تخبطات حكومة المالكي وأكاذيبها

حجم الخط
0

أمير المفرجي كشفت الأحداث الأخيرة في الساحة السياسية العراقية وما رافقها من تصريحات وأفعال رسمية من خلال قمة الهرم السياسي الحكومي العراقي عن مدى التخبط والكذب والمغالطات التي تدعيها الجهات الحاكمة في العراق، للتخلص من مسؤوليتها المباشرة من حصيلة ونتائج سنوات الفقر والقتل والفساد التي عاناها ويعاني منها العراق لحد الآن. فهي بالإضافة إلى كونها شهادة زور كاذبة للوضع السياسي والاجتماعي في العراق فإنها تعكس وتترجم في نفس الوقت حجم تخبط الحكومة الفاشلة في تحقيق مطالب الشعب الأساسية مع اقتراب (موعد الإصلاح) من نهايته، بعد تحديد رئيس الوزراء نوري المالكي فترة مئة يوم لتقييم عمل الوزارات، غداة تظاهرات حاشدة شهدتها بغداد وعدد من المحافظات العراقية في 25 شباط/فبراير الماضي، التي من خلالها طالب المتظاهرون برحيل المُحتل وبإنهاء الفساد في الدولة وتحسين الخدمات والأوضاع المعيشية ومعالجة البطالة.

ونظرا لغياب حل صادق يتلائم مع المطالب الجماهيرية، كون أن فترة (المئة يوم) سوف لن تكون كافية لانجاز الخدمات الأساسية وكشف الفاسدين والسارقين في بلد مُحتل يفتقد لبنية خدمية حقيقية بعد ثماني سنوات من التدمير والتخريب، وان أي حل صادق يحتاج إلى إصلاح جذري يتعلق ببنية النظام نفسه، فلم يبق للحكومة العراقية ورئيسها سوى استعمال الخداع والمراوغة لكسب الوقت والبحث عن حل وخيارات تبقيهم في السلطة لسنوات جديدة، كخيار العزل الطائفي وتشكيل حكومة أغلبية سياسية من حزب الدعوة والتيار الصدري والمجلس الأعلى، أو خيارات أخرى تعمل على إبقاء السلطة بيد المالكي وعدم إشراك الآخرين فيها إلا من يُرضى عنه. وقد يـُنفذ هذا الحل عن طريق سيناريو (كذبة جديدة) مفادها بأنه ليس (المالكي) الذي فشل في الحكم، إنما الذي فشل هم هؤلاء الوزراء أنفسهم. وبهذا يتم له إبعاد الآخرين من المنافسين والمنتقدين له من المشاركة في إدارة الدولة، ليؤكد في النهاية نيته المعلنة التي أظهرها سابقا تخبط المالكي وتشبثه في البقاء على كرسي السلطة من خلال عباراته السيئة الصيت (ما ننطيها ولن ننطيها بعد). وهكذا وعلى الرغم من الوضع المأساوي الناتج من الفشل في الحكم، يصر البعض بعقلية ساذجة على التشبث بزمام السلطة، انطلاقا من فكرة خاطئة وبغياب المنطق والمسؤولية، مفادها أنهم هم وحدهم القادرون على إحلال الأمن وبسط السلام وإنصاف الرعية وإعطاء العراقي حقه بثروات النفط العظمية التي من الله بها على هذا البلد. وقد وصل درجة هذه السذاجة إلى حد لا يتحمله حتى الإنسان البسيط نفسه حين يرى البعض منهم أن العراق هو البلد الأكثر احتراما لحقوق الإنسان، بل الأكثر رفاها وأمانا في المنطقة، وان التغيير الذي حصل بمجيئهم إلى السلطة في هذا البلد على ظهر الدبابة الأمريكية لا تؤثر عليه تداعيات ثورة الربيع العربي المتفجرة في المنطقة، وان من يتظاهر ضدهم في السر والعلانية هو تآمر قوى مظلمة مما تبقى من فلول النظام السابق. وبمعنى آخر فانهم لا يرون ولا يفهمون في التظاهرات الرافضة لوجودهم في حكم العراق في ساحة التحرير والمدن الأخرى على أنها تحصيل حاصل لفشلهم الشنيع في الحكم، بل (على إنها تقليد فارغ لجيرانهم من الشعوب العربية تشارك فيه القوى المناهضة لنظامهم السياسي ومكتسباته). وبالتالي فهم يفسرون الفشل وسرقة الأموال العامة وغياب أبسط الخدمات من ماء وكهرباء على انه (تآمر). فثورات الربيع العربي بأهدافها في التغيير والرفاهية، وحسب عقليتهم إذن، لا يتمناها الشعب في بلاد الرافدين. وإرادات وتطلعات الشعب المصري والليبي واليمني في الحرية بمفهومهم لا يناضل من أجلها الملايين من العراقيين، لأنها تحققت بطريقة حكمهم الطائفي وأساليب القمع الذي سمح لهم الاحتلال بتنفيذها على شعبهم. فمطالبة الشعب بالخدمات وخروجه في مظاهرات مدنية تطالب برحيل الاحتلال ومحاسبة الفاسدين في حكومته، هي حسب رأيه جريمة تستهدف القضاء على (مكتسبات الشعب) يقف وراءها (البعثيون والصداميون والإرهابيون والقاعدة) وسيكون مصير من يـُنظمها التعذيب والسجن، وكما حدث أخيراً لأربعة من المتظاهرين الذين اختطفتهم قوات عسكرية بسيارات الإسعاف الحكومية من ساحة التحرير، على الرغم من أن ممارسة التظاهر هو حق كفله الدستور والشرائع السماوية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ومن هذا المنطق وعلى الرغم من وضوح الرؤية وانكشاف حقيقة الأمور، يستمر حكام العراق الجدد في تخبطهم في شؤون السياسة وأمور العراق، فهم ديمقراطيون في خطاباتهم ودكتاتوريون في أفعالهم، متسامحون في نظراتهم وجلادون في ممارساتهم. فعراق اليوم هو عراق نواياهم وطريقة تطبيق دستورهم الذين يرونه كما يرون أنفسهم وتفسره ثقافتهم. فما يحصل اليوم من ممارسات تعسفية كمنع للمظاهرات والتضييق على المواطنين في وضع المزيد من القيود على المتظاهرين وتكميم أفواه الشعب وقمعهم، فضحت أكاذيب وتناقض خطابات رئيس الحكومة التي لا معنى لها والتي طالما دعت الى احترام الدستور وحرية التعبير واحترام حقوق الإنسان بيد أنه أول من يخالفه ليثبت انه أكثر الأشخاص تطلعا للدكتاتورية والانفراد بالسلطة.

وهكذا وبالكذب والتخبط فقط يستمر مسلسل (النخبة الحاكمة) التي اختارتها وأورثتها الولايات المتحدة لحكم العراق. فليس هناك أي منجزات أو مشاريع مهمة على الرغم من ادعاءاتهم بالديمقراطية وتحقيق الرفاهية والعز الذي يصبو إليه الشعب العراقي. فحالة العراق اليوم وبشهادة المنظمات الدولية المستقلة، وكما عرضتها ورفعتها بشجاعة الناشطة العراقية السيدة هناء إدوار بوجه نوري المالكي، هي حالة لعراق فاسد ودموي لم تجد فيه الديمقراطية مجالا حراً في الإنصاف السياسي وحقوق الإنسان بعد أن أثبتت الأحداث الأخيرة أن حرية التعبير وحق التظاهر للجميع ليس سوى خطابات وحبر على ورق.’ كاتب من تيار المواطنة العراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية