحاء والتخييل التي هي قوام الشعر. كما يقرن الشاعر العابرين بالمدينة ويشبه البلاد بالغانية ويقرن الشعراء بغرفة المنزه، ومن خلال هذا الالحاق يبني الشاعر صورة كلية قائمة علي التجربة والمعرفة؛ اذ الأمكنة المستدعاة موجودة قبل وجود النص، وهي تتجاوز الواقع عندما وظفت شعريا وتحيلنا الي صور الحياة وامكانات الواقع في ذهنية الشاعر. حاضر المكان أمكنة تـتـناقص تمشيا مع الوظيفة المسخرة ولطبيعة الأشخاص المرتادين.2 ـ تكثيف الزمانلاحظنا فيما سبق أن الشعر موصول بالمكان، وهنا نجده موصولا بالزمان والألم أيضا الذي يتراءي بـينهما، حيث تطفو علي سطح النص كلمات تؤشر علي الزمان وتعكس واقعا مألوما مندفعا لكنه مسبوق بلغة شعرية ايحائية. وهذا التناظر البائن بين الواقعي والشعري يتجسد حيال لحظة شعرية قصيرة تختزل الحياة وتستخدم الاحتمال أسلوبا مساعدا، فنجد أنفسنا أمام خطاب شعري يصور واقعا محتملا لا الواقع كما هو، ولكن ذلك بنفس تكثيفي. يقول الشاعر:الأنفاس التيغربتناأوقادتنا بالأمس الي الفتنة… (ص24)ما نسجله أيضا ليس هناك اسراف في الخيال والأسطورة وانما تسجيل شعري لمشاعر ذاتية بضمير المتكلم حينا وبضمير الغائب في أغلب الأحايـين. وللتدليل علي قولنا نسوق مقطعا آخر من قصيدة جنازة رجل :كلالذين شيعوك الي هناكرأيتهم يستعجلون بك الخطيكما لو أن كل واحد مناكان يسير فيجنازته (ص50)يمتزج، في النص، الألم (شيعوك) بالزمن السريع أو اللحظة (يستعجلونك)، وهذا الامتزاج لا يفسر الا برغبة النص التخلص من واقعيته وفردانيته ليغدو مشروعا جماعيا تـتوحد فيه الذوات عبر عرض مشهدي يمتح من الواقع كليته لا غير.الواقع اذن فاعل في الشاعر والشاعر فاعل في النص وليس النص الا تحويلا لتلك العلاقة بين الكتابة والواقع التي تصير تحويلا فنيا يستجمع الشتات بايحاء خاص ويرسم الألم من الأقاصي، بل حتي الأحياء يناشدون الموت قبل أوانها ويشيعون الموتي بخطي سريعة وغريبة، فـقد تساوي الألم وامتزج بالموت وبدا الغريب جسدا متـناثرا أي في عداد المغيبين. وبين هذه اللحظة الشعرية وتيم الألم تـتفتق لحظة أخري ألمحت اليها بعض نصوص الديوان، انها لحظة الكتابة أو سؤال تحويل الواقع كتابة ليغدو الألم مسوغا مباشرا للكتابة.كلما طفح المكان بي…توغلت خطوتي في البياضوتفتقتمن بين أصابعي:أسرار الكتابة (ص53)يصل هنا الشعر الي زمانه الأصلي، لأن القصيدة لدي العوفي منذورة لتحويل الواقع الي لحظة محققة لمبدأ التداخل بين الزمان والمكان وفعل الكتابة، وان التعبـير الذي يتقصده الشاعر في هذه القصيدة يتواشج مع الوجود وهذا راجع الي التعيين الفعلي للمكان (طفح المكان بي…) وأيضا للزمان فيما تبقي من النصوص (غدا، مساء…) وكأن هذا التحديد يستبق الكائن في غالبية الأمر. وقد نتجاهل المكان أحيانا ولا نستفسر عنه، لكن الزمان دائما يستعلم عنه وعن حميميته الوثيقة بعناصر الوجود. تتقاطع اللحظة المصرح بها في الديوان مع الماضي والمستقبل، فالحاضر ذاته شبيه بالنقطة الفاصلة بين الأشكال في الهندسة وبين الليل والنهار في الكون، وكل حاضر يصير تدريجيا ماضيا ويصير أيضا مستقبلا. يقول الشاعر:صرخةهناكتوجع كبد السماء (ص 72)جاء اسم الاشارة (هناك) ليس للتعيين بل ورد في سياق الوصل بين لحظة الصراخ ومكان استقباله(كبد السماء)، والنتيجة هي قوة الصرخة الصاعدة، لكن بين الصرخة والسماء ثمة خواء خطير ينبيء عن شدة الألم ومدي تباعد الانسان ومشروعه. تجري هذه اللحظة الزمنية في حركية خاطفة لكنها منفتحة علي معاناة انسانية (الصرخة، التوجع…) والمعاناة نفسها مفتوحة علي احتمالات مجهولة جاءت أسلوبيا مقرونة بالاستفهام مرة هل/تطوي المدينة ليلا/أسوارها/كي/تكتب سير العابرين؟ (ص 8)، ومرة بالتعجب وهو المهيمن يدركها الوسن المتأخر من السماء! (ص 12) ومرة بالاحتمال ربما/ليس لهذا المنزه من ألق (ص12).يقيم الشاعر في خضم ما يفد عليه من مقامات تتأرجح تارة بالاستفهام وتارة يعلي من سمة الاستغراب ويكثف الاحتمال لأنه واع كل الوعي بالمحك الذي سيصير اليه وهو محك مجهول لا يتطلب سوي وضع امكانات واحتمالات تعكس رؤية خاصة تتمادي بالوعي اللحظي الذي تعجز الذات استباقه أو استعلام عوالمه وعندها يرمم الشاعر واقعه بوعي الانفصال عن اللحظة الآنية. يقول الشاعر:قدر الغريب: الليلوالألق الحزين (ص 4)ترددت كلمة (الغريب) في عدة مواقع نصية من الديوان وذلك علي نحو ما تمثله هذه الجمل علي سبيل التمثيل فقط: ـ طرقة الغريب ـ قدر الغريب ـ عثر الغريب…. والغريب هو كل انسان يجوب الطرقات دونما وجهة، وقد يزرع الرعب حيثما حل أو العكس، والي جانب الغريب نسجل كلمات مجاورة دلاليا، وذلك من قبيل (الغجر) (السفر) (الصغير) (المنزه). وهذا الحقل الدلالي فاعل في النص وليس الا تلخيصا لتلك العلاقة بين الكتابة والواقع. بل ان هذا التكثيف الدلالي لتيمة الاقصاء هو بمثابة ألم نفسي ينثال الذات وهي حبيسة قلق دائم وبحث متواصل عن نقطة الاستقرار وتحقيق الاجتماع. وساعد التكثيف الزماني بلورة دلالة الاقصاء مع اتساع المكان الي درجة استحالت معه تعيينه بالمرة هل هو الغرفة؟ أم المنزه؟ أم المدينة أم الغابة؟… يتـفسخ المكان وينحل أمام لحظة كيانية يصعب تعيينها كما يستحيل الغاؤها وبين هذه اللحظة وغياب تحديد مكاني تتكشف حياة ناقصة وغير مجدية.يعزز اذن الشاعر عدمه الخاص بتكثيف زماني وتعدد مكاني منفتح علي عدة احتمالات ومحقق في الآن نفسه انفصاله عن ذاته مما يسوغ له الانطلاق مما كانه في الماضي مرورا باللحظة الآنية ومتوجها نحو مستقبل لم يحصل بعد، وبلغة سارتر هو وعي في الكتابة والتجربة باعتباره ماضيا ومستقبلا في الآن ذاته. وأيضا ليس هذا الماضي ولا هذا المستقبل، وكل عملية تزمين للحياة لن تتحقق لأن وسائل الرفض متأتية والأكثر من ذلك انها سناد تتأسس عليه اللحظة الزمنية.3 ـ تركيبالديوان ككل اقامة في خضم ما سيأتي وسؤال بنية الاستغراب وهذا وعي آخر من الشاعر بوجوده ومدي تفتق الروابط فيه وبروز شعور الانفصال عن اللحظة الآنية. وكل ذلك يتحقق في مشهدية خاصة تنساق للمعني الشعري وتستسلم لمشروع ذاتي يشيد زمنا آخر ومكانا أشمل ولكن علي ورق لا غير.* ـ بوجمعة العوفي، أصدقاء يغادرون حنجرتي، منشورات وزارة الثقافة والاتصال (المغرب)، 2002.باحث من المغرب0