تحولات الوعي الجمعي الاسلامي
د. عزالدين عنايةتحولات الوعي الجمعي الاسلامي انطلقت مسيرة التحولات الاجتماعية، الشعبية لا النخبوية، في المجتمعات الإسلامية، مع مطلع القرن الفائت، متدرجة من الإحياء الرمزي والهووي إلي بحث في الراهن عن الشهود الحضاري. ومغادرة ذلك الطور العفوي البسيط، إلي مشارفة مدارج الطور التأسيسي، المصحوب بتحديات مختلفة، لا يسير ضمن تبدل ميكانيكي بل ضمن جدل التصعد المركب والشائك في تطور التاريخ. لذلك ما يميز المنتمين للحضارة الإسلامية في فضاءاتها التقليدية، وفي الشتات، حضورهم الحرج والمرهق في التاريخ المعاصر.فالانجراحات الغائرة والمتراكمة جراء المستعمر والناهب والمترصد، والعلل المزمنة والمتخلدة جراء التجارب الحضارية والسياسية المضطربتين، لازال يلاقي الكيان الجمعي رهقا في الخروج من أسرها، ومع ذلك يصحبها تفاعل من داخلها لتحولات بنيوية تلح علي الكيان الجمعي بالتبدل، برغم ما يتبدي من تحكم قاهر يأبي تسريح نسق التبدل.فالحراك الحضاري يسير ضمن منطق في غاية الإبهام والخفاء، يتجاوز قدرات قوي التحكم علي ضبطه، وإمكانيات قوي الإدراك العقلي علي فقهه، بطريقة توظيفية ويقينية، وإلا كان صنع التحولات الاجتماعية عملا في منتهي اليسر والبلوغ. ولذلك يبدو إلحاح الواقع السوسيوديني بالتحول، وتطلعات احتياجات المجتمع المدني بالترقي، في عنت لتلبية مطالبهما وإدراكهما، سواء من جانب ضبْط بأْس السلطان القاهر، أو استيعاب عقل العارف العالم. لذلك يتسلط بأس الأول بالتلبية والترويض، ولكن سرعان ما يتفلت منه الأمر، وتتنزل مظلة معارف الثاني بالفهم، ولكن سرعان ما يتبين اغترابها أو خطأها.وما يزيد عسر التحول الحضاري، أن الوعي بتجلياته المختلفة، الاجتماعية والدينية والسياسية والتنموية، لا يسير في الداخل ضمن جدله التطوري المستقل عن الماحول، بل يبدو الماحول متدخلا بعنف وضغط وإكراه في حركيته، مشددا عليه رقابته القاسية ومتابعته المترصدة لأنفاسه. ولكن في غمرة تقنص الحضارات بعضها لبعض، دفعت الأحداث التي لحقت بالعالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة خصوصا، إلي تأمل داخلي وإلي إعادة تثبت ومراجعة، أصبح فيها السعي لصياغة الوعي التنموي المحلي والتنشئة الاجتماعية المسؤولة، ضمن واقعية المكان لا ضمن وعظ الخارج وترشيده المخاتل والمراوغ أحيانا، وهو ما صار احد الدروس الحضارية المستخلصة من مدرسة التاريخ المفتوحة.إذ المجتمعات المصرة علي مسلكها الحضاري والمؤمنة بنهضتها الغائبة والمحاصَرة، تولد من داخلها حالة من المراجعة والموازنة للطروحات الفكرية والسياسية والدينية المتواجدة والناشئة، فتلفظ المتقادم وتنفتح للناشئ، وفي الآن تلغي الضار وتحتفظ بالنافع. ولكن في غياب حالة الانفتاح المجتمعي تتسلط علي البناء الاجتماعي رؤي خلاصية وإنقاذية، لا تعبر في الحقيقة سوي عن إلزام قهري لحركة المجتمع ضمن توجهات وتقديرات قلة. والمجتمعات الإسلامية كانت أعمق مآسيها الإيديولوجية والسياسية والدينية في القرن السالف، ناتجة بالأساس عن هذا الانغلاق الإيديولوجي، الذي نظر لطروحات الخلاص الواحدية واستبعد بشكل رافض ومسبق إفرازات المجتمع التطورية. فالمنتمون للحضارة الإسلامية، من قهر تخلفهم الاقتصادي والاجتماعي، صاروا يلمحون مسلك الغرب المخاتل معهم، وما في وعظه ونصحه من انتهازية ودجل. فبضائعه المصدرة خارجيا، من الديمقراطية والتنمية والعلمانية والإنسانية وحقوق الإنسان، صارت شاهدة علي براغماتية ظرفية تتناقض مع مصالح تلك البلدان وشعوبها.واليوم في مطلع الألفية الثالثة يلمح نوع من النضج في البناء الاجتماعي لدي عديد الشعوب المقهورة، صارت بموجبه عديد التشكيلات الإيديولوجية والعقائدية والفكرية، العاملة علي التغيير الحضاري المسؤول، واعيةً بآثار حالات التلاعب الخارجي، وبمخلفات الانغلاق والاستبعاد الداخلي، والتي في استمرار ممارستها وتكرارها خنقا وتراجعا بحركة المجتمعات. فكأن تراكم آثار الولاء الأعمي للخارج والتجربة الواحدية الإيديولوجية الداخلية، وهو ما أضر بالسير الطبيعي والتدريجي للمجتمعات، صار الدرس التاريخي الأبلغ لأهم تشكيلات طروحات التغيير الحضاري.كانت قصة الغربنة المستوردة، بوجهيها الفكري والتنموي، والتي تحولت في بعض المجتمعات الإسلامية إلي عقائدية ساذجة وبلهاء، وراء تأزيم التحولات الحضارية الهادئة، حتي بلغت في بعض البلدان حد تعطيل محفزاتها. فإن يكن النمط الغربي في تربته حافزا لترقية الرفاه المدني والمضي به قدما، وفتح آفاقه علي مجالات هيمنة مستجدة، فإن استنباته في غير موضعه مثير للتوتر والشحناء والارتباك، حيث يدفع إلي زعزعة السير المتزن للمجتمعات لا ترشيدها. فالفرد قد يتعلم في مدارس الخارج ولكن الشعوب لا تتعلم إلا في مدرسة تاريخها.ہ أستاذ من تونس بجامعة لاسابيينسا بروما[email protected] 8