تحية لفارس زرزور

حجم الخط
0

تحية لفارس زرزور

رشاد أبوشاورتحية لفارس زرزورأيتها السيدات أيها السادة:كلمتي هذه ليست شهادة، ولكنها تحية.لقد قدمت من عمان لقول كلمة، هي وإن بدت متواضعة، وهي كذلك، فإن صدقها يشفع لها، ولذا فإنني ألتمس منكم المعذرة علي فقرها، وتواضعها، بل وتقشفها.كلمتي ليست شهادة لأنني لست من جيل فارس زرزور، الذي ولد في عام 30 ـ قرأت في بعض المراجع أنه ولد في عام 29 ـ والمجايل لعدد من المبدعين السوريين الكبار الذين ولدوا في سنة ولادته، قبله أو بعده بقليل، وشكلوا جميعاً جيلاً واحداً كبيراً.عندما ملأ حسن جبل بحضوره الحياة الأدبية كنت وأبناء جيلي نتابع بانبهار إبداعات أعلام الأدب العربي: قصة قصيرة، روايةً، وشعراً، في سورية، وعلي امتداد الساحة العربية، وكان فارس زرزور قد كرس لنفسه موقعاً بين هؤلاء الذين أغنوا حياتنا الثقافية. عدت للإقامة في دمشق مطلع السبعينات، فتعرفت بالأستاذ فارس زرزور الذي التقيته في مقر اتحاد الكتاب العرب في شارع مرشد خاطر، وتمشيت معه مراراً بين مقر الاتحاد وبوابة الصالحية.كنت أراه غالباً يمشي وحيداً، صامتاً، مهموماً، ومن عينيه وتقاطيع وجهه التي تبدو حادة، يفيض حزن مترفع.صورته هذه كانت تتناقض مع ملامحه وهو ببدلة ضابط علي الغلاف الخلفي لبعض رواياته، ومنها رائعته حسن جبل. فارس زرزور خلق ليكون كاتباً محترفاً يكرس حياته لحمل هموم الناس، وقضاياهم الوطنية، والاجتماعية، بالكلمة، بالرواية، والقصة القصيرة، وتمجيده لمعارك الحرية التي خاضها شعبه. حضرت اليوم للمشاركة في هذه الاحتفالية التي تعوض عن قصور لحق بهذا الكاتب الكبير، الذي لا أعرف تفاصيل حياته الشخصية، وليست لي معه ذكريات، ولم أقترب من عالمه الداخلي بحكم صداقة وطيدة حميمة.لقد وصلتني دعوة كريمة للمشاركة في هذه الاحتفالية، فارتبكت، فأنا قرأت أعمال هذا الكاتب الكبير في سنوات خلت، وما أقدمه لن يكون دراسة فللدراسات النقدية أساتذتها.ومع ذلك، يمكنني القول بأن لدي كلمةً أقولها عن هذا المبدع الكبير، وإبداعه، وهي تعبر عن صلة مشتركة بيننا وبينه، ومع ما يمثله…أيتها السيدات أيها السادة:فارس زرزور هو كاتب مقاومة كبير، أسهم في إرساء أسس أدب المقاومة مبكراً،الرواية تحديداً، وهو عندي، وآمل أن يكون كذلك عند كثيرين غيري، في مقدمة كتاب أدب المقاومة العرب.هنا أتوقف لأدعوكم من جديد لقراءة رواية (حسن جبل) التي منحت موقعاً بارزاً بين أهم الروايات العربية في القرن العشرين، فحسن جبل ليس مجرد فرد، انه (روح) شعب، وهذا ما نصل إليه إذا ما طرحنا أسئلة بعد قراءة هذا العمل الروائي الشامخ: ما الذي دفع حسن جبل الإنسان البسيط لحمل السلاح ومقاومة فرنسا الاستعمارية المحتلة؟ ما المشاعر، والأفكار، والقيم، التي غذت روحه، وحركته، وجعلته مقاوماً لا يستسلم؟ هل هو مجرد فرد أم إنه تجسيد حي لشعب، بوعي فطري، باعتزاز بالنفس، بتقديس للحرية والكرامة الشخصية والوطنية؟ألا يستدعي حسن جبل إلي ذاكرتنا شخصية وطنية سورية باهرة، أقصد: حسن الخراط (الحارس) الأمي لحارة دمشقية عريقة، والذي قاد الثوار في الغوطة،ووجه رسالة للجنرال الفرنسي ساراي المندوب الفرنسي: أنا حافظت علي الآثار القديمة وأنت هدمتها يا (جننار)..يا ممثل فرنسا ! حسن جبل مارس المقاومة بعفوية، فهو كاره للظلم، وهو محب لوطنه سورية، وهو أنوف لا يرضي بالهوان، وهو غيري لذا يفتدي الناس في وطنه بحياته..فما هي المقاومة، وما هو المقاوم، وما هي الروح الثورية، ما هي الوطنية، إن لم تكن هذه؟شعبنا الفلسطيني عرف في ثوراته، وهباته، وانتفاضاته رجالاً أبطالاً يشبهون تماماً حسن جبل، وللأسف فقد رحل هؤلاء، شهداء، أو موتي منسيين في الوطن والشتات، دون أن يخلدهم أحد بعمل رائع كرواية حسن جبل… لقد كتب فارس زرزور (لن تسقط المدينة) مكملاً روايته حسن جبل، وهما معاً روايتا المقاومة السورية، ونحن إذ نحتفي بهذا الكاتب الكبير فإننا ونحن نري المدن العربية تسقط، وتقاوم، وتتحفز، وتهدد وتستهدف، فإننا نستعيد بطولات (حسن جبل) وناس (لن تسقط المدينة) لنستلهم مسيرتهم. قبل سنوات بعيدة قرأت قصة للكاتب الكبير عبد السلام العجيلي بعنوان (النهر سلطان) وكانت مقررة علي طلاب الآداب في جامعة دمشق، وقد أحضرها لي مطبوعة علي الستانسل الصديق الشاعر الراحل فواز عيد، لأقرأها وأتعلم منها فن القص. القصة تدور حول نهر الفرات، العاتي الثورة، الهادم رغم حمله للخصب، القاتل، والذي يختطف ابن الرجل الفلاح من وراء ظهره، ويمضي به دون أن يترك أثراً.النهر سلطان، الفرات، تم ترويضه، فقد أنشئ سد الفرات، وعنه كتب فارس زرزور روايته (آن له أن ينصاع)…لم يتوقف النقاد جدياً عند هذه الرواية، إذ اعتبروها رواية تسجيلية إعلامية، وعندي أنها رواية مقاومة، فنهر الفرات، لم يعد سلطاناً يتحكم بمزاجية بالخصب، وحياة البشر، فالإنسان العربي السوري روضه وفرض عليه أن ينصاع.تساءلت كثيراً: لماذا لم نقرأ دراسة مقارنة بين (نجمة أغسطس) لصنع الله إبراهيم التي كتبها عن السد العالي و(آن له أن ينصاع)، فموضوع الروايتين متشابه، ولكنهما كتبتا بأسلوبين ورؤيتين مختلفتين. من بين أعماله القصصية، حققت مجموعته القصصية (اثنان وأربعون راكباً ونصف) صدي طيباً لدي النقاد والقراء، وأنا ما زلت أتذكر تلك الحافلة المتداعية، والإثنين وأربعين راكباً ونصف، لبراعة الواقعية التي كتبها بها فارس زرزور، والتي تذهب عميقاً في النفس الإنسانية، بتعاطف الطبيب المعالج، الذي يمكن أن يجري جراحة ويسيل دم المريض، ولكنه يفعل كل هذا حباً وإنسانيةً ورحمةً، وبغاية الإنقاذ، والحماية من الموت.أيتها السيدات أيها السادة: مرة سمعت فارس زرزور يسأل أحد الكتاب:ـ أنت تكتب نقداً، أليس كذلك؟وهنا أرتج علي الكاتب الشاب، فلم يحر جواباً، ولم يضف فارس زرزور شيئاً.هل كان الكاتب الكبير يتألم للتجاهل، وعدم الاهتمام؟أحسب أن الأمر كذلك، ولكنه كما لمست كان مترفعاً، وإن بدا موجوعاً.لقد سمعت الروائي هاني الراهب يصف فارس زرزور:ـ هو في جيده أفضل من جيدنا، وفي رديئه أفضل من رديئنا.وسمعت منه:ـ إنه رهيب، إنه مخيف…ماذا كان يدور في عالم فارس زرزور الداخلي حتي يصفه هاني الراهب،القريب منه، بأنه رهيب ومخيف؟ !الرجل لم يكن عدوانياً، ولا متطلباً… سمعت هاني الراهب يصف حضوره لزيارته في بيته:ـ يأتي، يجلس، نشرب معاً في صمت، ثم يمضي…فارس زرزور حضر، وكتب، وترك لنا الكثير، ثم رحل.إن شئنا أن ننصفه، ونقدر فنه، وقد رحل عن دنيانا وما عاد يطمع منا بشيء مادي، أري أن تكريمه الحقيقي يكون بتوفير أعماله الروائية والقصصية للأجيال الطالعة، وحضها علي قراءة ما كتب، فحسن جبل قدوة، والدفاع عن المدينة المهددة، أو المدن التي يجب أن لا تسقط ببسالة أهلها، وبناء سد الفرات، وبؤس حياة الفقراء، كل هذا يفترض أن يصل إلي العقول والقلوب، يصبح ثقافة عامة. ما تركه فارس زرزور هو أدب مقاومة، مقاومة للعدو الخارجي، ومقاومة للظلم والتمييز بين الناس، مقاومة غايتها العدل والحرية وكرامة الوطن والمواطن. ما كتبه فارس زرزور هو غالباً فن روائي وقصصي رفيع المستوي تقنياً، ولذا نحن نحتفي به اليوم.أيتها السيدات أيها السادة: أمتنا لن تنهض بدون مقاومة، والمقاومة ليست بندقية حسب، إنها الوعي، والبناء، واحترام الإنسان وحقه في أن يكون سيد نفسه، ليسهم في حماية الوطن والنهوض به.لكل هذا كتب فارس زرزور، وأنا حضرت اليوم لقول كلمتي المتواضعة هذه، التي تنبع من روح المقاومة التي تجمعنا، والتي تدفعنا للمزيد من المقاومة: مقاومة الاحتلال، والتغريب، مقاومة ثقافة التفاهة التي هي ثقافة شرائح هجينة متسيدة في الوطن العربي، مقاومة الظلم وامتهان حقوق الإنسان العربي في كل مكان من بلاد العرب.حسن جبل أيتها السيدات أيها السادة، رأيته أمس وأنا قادم براً من عمان، كان يتلثم بكوفيته (السلك)، انبثق من بين الصخور السوداء البركانية، وعبر الإسفلت مسرعاً صامتاً، مشرعاً بندقيته، وكأنما يدعونا لليقظة، فالأعداء عادوا، والمدن مهددة، وليس من سبيل سوي المقاومة.نعم يا حسن جبل: لقد رحلت فرنسا من سورية، ولكن الأعداء عادوا علي هيئة المارينز، والصهاينة، وإنهم يهددون كل مدن العرب…المجد لذكري كاتب المقاومة فارس زرزور، لرواياته المقاومة، لقصصه الإنسانية الممتعة، لحياته المترفعة التي فيها كثير من كبرياء أبطاله، وعظمة إنسانيتهم…ـ شهادة الكاتب في الندوة التي عقدت يومي 28 و29 كانون الثاني (يناير)، لتكريم الروائي والقاص السوري الراحل فارس زرزور بدعوة من وزارة الثقافة السورية، والتي شارك فيها عدد من النقاد والكتاب العرب…ـ ولد الروائي والقاص السوري فارس زرزور عام 1930 في دمشق، وتوفي عام 2003 وله عدة روايات منها: حسن جبل، لن تسقط المدينة، المذنبون، الحفاة، اللااجتماعيون، آن له أن ينصاع..وأعمال قصصية منها: 42 راكباً ونصف…0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية