تحولات حارس المكتبة

القراءة لعبة في كشف الأسرار، وعتبة للدخول إلى الوجود، إذ هي شرط الاقتراب من المعرفة، وغواية فتح أبواب الطلسم، مثلما هي الشهوة المُستفزة على الكتابة، أي إعادة تدوير الطلسم ذاته، لكي تظل لعبة القراءة تعيش شبق المغلق والمفتوح، وسحر الاقتراب من جسدنة الكتابة، إذ يكون الجسد المكتوب هو تلك القراءات المتشظية والمشبوكة، التي تشبه مقولة بول فاليري الواصفة بـ»أن الأسد هو الخراف المهضومة».
هذه الثنائية استغرقتني، وما زالت تأخذني طائعا إلى لعبتها الشائقة والشغوفة، إذ أقرأ بامتياز، ليظلّ الكاتب في داخلي مُستنفَرا، يقظا، يجاور الكتب، وينام معها، ينسحب إلى سحرها وخطيئتها، وإلى سوانح مخبرها، حيث كيمياء اللغة، وحيث جنوح التخيّل الذي يهِبُ تلك اللغة أدوات الساحر، والبارودجي، ولتبدو العلاقة ما بين القراءة والكتابة، وكأنها علاقة في النقائض، حيث صنع الماء، وحيث صنع القنبلة..
هذه المعادلة المُحرِضة والمستفِزة فتحت شهيتي المراهقة على العلاقة الإشكالية مع عالم الكتب، ومع ما تصنعه من موجودات متخيلة، أو ضدية، أو مع ما يمكن أن تستدعيه من أسئلة، تخصّ التعرية بمعناها الأنطولوجي، أو ما يخصّ إزاحة الوظائف، وتبادل الأدوار، والتعرّف على خزائن المعرفة، أو اصطناع الحوافز، أو العصف الذهني، أو الاحتيال الذي يجعل المكتوب غطاء مناورا للمقروء.
بدأتُ قارئا يحكمني نزقُ البحث عن الحكايات الغريبة، أتوق إلى تلّمس وجودها من خلال رائحة الكتب، واستكناه الغامض منها، عبر بريق عناوينها، وأسماء مؤلفيها، وعبر ما تفتحه لي من عوالم متخيلة، أو ساحرة، أو ما تتركه فيَّ من أثرٍ من الصعب تجاوزه، إذ يتحول هذا الأثر إلى حافز، وإلى شبق، وإلى استملاك، وإلى دافع للمغامرة، أي مغامرة أن أكون شبيها ببطلٍ حكواتي، حيث أكتب بصخب، وحيث أتوهم تحدي المقروء ذاته، بل أتجاوز ذلك إلى تلبّس روح المؤلف الحكواتي، لنتشاطر معاً غواية الفضول ولذة الكشف، والتوهم بالسيطرة على العالم عبر اللغة، مع إحساس عال بالتشهي، وبما يجعل الكتابة رهانا على إيهام القوة، وعلى فكّ الالتباس، والسكنى عند الشك والسؤال، والدحض، والمغايرة، والهوس بتجريد الأشياء من عموميتها، لتكون مرآوية وخاصة، وأليفة، ولتتشظى عندها أشياء أخرى عالقة في الذاكرة، كنت أتصورها خالدة وأزلية، وصلدة وبعيدة عن المحو.

الكتابة، ورغم ما فيها من أنانية مفرطة وطاعنة، لكنها تبدو أكثر جمالا، وأكثر عنفا، لأنها تعني الاستحواذ، والرغبة في تجاوز المقروء، إذ تصاحبه، وتشاطره طقوسه، لكنها تنفر منه، لأن شهوتها العارمة غير آمنة، ومسكونة بالتمرد، فكثيرا ما تنسلّ، تعصف، تشاكس، لتبدو كأنها تعيش خيانتها اللذيذة، حيث شغف التلصص على الممنوع، والخروج بخفةٍ على سلطة الآخر المقروء، وامتلاك حق ممارسة محو سلطته، والعبث بذاكرته. هذا ما جعلني أتملّك شعورا بالندية، الإحساس بالفردنة، لاستفرد برؤية العالم، وكتابته، عبر التلذذ بفك طلاسم المجهول، وفضح أسراره، والاستحوذ على أوهامه، وأسلحته، وحتى على سطوته الأيديولوجية والعاطفية، وعلى نسائه اللائي ينفرنّ بأسرار الشهوات والحكايات الساخنة. جبران خليل جبران هو أول من حملني مبكرا على أجنحته المتكسرة، أوهمني بشهوة الطيران، وبرؤيا الوجود، وبفيوض الحب، ولإدراك أن الحرية تبدأ من الروح، من خلاصها، من تمردها، من أسئلتها، والانفتاح على قراءات تتسع، لتتسع معها اللذة، وصناعة العبارة، وغواية البحث عن المحبوب، عبر أسفار وحكايات، وقصائد وتخيلات وأساطير، تلك التي جعلتني أعيش أجمل ورطة في حياتي، أي ورطة أن أكون كاتبا، وحارسا للمكتبة..

الرهان على العلن صار هاجسي، وهو ما دأبت عليه، لأكتب النص الأول في النقد عن علاقة السينما بالأدب، وهو ما كان بعضا من أحلامي المبكرة في أن أكون ناقدا سينمائيا، حدّ أني شكلت مع أصدقاء مثل، استناد حداد ومحمد محبوب أول جماعة لنقاد السينما، وهي جماعة ظلت تقاوم، نلتقي أسبوعيا للحوار وللبحث عن جهات ساندة، لكنها لم تستطع مقاومة التهميش، لاسيما وأن الحرب كانت في أوراها، مشتعلة، وزاحفة حتى أحلامنا.

القراءة وشهوة التحوّل

ورطة الحراسة، هي النوم القلق جوار الكتب، جوار أرواح حيواتها المهيجة، تلك التي تنطّ ليلا، على طريقة أبطال بورخس، أو على طريقة كائنات مانغويل، حيث تفقد الكتب شبحيتها، لتبدو بشرية، حارة وحميمة، ولتشاطرني كل الهوس والشغف الذي تحوزه، وتغامر به، وتناضل من أجله، فأنا، وربما لأسباب أيديولوجية ـ لحظتها- عشقتُ الكتّاب المناضلين، الذي يحلمون بإفراط بتغيير العالم على طريقة ماركس، لكن ذلك لم يدم طويلا، فأنا مسكون بالتحوّل، والنظر إلى أن الرفاهية التي تصنعها الكتب، لا تبدو واقعية تماما كثيرا، وربما بعيدة، لاسيما في شرقنا المُعذِب، وهو جعلني أشاطر عبد الرحمن منيف، إذ كنت أجد نفسي مستلبا إزاء أبطاله المسجونين والمغامرين والمنفيين، أتحسس جلدي كل ليلة، خشية أن أصاب بعدوى أولئك الأبطال، لكنني اكتشفتُ أن منيف كان يحتال عليّ أيضا، فلديه نساؤه السريات اللائي يمنحنّ الحكي لذة ساحرة، والإحساس الغامر بنوع من الطبقية الباذخة، وهو ما عشته مع أبطال روايته المشتركة «عالم بلا خرائط» مع جبرا إبراهيم جبرا، الذي أخذني هو الآخر إلى مقروءات ساحرة، حيث يوميات «وليد مسعود» البطل الذي حاولت أن ألبس قناعه، وأن أعيش لذائذه، وحتى مطارداته، فهذا البطل اليساري والليبرالي والثوري والمنفي، هو الكائن الذي جعلني أعيش تمردا على الأبطال المسحوقين، الذين تاهوا بين الأدلجات والكتب الحمر، وسجون الطغاة الذين يتشظون كثيرا في شرقنا الملعون، فهم جنرالات وفقهاء وثوار، وتجار حكي ومخدرات، ولن يتخلوا عن امتيازاتهم الطبقية والجنسية بسهولة.
حاولت أن أعيش التمرد كاملاً، لكني لم أستطع، فأنا كائن قلق، أجيد حراسة المكتبة، أكثر من حراسة الثورة والأيديولوجيا، مثلما كنتُ أعيش الالتزام بوصفه موقفا أخلاقيا وليس أيديولوجيا، لذا ذهبت إلى الفلسفة لكي أرى العالم أوضح، ولكي أتعرّف على تحولات اليسار ذاته، فقرأت رسائل غرامشي بعمق وبهوس، وفكرت كثيرا بمثقفه العضوي، مثلما قرأت التوسير، وكتب جماعة فرانكفورت، لأكون قريبا من التحولات التي تخص المعرفة والأيديولوجيا، وحتى كتابة التاريخ..
رغبتي بالتخطي أخذتني إلى الصمت، وإلى مراجعات باهتة، فأنا لم أكن أملك الوقت الحر لتلك المراجعة، فالحرب والخوف والضجر، أسكناني بما يشبه الفزع، فضلا عن كوني مطاردا، وهاربا بأقنعة متعددة، ورغم ذلك كنتُ أعيش هاجس التحول، والرغبة في أن اصطنع برزخا بين القراءة والكتابة، وما باتت تصنعه المكتبة من «هروبات عاصفة» فلم أستطع أنا الحارس أن أقف أمام نزق أولئك مسجوني المعرفة والسرد، بالهروب والبحث عن حرية تطال اللغة والجسد والهوية والمكان.

الكتابة ويوميات الصحافة

الكتابة ليست عملا للعيش، بل هي عمل للتأمل، فلم أسمع يوما أن كاتبا عاش على بيع أفكاره، وأن وظيفة العطالة الثقافية هي علّة وجودية، وليست علّة عمل، أو هدفا له، لذا ذهبت إلى الصحافة، لكي أعيش وهم أنّي كاتب، وأن مهنتي كمحرر قد تؤكد أني كاتب أخبار أو تقارير، فإذا لم أعمل في الصحافة، أو أنشر فيها، فلن يعرفني أحد، وسأظل أؤدي وظيفة حارس المكتبة، والقارئ الذي يتلصص على العالم، لذا كان الاختيار صعبا، وهو قدر مزعج يعيشه الكثيرون أمثالي، فهم يملأون الصحف العربية بالضجيج، حدّ أن عددا منهم تزلفوا واصطنعوا جماعات بدأت تفرض نفسها على عالم الصحافة، وكنّا نحن فتيان الكتابة الجدد، لا نجد في تلك الأمكنة المطوقة مجالا للتسلل وللحضور، فجغرافيا الصحافة الثقافية خضعت إلى ما يشبه «الاستعمار» القومي، الذي فرض شروطه «صحافيون ومثقفون وتجار إعلام» عرب وعراقيون، تحولوا إلى نجوم وإلى محتكري المنصات والطاولات وغرف التحرير الثقافية، وما عاد هناك من يصغي لأصواتنا المبحوحة، ولأحلامنا التي تنشد التحوّل والتغيير، ولنزقنا الذي بدا ضيقا ومحدودا بين التمرد على سلطة الأيديولوجيا والحرب و»الثورة» والتمرد على الذات المستلبة، فضلا عن أن بعض مثقفي السلطة كانوا يخضعوننا إلى مراقبة، وإلى تفتيش ما نكتبه، وكأننا نكتب بيانات عسكرية، أو نصوصا معارضة..
عرفت أن صناعة الحضور لا تشبه صناعة الغياب، وعليّ أن أغامر كثيرا، وأنْ استعد للمواجهة، ولكي أعرف أن الحصول على امتياز الكاتب لا تقل شأنا عن أي مواجهة أخرى، لأنها ستكون تمثيلا للعلن وليس للاختفاء، كما هي صورة القارئ الحارس القديم للمكتبة.
الرهان على العلن صار هاجسي، وهو ما دأبت عليه، لأكتب النص الأول في النقد عن علاقة السينما بالأدب، وهو ما كان بعضا من أحلامي المبكرة في أن أكون ناقدا سينمائيا، حدّ أني شكلت مع أصدقاء مثل، استناد حداد ومحمد محبوب أول جماعة لنقاد السينما، وهي جماعة ظلت تقاوم، نلتقي أسبوعيا للحوار وللبحث عن جهات ساندة، لكنها لم تستطع مقاومة التهميش، لاسيما وأن الحرب كانت في أوراها، مشتعلة، وزاحفة حتى أحلامنا. وجدت في جريدة «العراق» فرصة للكتابة الأسبوعية، وكان الراحل أحمد شبيب مدير التحرير شخصية ثقافية ملتزمة، تهتم بالكتّاب الشباب والتبشير بهم، فكان يثق بي كثيرا، ويتابع ما أكتبه عبر ملاحظات صارمة وودودة. وهذا ما فتح لي بابا للمغامرة، وللاندفاع نحو عالم أكثر غرابة وسحرا، وأكثر يقينا بأن الكتابة التي تجاور القراءة، تحتاج إلى ما يشبه فك اللزوجة، وإلى تحولات فارقة، كتلك التي عشتها وأنا أعيش هواجس تحولات حارس المكتبة..

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية